All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Munāfiqūn 63:9 Juzʾ 28 Page 555

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

O you who have believed, let not your wealth and your children divert you from remembrance of Allah. And whoever does that - then those are the losers.

Read in the muṣḥaf

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ .

انْتِقالٌ مِن كَشْفِ أحْوالِ المُنافِقِينَ المَسُوقِ لِلْحَذَرِ مِنهم والتَّحْذِيرِ مِن صِفاتِهِمْ. إلى الإقْبالِ عَلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ بِنَهْيِهِمْ عَمّا شَأْنُهُ أنْ يَشْغَلَ عَنِ التَّذَكُّرِ لِما أمْرَ اللَّهُ ونَهى، ثُمَّ الأمْرِ بِالإنْفاقِ في سُبُلِ الخَيْرِ في سَبِيلِ اللَّهِ ومَصالِحِ المُسْلِمِينَ وجَماعَتِهِمْ وإسْعافِ آحادِهِمْ، لِئَلّا يَسْتَهْوِيَهم قَوْلُ المُنافِقِينَ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ [المنافقون: ٧] والمُبادَرَةُ إلى ذَلِكَ قَبْلَ إتْيانِ المَوْتِ الَّذِي لا يُدْرى وقْتُ حُلُولِهِ حِينَ تَمَنّى أنْ يَكُونَ قَدْ تَأخَّرَ أجَلُهُ لِيَزِيدَ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ فَلا يَنْفَعُهُ التَّمَنِّي وهو تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [المنافقون: ١٠]، فالمُناسِبَةُ لِهَذا الِانْتِقالِ هو حِكايَةُ مَقالِ المُنافِقِينَ ولِذَلِكَ قَدَّمَ ذِكْرَ الأقْوالِ عَلى ذِكْرِ الأوْلادِ لِأنَّها أهَمُّ بِحَسَبِ السِّياقِ.

صفحة ٢٥١
ونُودِيَ المُخاطَبُونَ بِطَرِيقِ المَوْصُولِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِنَ التَّهَمُّمِ لِامْتِثالِ النَّهْيِ.
وخُصَّ الأمْوالُ والأوْلادُ بِتَوَجُّهِ النَّهْيِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِها اشْتِغالًا يُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لِأنَّ الأمْوالَ مِمّا يَكْثُرُ إقْبالُ النّاسِ عَلى إنْمائِها والتَّفْكِيرِ في اكْتِسابِها بِحَيْثُ تَكُونُ أوْقاتُ الشُّغْلِ بِها أكْثَرَ مِن أوْقاتِ الشُّغْلِ بِالأوْلادِ. ولِأنَّها كَما تَشْغَلُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِصَرْفِ الوَقْتِ في كَسْبِها ونَمائِها، تَشْغَلُ عَنْ ذِكْرِهِ أيْضًا بِالتَّذْكِيرِ لِكَنْزِها بِحَيْثُ يُنْسى ذِكْرُ ما دَعا اللَّهُ إلَيْهِ مِن إنْفاقِها.

وأمّا ذِكْرُ الأوْلادِ فَهو إدْماجٌ لِأنَّ الِاشْتِغالَ بِالأوْلادِ والشَّفَقَةَ عَلَيْهِمْ وتَدْبِيرَ شُئُونِهِمْ وقَضاءَ الأوْقاتِ في التَّأنُّسِ بِهِمْ مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْسِيَ عَنْ تَذَكُّرِ أمْرِ اللَّهِ ونَهْيِهِ في أوْقاتٍ كَثِيرَةٍ فالشُّغْلُ بِهَذَيْنِ أكْثَرُ مِنَ الشُّغْلِ بِغَيْرِهِما.

وصِيغَ الكَلامُ في قالَبِ تَوْجِيهِ النَّهْيِ عَنِ الإلْهاءِ عَنِ الذَّكْرِ، إلى الأمْوالِ والأوْلادِ والمُرادُ نَهْيُ أصْحابِها، وهو اسْتِعْمالٌ مَعْرُوفٌ وقَرِينَتُهُ هُنا قَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ . وأصْلُهُ مَجازٌ عَقْلِيٌّ مُبالَغَةً في نَهْيِ أصْحابِها عَنِ الِاشْتِغالِ بِسَبَبِها عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَنُزِّلَ سَبَبُ الإلْهاءِ مَنزِلَةَ اللّاهِي لِلْمُلابَسَةِ بَيْنَهُما وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ وغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٧] وقَوْلِهِمْ لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا.

و(لا) في قَوْلِهِ (‏‏ ‏‏‏‏‏‏) نافِيَةٌ عاطِفَةٌ أوْلادُكم عَلى أمْوالُكم، والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مَدْخُولُ لا النّاهِيَةِ لِأنَّ النَّهْيَ يَتَضَمَّنُ النَّفْيَ إذْ هو طَلَبُ عَدَمِ الفِعْلِ فَ (لا) النّاهِيَةِ أصْلُها (لا) النّافِيَةُ أُشْرِبَتْ مَعْنى النَّهْيِ عِنْدَ قَصْدِ النَّهْيِ فَجَزَمَتِ الفِعْلَ حَمْلًا عَلى مُضادَّةِ مَعْنى لامِ الأمْرِ فَأُكِّدَ النَّهْيُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالأوْلادِ بِحَرْفِ النَّفْيِ لِيَكُونَ لِلِاشْتِغالِ بِالأوْلادِ حَظٌّ مِثْلُ حَظِّ الأمْوالِ.

وذِكْرِ اللَّهِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنَيَيْهِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ. فَيَشْمَلُ الذَّكَرَ بِاللِسانِ كالصَّلاةِ وتِلاوَةِ القُرْآنِ، والتَّذَكُّرَ بِالعَقْلِ كالتَّدَبُّرِ في صِفاتِهِ واسْتِحْضارِ امْتِثالِهِ قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: أفْضَلُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِاللِسانِ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ أمْرِهِ ونَهْيِهِ.

وفِيهِ أنَّ الِاشْتِغالَ بِالأمْوالِ والأوْلادِ الَّذِي لا يُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ لَيْسَ بِمَذْمُومٍ ولَهُ مَراتِبُ.

صفحة ٢٥٢
وقَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏، دَلِيلٌ عَلى قَوْلِ عُلَماءِ أُصُولِ الفِقْهِ النَّهْيُ اقْتِضاءُ كَفٍّ عَنْ فِعْلٍ.
والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى اللَّهْوِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِسَبَبِ الأمْوالِ والأوْلادِ، أيْ ومَن يُلْهَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، أيْ يَتْرُكُ ذِكْرَ اللَّهِ الَّذِي أُوجَبَهُ مِثْلَ الصَّلاةِ في الوَقْتِ ويَتْرُكُ تَذَكُّرَ اللَّهِ، أيْ مُراعاةَ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ.

ومَتى كانَ اللَّهْوُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ بِالِاشْتِغالِ بِغَيْرِ الأمْوالِ وغَيْرِ الأوْلادِ كانَ أوْلى بِحُكْمِ النَّهْيِ والوَعِيدِ عَلَيْهِ.

وأفادَ ضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ قَصْرَ صِفَةِ الخاسِرِ عَلى الَّذِينَ يَفْعَلُونَ الَّذِي نُهُوا عَنْهُ، وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ في اتِّصافِهِمْ بِالخُسْرانِ كَأنَّ خُسْرانَ غَيْرِهِمْ لا يُعَدُّ خُسْرانًا بِالنِّسْبَةِ إلى خُسْرانِهِمْ.

والإشارَةُ إلَيْهِمْ بِ أُولَئِكَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا ما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ بِسَبَبِ ما ذُكِرَ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ، أعْنِي اللَّهْوَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Munāfiqūn 63:9