All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Aḥqāf 46:13 Juzʾ 26 Page 503

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Indeed, those who have said, "Our Lord is Allah," and then remained on a right course - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

Read in the muṣḥaf

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ أُوثِرَ بِصَرِيحِهِ جانِبُ المُؤْمِنِينَ مِنَ المُسْتَمِعِينَ لِلْقُرْآنِ لِأنَّهم لَمّا سَمِعُوا البُشْرى تَطَلَّعُوا إلى صِفَةِ البُشْرى وتَعْيِينِ المُحْسِنِينَ لِيَضَعُوا أنْفُسَهم في حَقِّ مَواضِعِها، فَأُجِيبُوا بِأنَّ البُشْرى هي نَفْيُ الخَوْفِ والحُزْنِ عَنْهم، وأنَّهم أصْحابُ الجَنَّةِ وأنَّ المُحْسِنِينَ هُمُ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا في أعْمالِهِمْ. وأُشِيرَ بِمَفْهُومِهِ إلى التَّعْرِيضِ بِالَّذِينَ ظَلَمُوا فَإنَّ فِيهِ مَفْهُومَ القَصْرِ مِن قَوْلِهِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ.

وتَعْرِيفُهم بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَعْلِيلِ كَرامَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ لِأنَّهم جَمَعُوا حُسْنَ مُعامَلَتِهِمْ لِرَبِّهِمْ بِتَوْحِيدِهِ وخَوْفِهِ وعِبادَتِهِ، وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ إلى حُسْنِ مُعامَلَتِهِمْ أنْفُسَهم وهو مَعْنى ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

صفحة ٢٧
وجِيءَ في صِلَةِ المَوْصُولِ بِفِعْلٍ قالُوا لِإيجازِ المَقُولِ وغِنْيَتِهِ عَنْ أنْ يُقالَ: اعْتَرَفُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ وأطاعُوهُ. والمُرادُ: أنَّهم قالُوا ذَلِكَ واعْتَقَدُوا مَعْناهُ؛ إذِ الشَّأْنُ في الكَلامِ الصِّدْقُ وعَمِلُوا بِهِ لِأنَّ الشَّأْنَ مُطابَقَةُ العَمَلِ لِلِاعْتِقادِ.
(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ: وهو الِارْتِقاءُ والتَّدَرُّجُ، فَإنَّ مُراعاةَ الِاسْتِقامَةِ أشَقُّ مِن حُصُولِ الإيمانِ؛ لِاحْتِياجِها إلى تَكَرُّرِ مُراقَبَةِ النَّفْسِ، فَأمّا الإيمانُ فالنَّظَرُ يَقْتَضِيهِ واعْتِقادُهُ يَحْصُلُ دَفْعَةً لا يَحْتاجُ إلى تَجْدِيدِ مُلاحَظَةٍ. فَهَذا وجْهُ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ مِن جِهَةٍ، وإنْ كانَ الإيمانُ أرْقى دَرَجَةً مِنَ العَمَلِ مِن حَيْثُ إنَّهُ شَرْطٌ في الِاعْتِدادِ بِالعَمَلِ ولِذَلِكَ عَطَفَ بِـ (ثُمَّ) الَّتِي لِلتَّراخِي في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وما أدْراكَ ما العَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١٢] إلى قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البلد: ١٧]، فالِاعْتِبارانِ مُخْتَلِفانِ بِاخْتِلافِ المَقامِ المَسُوقِ فِيهِ الكَلامُ كَما يَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ هُنا وهُناكَ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ فُصِّلَتْ.

ودُخُولُ الفاءِ عَلى خَبَرِ المَوْصُولِ وهو ”فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ“ لِمُعامَلَةِ المَوْصُولِ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، فَأفادَ تَسَبُّبُ ذَلِكَ في أمْنِهِمْ مِنَ الخَوْفِ والحُزْنِ.

و”عَلَيْهِمْ“ خَبَرٌ عَنْ خَوْفٍ، أيْ لا خَوْفٌ يَتَمَكَّنُ مِنهم ويُصِيبُهم ويَلْحَقُهم.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدُ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ ”ولا هم يَحْزَنُونَ“ لِتَخْصِيصِ المُسْنَدِ إلَيْهِ بِالخَبَرِ نَحْوِ: ما أنا قُلْتُ هَذا، أيْ أنَّ الحُزْنَ مُنْتَفٍ عَنْهم لا عَنْ غَيْرِهِمْ، والمُرادُ بِالغَيْرِ: مَن لَمْ يَتَّصِفْ بِالإيمانِ والِاسْتِقامَةِ في مَراتِبِ الكُفْرِ والعِصْيانِ، فَجِنْسُ الخَوْفِ ثابِتٌ لِمَن عَداهم عَلى مَراتِبِ تَوَقُّعِ العِقابِ حَتّى في حالَةِ الوَجَلِ مِن عَدَمِ قَبُولِ الشَّفاعَةِ فِيهِمْ ومِن تَوَقُّعِ حِرْمانِهِمْ مِن نَفَحاتِ اللَّهِ - تَعالى.

واسْتِحْضارُهم بِطَرِيقِ اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ”أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ“ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يَرِدُ مِنَ الإخْبارِ عَنْهم بِما بَعْدَ الإشارَةِ؛ لِأجْلِ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٢٨
وأصْحابُ الجَنَّةِ أدَلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ بِالجَنَّةِ مِن أنْ يُقالَ: أُولَئِكَ في الجَنَّةِ وأُولَئِكَ لَهُمُ الجَنَّةُ لِما في ”أصْحابُ“ مِن مَعْنى الِاخْتِصاصِ وما في الإضافَةِ أيْضًا.
وقَوْلُهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَصْرِيحٌ بِما اسْتُفِيدَ مِن تَعْلِيلِ الصِّلَةِ في الخَبَرِ ومِنَ اقْتِضاءِ اسْمِ الإشارَةِ جَدارَتَهم بِما بَعْدَهُ وما أفادَهُ وصْفُ ”أصْحابُ“ وما أفادَتْهُ الإضافَةُ، وهَذا مِن تَمامِ العِنايَةِ بِالتَّنْوِيهِ بِهِمْ.

The same ayah, in another commentary

Al-Aḥqāf 46:13