All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Aḥqāf 46:12 Juzʾ 26 Page 503

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And before it was the scripture of Moses to lead and as a mercy. And this is a confirming Book in an Arabic tongue to warn those who have wronged and as good tidings to the doers of good.

Read in the muṣḥaf

صفحة ٢٤
﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً وهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾
اتَّبَعَ إبْطالَ تُرَّهاتِهِمُ الطّاعِنَةِ في القُرْآنِ بِهَذا الكَلامِ المُفِيدِ زِيادَةَ الإبْطالِ لِمَزاعِمِهِمْ بِالتَّذْكِيرِ بِنَظِيرِ القُرْآنِ ومَثِيلٍ لَهُ مِن كُتُبِ اللَّهِ - تَعالى - هو مَشْهُورٌ عِنْدَهم وهو التَّوْراةُ مَعَ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ ومَزِيَّتِهِ، والنَّعْيِ عَلَيْهِمْ إذْ حَرَمُوا أنْفُسَهُمُ الِانْتِفاعَ بِها، فَعُطِفَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى الَّتِي قَبْلَها لِارْتِباطِها بِها في إبْطالِ مَزاعِمِهِمْ وفي أنَّها ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ [الأحقاف: ١٠] كَما تَقَدَّمَ.

فَفِي قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ إبْطالٌ لِإحالَتِهِمْ أنْ يُوحِيَ اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِأنَّ الوَحْيَ سُنَّةٌ إلَهِيَّةٌ سابِقَةٌ مَعْلُومَةٌ أشْهَرُهُ كِتابُ مُوسى، أيِ التَّوْراةُ وهم قَدْ بَلَغَتْهم نُبُوءَتُهُ مِنَ اليَهُودِ.

وضَمِيرُ ”مِن قَبْلِهِ“ عائِدٌ إلى القُرْآنِ.

وتَقْدِيمُ ”مِن قَبْلِهِ“ لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ لِأنَّهُ مَحَلُّ المَقْصِدِ مِنَ الجُمْلَةِ.

وعُبِّرَ عَنِ التَّوْراةِ بِـ ”كِتابِ مُوسى“ بِطَرِيقِ الإضافَةِ دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ وهو التَّوْراةُ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الإضافَةُ إلى اسْمِ مُوسى مِنَ التَّذْكِيرِ بِأنَّهُ كِتابٌ أُنْزِلَ عَلى بَشَرٍ كَما أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ تَلْمِيحًا إلى مَثارِ نَتِيجَةِ قِياسِ القُرْآنِ عَلى كِتابِ مُوسى بِالمُشابِهَةِ في جَمِيعِ الأحْوالِ.

و‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ حالانِ مِن كِتابِ مُوسى، ويَجُوزُ كَوْنُهُما حالَيْنِ مِن مُوسى، والمَعْنَيانِ مُتَلازِمانِ.

والإمامُ: حَقِيقَتُهُ الشَّيْءُ الَّذِي يَجْعَلُهُ العامِلُ مِقْياسًا لِعَمَلِ شَيْءٍ آخَرَ ويُطْلَقُ إطْلاقًا شائِعًا عَلى القُدْوَةِ قالَ - تَعالى - ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ [الفرقان: ٧٤] . وأصْلُ هَذا الإطْلاقِ اسْتِعارَةٌ صارَتْ بِمَنزِلَةِ الحَقِيقَةِ، واسْتُعِيرَ الإمامُ لِكِتابِ مُوسى لِأنَّهُ يُرْشِدُ إلى ما يَجِبُ عَمَلُهُ فَهو كَمَن يُرْشِدُ ويَعِظُ، ومُوسى إمامٌ أيْضًا بِمَعْنى القُدْوَةِ.

والرَّحْمَةُ: اسْمُ مَصْدَرٍ لِصِفَةِ الرّاحِمِ وهي مِن صِفاتِ الإنْسانِ فَهي رِقَّةٌ في النَّفْسِ تَبْعَثُ عَلى سَوْقِ الخَيْرِ لِمَن تَتَعَدّى إلَيْهِ، ووَصْفُ الكِتابِ بِها اسْتِعارَةٌ لِكَوْنِهِ

صفحة ٢٥
سَبَبًا في نَفْعِ المُتَّبِعِينَ لِما تَضْمَنَهُ مِن أسْبابِ الخَيْرِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
ووَصْفُ الكِتابِ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةٌ في الِاسْتِعارَةِ، ومُوسى أيْضًا رَحْمَةٌ لِرِسالَتِهِ كَما وُصِفَ مُحَمَّدٌ ﷺ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنبياء: ١٠٧] .

وقَوْلُهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ إلَخْ هو المَقِيسُ عَلى كِتابِ مُوسى.

والإشارَةُ إلى القُرْآنِ لِأنَّهُ حاضِرٌ بِالذِّكْرِ فَهو كالحاضِرِ بِالذّاتِ.

والمُصَدِّقُ: المُخْبِرُ بِصِدْقِ غَيْرِهِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ المُصَدِّقِ لِيَشْمَلَ جَمِيعَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، قالَ - تَعالى - ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الأحقاف: ٣٠]، أيْ مُخْبِرٌ بِأحَقِّيَّةِ كُلِّ المَقاصِدِ الَّتِي جاءَتْ بِها الكُتُبُ السَّماوِيَّةُ السّالِفَةُ. وهَذا ثَناءٌ عَظِيمٌ عَلى القُرْآنِ بِأنَّهُ احْتَوى عَلى كُلِّ ما في الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ وجاءَ مُغْنِيًا عَنْها ومُبَيِّنًا لِما فِيها.

والتَّصْدِيقُ يُشْعِرُ بِأنَّهُ حاكِمٌ عَلى ما اخْتُلِفَ فِيهِ مِنها. وما حُرِّفَ فَهْمُهُ بِها قالَ - تَعالى - ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [المائدة: ٤٨] .

وزادَهُ ثَناءً بِكَوْنِهِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏، أيْ لُغَةً عَرَبِيَّةً فَإنَّها أفْصَحُ اللُّغاتِ وأنْفَذُها في نُفُوسِ السّامِعِينَ وأحَبُّ اللُّغاتِ لِلنّاسِ، فَإنَّها أشْرَفُ وأبْلَغُ وأفْصَحُ مِنَ اللُّغَةِ الَّتِي جاءَ بِها كِتابُ مُوسى، ومِنَ اللُّغَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ بِها ودَوَّنَها أتْباعُهُ أصْحابُ الأناجِيلِ.

وأُدْمِجَ لَفْظُ ”لِسانًا“ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُرادَ بِعَرَبِيَّتِهِ عَرَبِيَّةُ ألْفاظِهِ لا عَرَبِيَّةُ أخْلاقِهِ وتَعالِيمِهِ لِأنَّ أخْلاقَ العَرَبِ يَوْمَئِذٍ مُخْتَلِطَةٌ مِن مَحاسِنَ ومَساوِئَ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ نَفى عَنْها المَساوِئَ، ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «إنَّما بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ» .

وغَلَبَ إطْلاقُ اللِّسانِ عَلى اللُّغَةِ لِأنَّ أشْرَفَ ما يُسْتَعْمَلُ فِيهِ اللِّسانُ هو الكَلامُ قالَ - تَعالى - ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [إبراهيم: ٤]، وقالَ ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ [مريم: ٩٧] .

وقَوْلُهُ ﴿لِتُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ﴿مُصَدِّقًا لِسانًا عَرَبِيًّا﴾ لِأنَّ ما سَبَقَهُ مُشْتَمِلٌ عَلى الإنْذارِ والبِشارَةِ، والأحْسَنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما في ”كِتابٌ“ مِن مَعْنى

صفحة ٢٦
الإرْشادِ المُشْتَمِلِ عَلى الإنْذارِ والبِشارَةِ. وهَذا أحْسَنُ لِيَكُونَ ”لِتُنْذِرَ“ عِلَّةً لِلْكِتابِ بِاعْتِبارِ صِفَتِهِ وحالِهِ.
والَّذِينَ ظَلَمُوا هُمُ المُشْرِكُونَ، ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [لقمان: ١٣] ويَلْحَقُ بِهِمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ ولِذَلِكَ قُوبِلَ بِالمُحْسِنِينَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ الأتْقِياءُ لِأنَّ المُرادَ ظُلْمُ النَّفْسِ، ويُقابِلُهُ الإحْسانُ.

والنِّذارَةُ مَراتِبُ والبِشارَةُ مِثْلُها.

و”بُشْرى“ عَطْفٌ عَلى ”مُصَدِّقٌ“، والتَّقْدِيرُ: وهو بُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ، أيِ الكِتابُ، وهَذا النَّظْمُ يَجْعَلُ الجُمْلَةَ بِمَنزِلَةِ الِاحْتِراسِ والتَّتْمِيمِ.

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والبَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ (لِتُنْذِرَ) بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ خِطابًا لِلرَّسُولِ ﷺ فَيَحْصُلُ وصْفُ الرَّسُولِ ﷺ بِأنَّهُ مُنْذِرٌ، ووَصْفُ كِتابِهِ بِأنَّهُ بُشْرى وفِيهِ احْتِباكٌ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ عَنِ الكِتابِ؛ فَإسْنادُ الإنْذارِ إلى ”كِتابٌ“ مَجازٌ عَقْلِيٌّ.

The same ayah, in another commentary

Al-Aḥqāf 46:12