All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Nūḥ 71:7 Juzʾ 29 Page 570

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And indeed, every time I invited them that You may forgive them, they put their fingers in their ears, covered themselves with their garments, persisted, and were arrogant with [great] arrogance.

Read in the muṣḥaf

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏

صفحة ١٩٥
(كُلَّما) مُرَكَّبَةٌ مِن كَلِمَتَيْنِ كَلِمَةِ (كُلَّ) وهي اسْمٌ يَدُلُّ عَلى اسْتِغْراقِ أفْرادِ ما تُضافُ هي إلَيْهِ، وكَلِمَةِ (ما) المَصْدَرِيَّةِ وهي حَرْفٌ يُفِيدُ أنَّ الجُمْلَةَ بَعْدَهُ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ. وقَدْ يُرادُ بِذَلِكَ المَصْدَرِ زَمانُ حُصُولِهِ فَيَقُولُونَ (ما) ظَرْفِيَّةٌ مَصْدَرِيَّةٌ لِأنَّها نائِبَةٌ عَنِ اسْمِ الزَّمانِ.
والمَعْنى: أنَّهم لَمْ يُظْهِرُوا مَخِيلَةً مِنَ الإصْغاءِ إلى دَعْوَتِهِ ولَمْ يَتَخَلَّفُوا عَنِ الإعْراضِ والصُّدُودِ عَنْ دَعْوَتِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، فَلِذَلِكَ جاءَ بِكَلِمَةِ (كُلَّما) الدّالَّةِ عَلى شُمُولِ كُلِّ دَعْوَةٍ مِن دَعَواتِهِ مُقْتَرِنَةً بِدَلائِلِ الصَّدِّ عَنْها، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [البقرة: ٢٠] .

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ دَعَوْتُهم لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ [نوح: ٣] .

والتَّقْدِيرُ: كُلَّما دَعَوْتُهم إلى عِبادَتِكَ وتَقْواكَ وطاعَتِي فِيما أمَرْتُهم بِهِ.

واللّامُ في قَوْلِهِ (لِتَغْفِرَ) لامُ التَّعْلِيلِ، أيْ: دَعَوْتُهم بِدَعْوَةِ التَّوْحِيدِ فَهو سَبَبُ المَغْفِرَةِ، فالدَّعْوَةُ إلَيْهِ مُعَلَّلَةٌ بِالغُفْرانِ.

ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِفِعْلِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ عَلى أنَّهُ ظَرْفُ زَمانٍ.

وجُمْلَةُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ خَبَرُ (إنَّ)، والرّابِطُ ضَمِيرُ (دَعَوْتُهم) .

وجَعْلُ الأصابِعِ في الآذانِ يَمْنَعُ بُلُوغَ أصْواتِ الكَلامِ إلى المَسامِعِ.

وأُطْلِقَ اسْمُ الأصابِعِ عَلى الأنامِلِ عَلى وجْهِ المَجازِ المُرْسَلِ بِعَلاقَةِ البَعْضِيَّةِ فَإنَّ الَّذِي يُجْعَلُ في الأُذُنِ الأنْمُلَةُ لا الأُصْبُعُ كُلُّهُ فَعَبَّرَ عَنِ الأنامِلِ بِالأصابِعِ لِلْمُبالَغَةِ في إرادَةِ سَدِّ المَسامِعِ بِحَيْثُ لَوْ أمْكَنَ لَأدْخَلُوا الأصابِعَ كُلَّها، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

واسْتِغْشاءُ الثِّيابِ: جَعْلُها غِشاءً، أيْ: غِطاءً عَلى أعْيُنِهِمْ، تَعْضِيدًا لِسَدِّ آذانِهِمْ بِالأصابِعِ لِئَلّا يَسْمَعُوا كَلامَهُ ولا يَنْظُرُوا إشاراتِهِ، وأكْثَرُ ما يُطْلَقُ الغِشاءُ عَلى غِطاءِ العَيْنَيْنِ، قالَ تَعالى ﴿وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] . والسِّينُ والتّاءُ في اسْتَغْشَوْا لِلْمُبالَغَةِ.

فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَعْلُ الأصابِعِ في الآذانِ واسْتِغْشاءُ الثِّيابِ هُنا حَقِيقَةً بِأنْ

صفحة ١٩٦
يَكُونَ ذَلِكَ مِن عاداتِ قَوْمِ نُوحٍ إذا أرادَ أحَدٌ أنْ يُظْهِرَ كَراهِيَةً لِكَلامِ مَن يَتَكَلَّمُ مَعَهُ أنْ يَجْعَلَ أُصْبُعَيْهِ في أُذُنَيْهِ ويَجْعَلَ مِن ثَوْبِهِ ساتِرًا لِعَيْنَيْهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِحالِهِمْ في الإعْراضِ عَنْ قَبُولِ كَلامِهِ ورُؤْيَةِ مَقامِهِ بِحالِ مَن يَسُكُّ سَمْعَهُ بِأنْمُلَتَيْهِ ويَحْجُبُ عَيْنَيْهِ بِطَرْفِ ثَوْبِهِ.

وجُعِلَتِ الدَّعْوَةُ مُعَلَّلَةً بِمَغْفِرَةِ اللَّهِ لَهم لِأنَّها دَعْوَةٌ إلى سَبَبِ المَغْفِرَةِ وهو الإيمانُ بِاللَّهِ وحْدَهُ وطاعَةُ أمْرِهِ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ.

وفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِتَحْمِيقِهِمْ وتَعَجُّبٌ مِن خَلْقِهِمْ إذْ يُعْرِضُونَ عَنِ الدَّعْوَةِ لِما فِيهِ نَفْعُهم فَكانَ مُقْتَضى الرَّشادِ أنْ يَسْمَعُوها ويَتَدَبَّرُوها.

والإصْرارُ: تَحْقِيقُ العَزْمِ عَلى فِعْلٍ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الصَّرِّ وهو الشَّدُّ عَلى شَيْءٍ والعَقْدُ عَلَيْهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [آل عمران: ١٣٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ أصَرُّوا لِظُهُورِهِ، أيْ: أصَرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ.

واسْتَكْبَرُوا مُبالَغَةٌ في تَكَبَّرُوا، أيْ: جَعَلُوا أنْفُسَهم أكْبَرَ مِن أنْ يَأْتَمِرُوا لِواحِدٍ مِنهم (قالُوا ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [هود: ٢٧]) .

وتَأْكِيدُ اسْتَكْبَرُوا بِمَفْعُولِهِ المُطْلَقِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ الِاسْتِكْبارِ. وتَنْوِينُ اسْتِكْبارًا لِلتَّعْظِيمِ، أيْ: اسْتِكْبارًا شَدِيدًا لا يَفَلُّهُ حَدُّ الدَّعْوَةِ.

The same ayah, in another commentary

Nūḥ 71:7