All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Aḥqāf 46:21 Juzʾ 26 Page 505

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And mention, [O Muhammad], the brother of 'Aad, when he warned his people in the [region of] al-Ahqaf - and warners had already passed on before him and after him - [saying], "Do not worship except Allah. Indeed, I fear for you the punishment of a terrible day."

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏

سِيقَتْ قِصَّةُ هُودٍ وقَوْمِهِ مَساقَ المَوْعِظَةِ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالقُرْآنِ كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم مَن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ مَعَ ما أُعْقِبَتْ بِهِ مِنَ الحُجَجِ المُتَقَدِّمَةِ مِن قَوْلِهِ قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ الَّذِي يُقابِلُهُ قَوْلُ هُودٍ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ ثُمَّ قَوْلِهِ قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ الَّذِي يُقابِلُهُ قَوْلُهُ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنَ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ، ذَلِكَ كُلُّهُ بِالمَوْعِظَةِ بِحالِ هُودٍ مَعَ قَوْمِهِ. وسِيقَتْ أيْضًا مَساقَ الحُجَّةِ عَلى رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وعَلى عِنادِ قَوْمِهِ بِذِكْرِ مِثالٍ لِحالِهِمْ مَعَ رَسُولِهِمْ بِحالِ عادٍ مَعَ رَسُولِهِمْ. ولَها أيْضًا مَوْقِعُ التَّسْلِيَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى ما تَلَقّاهُ بِهِ قَوْمُهُ مِنَ العِنادِ والبُهْتانِ؛ لِتَكُونَ مَوْعِظَةً وتَسْلِيَةً مَعًا يَأْخُذُ كُلٌّ مِنها ما يَلِيقُ بِهِ.

ولا تَجِدُ كَلِمَةً أجْمَعَ لِلْمَعْنَيَيْنِ مَعَ كَلِمَةِ اذْكُرْ لِأنَّها تَصْلُحُ لِمَعْنى الذِّكْرِ اللِّسانِيِّ بِأنْ يُرادَ أنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ لِقَوْمِهِ، ولِمَعْنى الذُّكْرِ بِالضَّمِّ بِأنْ يَتَذَكَّرَ تِلْكَ الحالَةَ في نَفْسِهِ وإنْ كانَتْ تَقَدَّمَتْ لَهُ وأمْثالُها لِأنَّ في التَّذَكُّرِ مَسْلاةً وأُسْوَةً كَقَوْلِهِ - تَعالى - اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ في سُورَةِ ص.

وكِلا المَعْنَيَيْنِ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ آنِفًا قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ فَإنَّهُ إذا قالَ لَهم ذَلِكَ تَذَكَّرُوا ما يَعْرِفُونَ مِن قَصَصِ الرُّسُلِ مِمّا قَصَّهُ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ مِن قَبْلُ وتَذَكَّرَ هو - لا مَحالَةَ - أحْوالَ رُسُلٍ كَثِيرِينَ ثُمَّ جاءَتْ قِصَّةُ هُودٍ مِثالًا لِذَلِكَ.

ومُشْرِكُو مَكَّةَ إذا تَذَكَّرُوا في حالِهِمْ وحالِ عادٍ وجَدُوا الحالَيْنِ مُتَماثِلَيْنِ فَيَجْدُرُ بِهِمْ أنْ يَخافُوا مِن أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَهم.

والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ عادٍ لِأنَّهم أوَّلُ الأُمَمِ العَرَبِيَّةِ الَّذِينَ جاءَهم رَسُولٌ بَعْدَ

صفحة ٤٥
رِسالَةِ نُوحٍ العامَّةِ وقَدْ كانَتْ رِسالَةُ هُودٍ ورِسالَةُ صالِحٍ قَبْلَ رِسالَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وتَأْتِي بَعْدَ ذِكْرِ قِصَّتِهِمْ إشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ إلى أُمَمٍ أُخْرى مِنَ العَرَبِ كَذَّبُوا الرُّسُلَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأحقاف: ٢٧] الآيَةَ.
وأخُو عادٍ هو هُودٌ وتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ.

وعَبَّرَ عَنْهُ هُنا بِوَصْفِهِ دُونَ اسْمِهِ العَلَمِ لِأنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ هُنا ذِكْرُ التَّمْثِيلِ والمَوْعِظَةِ لِقُرَيْشٍ بِأنَّهم أمْثالُ عادٍ في الإعْراضِ عَنْ دَعْوَةِ رَسُولٍ مَن أُمَّتِهِمْ.

والأخُ يُرادُ بِهِ المُشارِكُ في نَسَبِ القَبِيلَةِ، يَقُولُونَ: يا أخا بَنِي فُلانٍ، ويا أخا العَرَبِ، وهو المُرادُ هُنا وقَدْ يُرادُ بِها المُلازِمُ والمُصاحِبُ، يُقالُ: أخُو الحَرْبِ وأخُو عَزَماتٍ. وقالَ النَّبِيءُ ﷺ لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ: «أنْتَ أخُونا ومَوْلانا» وهو المُرادُ في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الشعراء: ١٦٠] ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشعراء: ١٦١] . ولَمْ يَكُنْ لُوطٌ مِن نَسَبِ قَوْمِهِ أهْلِ سَدُومَ.

و”إذْ أنْذَرَ“ اسْمٌ لِلزَّمَنِ الماضِي، وهي هُنا نَصْبٌ عَلى البَدَلِ مِن أخا عادٍ، أيِ اذْكُرْ زَمَنَ إنْذارِهِ قَوْمَهُ فَهي بَدَلُ اشْتِمالٍ.

وذِكْرُ الإنْذارِ هُنا دُونَ الدَّعْوَةِ أوِ الإرْسالِ لِمُناسَبَةِ تَمْثِيلِ حالِ قَوْمِ هُودٍ بِحالِ قَوْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ - تَعالى - في أوَّلِ السُّورَةِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأحقاف: ٣] .

والأحْقافُ: جَمْعُ حِقْفٍ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، وهو الرَّمْلُ العَظِيمُ المُسْتَطِيلُ وكانَتْ هَذِهِ البِلادُ المُسَمّاةُ بِالأحْقافِ مَنازِلَ عادٍ وكانَتْ مُشْرِفَةً عَلى البَحْرِ بَيْنَ عُمانَ وعَدَنَ. وفي مُنْتَهى الأحْقافِ أرْضُ حَضْرَمَوْتَ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ عادٍ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وجُمْلَةُ وقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنَ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ”أنْذَرَ“ وجُمْلَةِ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ المُفَسَّرَةِ بِها.

وقَدْ فُسِّرَتْ جُمْلَةُ ”أنْذَرَ“ بِجُمْلَةِ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إلَخْ.

و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِأنَّ ”أنْذَرَ“ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ.

صفحة ٤٦
ومَعْنى ”‏‏‏ ‏‏‏‏“ سَبَقَتِ النُّذُرُ أيْ نُذُرُ رُسُلٍ آخَرِينَ. والنُّذُرُ: جَمْعُ نِذارَةٍ بِكَسْرِ النُّونِ.
ومِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ بِمَعْنى قَرِيبًا مِن زَمانِهِ وبَعِيدًا عَنْهُ، فَـ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ مَعْناهُ القُرْبُ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [سبإ: ٤٦]، أيْ قَبْلَ العَذابِ قَرِيبًا مِنهُ قالَ - تَعالى - وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا، وقالَ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ. وأمّا الَّذِي مِن خَلْفِهِ فَنُوحٌ فَقَدْ قالَ هُودٌ لِقَوْمِهِ واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ، وهَذا مُراعاةً لِلْحالَةِ المَقْصُودِ تَمْثِيلُها فَهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ - تَعالى - ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأحقاف: ٩] أيْ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ رُسُلٌ مِثْلَ ما خَلَتْ بِتِلْكَ.

وجُمْلَةُ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ في قَوْلِهِ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [هود: ٢٦]، أيْ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ بِسَبَبِ شِرْكِكم.

وعَذابُ اليَوْمِ العَظِيمِ يَحْتَمِلُ الوَعِيدَ بِعَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ وبِعَذابِ يَوْمِ الِاسْتِئْصالِ في الدُّنْيا، وهو الَّذِي عُجِّلَ لَهم. ووُصِفَ اليَوْمُ بِالعِظَمِ بِاعْتِبارِ ما يَحْدُثُ فِيهِ مِنَ الأحْداثِ العَظِيمَةِ، فالوَصْفُ مَجازٌ عَقْلِيٌّ.

The same ayah, in another commentary

Al-Aḥqāf 46:21