All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Nūḥ 71:8 Juzʾ 29 Page 570

‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Then I invited them publicly.

Read in the muṣḥaf

‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ارْتَقى في شَكْواهُ واعْتِذارِهِ بِأنَّ دَعْوَتَهُ كانَتْ مُخْتَلِفَةَ الحالاتِ في القَوْلِ مِن جَهْرٍ وإسْرارٍ، فَعَطْفُ الكَلامِ بِـ (ثُمَّ) الَّتِي تُفِيدُ في عَطْفِها الجُمَلَ أنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ

صفحة ١٩٧
المَعْطُوفَةِ أهَمُّ مِن مَضْمُونِ المَعْطُوفِ عَلَيْها،؛ لِأنَّ اخْتِلافَ كَيْفِيَّةِ الدَّعْوَةِ ألْصَقُ بِالدَّعْوَةِ مِن أوْقاتِ إلْقائِها؛ لِأنَّ الحالَةَ أشَدُّ مُلابَسَةً بِصاحِبِها مِن مُلابَسَةِ زَمانِهِ. فَذَكَرَ أنَّهُ دَعاهم جِهارًا، أيْ: عَلَنًا.
وجِهارٌ: اسْمُ مَصْدَرِ جَهَرَ، وهو هُنا وصْفٌ لِمَصْدَرِ ‏‏‏‏‏‏ [نوح: ٧]، أيْ: دَعْوَةً جِهارًا.

وارْتَقى فَذَكَرَ أنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الجَهْرِ والإسْرارِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ الحالَتَيْنِ أقْوى في الدَّعْوَةِ وأغْلَظُ مِن إفْرادِ إحْداهُما. فَقَوْلُهُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ذُكِرَ لِيُبْنى عَلَيْهِ عَطْفُ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

والمَعْنى: أنَّهُ تَوَخّى ما يَظُنُّهُ أوْغَلَ إلى قُلُوبِهِمْ مِن صِفاتِ الدَّعْوَةِ فَجَهَرَ حِينَ يَكُونُ الجَهْرُ أجْدى مِثْلَ مَجامِعِ العامَّةِ، وأسَرَّ لِلَّذِينَ يَظُنُّهم مُتَجَنِّبِينَ لَوْمَ قَوْمِهِمْ عَلَيْهِمْ في التَّصَدِّي لِسَماعِ دَعْوَتِهِ وبِذَلِكَ تَكُونُ ضَمائِرُ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏، وقَوْلِهِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ مُوَزَّعَةً عَلى مُخْتَلَفِ النّاسِ.

وانْتَصَبَ جِهارًا بِالنِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُبَيِّنِ لِنَوْعِ الدَّعْوَةِ.

وانْتَصَبَ إسْرارًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُفِيدٌ لِلتَّوْكِيدِ، أيْ: إسْرارًا خَفِيًّا.

ووَجْهُ تَوْكِيدِ الإسْرارِ أنَّ إسْرارَ الدَّعْوَةِ كانَ في حالِ دَعْوَتِهِ سادَتَهم وقادَتَهم؛ لِأنَّهم يَمْتَعِضُونَ مِن إعْلانِ دَعَوْتِهِمْ بِمَسْمَعٍ مِن أتْباعِهِمْ.

وفَصَّلَ دَعْوَتَهُ بِفاءِ التَّفْرِيعِ فَقالَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فَهَذا القَوْلُ هو الَّذِي قالَهُ لَهم لَيْلًا ونَهارًا وجِهارًا وإسْرارًا.

ومَعْنى ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏، آمِنُوا إيمانًا يَكُونُ اسْتِغْفارًا لِذَنْبِكم فَإنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ غَفَرَ اللَّهُ لَكم.

وعَلَّلَ ذَلِكَ لَهم بِأنَّ اللَّهَ مَوْصُوفٌ بِالغُفْرانِ صِفَةً ثابِتَةً تَعَهَّدَ اللَّهُ بِها لِعِبادِهِ المُسْتَغْفِرِينَ، فَأفادَ التَّعْلِيلَ بِحَرْفِ (إنَّ) وأفادَ ثُبُوتَ الصِّفَةِ لِلَّهِ بِذِكْرِ فِعْلِ (كانَ) . وأفادَ كَمالَ غُفْرانِهِ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ بِقَوْلِهِ غَفّارًا.

صفحة ١٩٨
وهَذا وعْدٌ بِخَيْرِ الآخِرَةِ ورُتِّبَ عَلَيْهِ وعْدٌ بِخَيْرِ الدُّنْيا بِطَرِيقِ جَوابِ الأمْرِ، وهو ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ الآيَةَ.
وكانُوا أهْلَ فِلاحَةٍ فَوَعَدَهم بِنُزُولِ المَطَرِ الَّذِي بِهِ السَّلامَةُ مِنَ القَحْطِ وبِالزِّيادَةِ في الأمْوالِ.

والسَّماءُ: هُنا المَطَرُ، ومِن أسْماءِ المَطَرِ السَّماءُ. وفي حَدِيثِ المُوَطَّأِ والصَّحِيحَيْنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ: أنَّهُ قالَ: «صَلّى لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلى إثْرِ سَماءٍ كانَتْ مِنَ اللَّيْلِ»، الحَدِيثَ. وقالَ مُعاوِيَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ:

إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابًا
والمِدْرارُ: الكَثِيرَةُ الدَّرِّ والدُّرُورِ، وهو السَّيَلانُ، يُقالُ: دَرَّتِ السَّماءُ بِالمَطَرِ، وسَماءٌ مِدْرارٌ.
ومَعْنى ذَلِكَ: أنْ يَتْبَعَ بَعْضُ الأمْطارِ بَعْضًا.

ومِدْرارٌ، زِنَةُ مُبالَغَةٍ، وهَذا الوَزْنُ لا تَلْحَقُهُ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ إلّا نادِرًا كَما في قَوْلِ سَهْلِ بْنِ مالِكٍ الفَزارِيِّ:

أصْبَحَ يَهْوى حُرَّةً مِعْطارَةَ
فَلِذَلِكَ لَمْ تُلْحَقُ التّاءُ هُنا مَعَ أنَّ اسْمَ السَّماءِ مُؤَنَّثٌ.
والإرْسالُ: مُسْتَعارٌ لِلْإيصالِ والإعْطاءِ، وتَعْدِيَتُهُ بِـ (عَلَيْكم)؛ لِأنَّهُ إيصالٌ مِن عُلُوٍّ كَقَوْلِهِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الفيل: ٣] .

وأمْوالٌ: جَمْعُ مالٍ وهو يَشْمَلُ كُلَّ مَكْسَبٍ يَبْذُلُهُ المَرْءُ في اقْتِناءِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ.

والمُرادُ بِالجَنّاتِ في قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ النَّخِيلَ والأعْنابَ،؛ لِأنَّ الجَنّاتِ تَحْتاجُ إلى السَّقْيِ.

وإعادَةُ فِعْلِ (يَجْعَلْ) بَعْدَ واوِ العَطْفِ في قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِلتَّوْكِيدِ اهْتِمامًا بِشَأْنِ المَعْطُوفِ؛ لِأنَّ الأنْهارَ قِوامُ الجَنّاتِ وتَسْقِي المَزارِعَ والأنْعامَ.

صفحة ١٩٩
وفِي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنْ اللَّهَ يُجازِي عِبادَهُ الصّالِحِينَ بِطِيبِ العَيْشِ قالَ تَعالى ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النحل: ٩٧] وقالَ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأعراف: ٩٦] وقالَ ﴿وأنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ لَأسْقَيْناهم ماءً غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦] .

The same ayah, in another commentary

Nūḥ 71:8