All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Qiyāmah 75:19 Juzʾ 29 Page 577

‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Then upon Us is its clarification [to you].

Read in the muṣḥaf

صفحة ٣٤٩
‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏
هَذِهِ الآيَةُ وقَعَتْ هُنا مُعْتَرِضَةً. وسَبَبُ نُزُولِها ما رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ يُرِيدُ أنْ يَحْفَظَهُ مَخافَةَ أنْ يَتَفَلَّتَ مِنهُ، أوْ مِن شِدَّةِ رَغْبَتِهِ في حِفْظِهِ فَكانَ يُلاقِي مِن ذَلِكَ شِدَّةً فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾) . قالَ: جَمْعَهُ في صَدْرِكَ ثُمَّ نَقْرَأُهُ فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، قالَ فاسْتَمِعْ لَهُ وأنْصِتْ، ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا أنْ نُبَيِّنَهُ بِلِسانِكَ، أيْ أنْ تَقْرَأهُ اهـ. فَلَمّا نَزَلَ هَذا الوَحْيُ في أثْناءِ السُّورَةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ ولَمْ يَكُنْ سُورَةً مُسْتَقِلَّةً كانَ مُلْحَقًا بِالسُّورَةِ وواقِعًا بَيْنَ الآيِ الَّتِي نَزَلَ بَيْنَها.

فَضَمِيرُ (بِهِ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ كَما هو المَعْرُوفُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ.

وقَوْلُهُ (‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏)، أيْ إذا قَرَأهُ جِبْرِيلُ عَنّا، فَأُسْنِدَتِ القِراءَةُ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ، والقَرِينَةُ واضِحَةٌ.

ومَعْنى فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، أيْ أنْصِتْ إلى قِراءَتِنا.

فَضَمِيرُ (قُرْآنَهُ) راجِعٌ إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ الغائِبِ في (‏ ‏‏‏ ‏‏‏) وهو القُرْآنُ بِالمَعْنى الِاسْمِيِّ، فَيَكُونُ وُقُوعُ هَذِهِ الآيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ مِثْلَ وُقُوعِ (‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [مريم: ٦٤]) في سُورَةِ مَرْيَمَ، ووُقُوعُ (‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٣٨]) في أثْناءِ أحْكامِ الزَّوْجاتِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. قالُوا: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أثْناءِ سُورَةِ القِيامَةِ: هَذا ما لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ أهْلِ الحَدِيثِ وأيِمَّةِ التَّفْسِيرِ. وذَكَرَ الفَخْرُ عَنِ القَفّالِ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَوْلَهُ (‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏) لَيْسَ خِطابًا مَعَ الرَّسُولِ ﷺ بَلْ هو خِطابٌ مَعَ الإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ (‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [القيامة: ١٣]) فَكانَ ذَلِكَ لِلْإنْسانِ حالِمًا يُنَبَّأُ بِقَبائِحِ أفْعالِهِ فَيُقالُ لَهُ: اقْرَأْ كِتابَكَ، فَإذا أخَذَ في القِراءَةِ تَلَجْلَجَ لِسانُهُ فَيُقالُ لَهُ: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا بِحُكْمِ الوَعْدِ أوْ بِحُكْمِ الحِكْمَةِ أنْ نَجْمَعَ أعْمالَكَ وأنْ نَقْرَأها عَلَيْكَ فَإذا

صفحة ٣٥٠
قَرَأْناهُ عَلَيْكَ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ بِالإقْرارِ، ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَ مَراتِبِ عُقُوبَتِهِ، قالَ القَفّالُ: فَهَذا وجْهٌ حَسَنٌ لَيْسَ في العَقْلِ ما يَدْفَعُهُ وإنْ كانَتِ الآثارُ غَيْرَ وارِدَةٍ بِهِ اهـ.
وأقُولُ: إنْ كانَ العَقْلُ لا يَدْفَعُهُ فَإنَّ الأُسْلُوبَ العَرَبِيَّ ومَعانِيَ الألْفاظِ تَنْبُو عَنْهُ.

والَّذِي يَلُوحُ لِي في مَوْقِعِ هَذِهِ الآيَةِ هُنا دُونَ أنْ تَقَعَ فِيما سَبَقَ نُزُولُهُ مِنَ السُّورِ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ: أنَّ سُوَرَ القُرْآنِ حِينَ كانَتْ قَلِيلَةً كانَ النَّبِيءُ ﷺ لا يَخْشى تَفَلُّتَ بَعْضِ الآياتِ عَنْهُ فَلَمّا كَثُرَتِ السُّوَرُ فَبَلَغَتْ زُهاءَ ثَلاثِينَ حَسَبَ ما عَدَّهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، صارَ النَّبِيءُ ﷺ يَخْشى أنْ يَنْسى بَعْضَ آياتِها، فَلَعَلَّهُ ﷺ أخَذَ يُحَرِّكُ لِسانَهُ بِألْفاظِ القُرْآنِ عِنْدَ نُزُولِهِ احْتِياطًا لِحِفْظِهِ وذَلِكَ مِن حِرْصِهِ عَلى تَبْلِيغِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ بِنَصِّهِ. فَلَمّا تَكَفَّلَ اللَّهُ بِحِفْظِهِ أمَرَهُ أنْ لا يُكَلِّفَ نَفْسَهُ تَحَرِيكَ لِسانِهِ، فالنَّهْيُ عَنْ تَحْرِيكِ لِسانِهِ نَهْيُ رَحْمَةٍ وشَفَقَةٍ لِما كانَ يُلاقِيهِ في ذَلِكَ مِنَ الشِّدَّةِ.

و(قُرْآنُ) في المَوْضِعَيْنِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى القِراءَةِ مِثْلَ الغُفْرانِ والفُرْقانِ، قالَ حَسّانُ في رِثاءِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ:

يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وقُرْآنًا
ولَفْظُ (عَلَيْنا) في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّكَفُّلِ والتَّعَهُّدِ.
و(ثُمَّ) في (‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ، أيِ التَّفاوُتِ بَيْنَ رُتْبَةِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها وهي قَوْلُهُ (‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏)، وبَيْنَ رُتْبَةِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ وهي (‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) . ومَعْنى الجُمْلَتَيْنِ: أنَّ عَلَيْنا جَمْعَ الوَحْيِ وأنْ تَقْرَأهُ وفَوْقَ ذَلِكَ أنَّ تُبَيِّنَهُ لِلنّاسِ بِلِسانِكَ، أيْ نَتَكَفَّلُ لَكَ بِأنْ يَكُونَ جَمْعُهُ وقُرْآنُهُ بِلِسانِكَ، أيْ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِكَ لا بِكِتابَةٍ تَقْرَأُها بَلْ أنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا في الصُّدُورِ بَيِّنًا لِكُلِّ سامِعٍ لا يَتَوَقَّفُ عَلى مُراجَعَةٍ ولا عَلى إحْضارِ مُصْحَفٍ مِن قُرْبٍ أوْ بُعْدٍ.

فالبَيانُ هُنا بَيانُ ألْفاظِهِ ولَيْسَ بَيانَ مَعانِيهِ لِأنَّ بَيانَ مَعانِيهِ مُلازِمٌ لِوُرُودِ ألْفاظِهِ.

وقَدِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْضُ عُلَمائِنا الَّذِينَ يَرَوْنَ جَوازَ تَأْخِيرِ البَيانِ عَنِ المُبِينِ مُتَمَسِّكِينَ بِأنَّ (ثُمَّ) لِلتَّراخِي وهو مُتَمَسَّكٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ التَّراخِيَ الَّذِي أفادَتْهُ (ثُمَّ) إنَّما هو تَراخٍ في الرُّتْبَةِ لا في الزَّمَنِ، ولِأنَّ (ثُمَّ) قَدْ عَطَفَتْ مَجْمُوعَ الجُمْلَةِ ولَمْ تَعْطِفْ

صفحة ٣٥١
لَفَظَ (بَيانَهُ) خاصَّةً، فَلَوْ أُرِيدَ الِاحْتِجاجُ بِالآيَةِ لَلَزِمَ أنْ يَكُونَ تَأْخِيرُ البَيانِ حَقًّا لا يَخْلُو عَنْهُ البَيانُ وذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ.

The same ayah, in another commentary

Al-Qiyāmah 75:19