All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

At-Tawbah 9:98 Juzʾ 11 Page 202

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And among the bedouins are some who consider what they spend as a loss and await for you turns of misfortune. Upon them will be a misfortune of evil. And Allah is Hearing and Knowing.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏

هَذا فَرِيقٌ مِنَ الأعْرابِ يُظْهِرُ الإيمانَ ويُنْفِقُ في سَبِيلِ اللَّهِ. وإنَّما يَفْعَلُونَ ذَلِكَ تَقِيَّةً وخَوْفًا مِنَ الغَزْوِ أوْ حُبًّا لِلْمَحْمَدَةِ وسُلُوكًا في مَسْلَكِ الجَماعَةِ، وهم يُبْطِنُونَ الكُفْرَ ويَنْتَظِرُونَ الفُرْصَةَ الَّتِي تُمَكِّنُهم مِنَ الِانْقِلابِ عَلى أعْقابِهِمْ. وهَؤُلاءِ وإنْ كانُوا مِن جُمْلَةِ مُنافِقِي الأعْرابِ فَتَخْصِيصُهم بِالتَّقْسِيمِ هَنا مَنظُورٌ فِيهِ إلى ما اخْتُصُّوا بِهِ مِن أحْوالِ النِّفاقِ؛ لِأنَّ التَّقاسِيمَ في المَقاماتِ الخِطابِيَّةِ والمُجادِلاتِ تَعْتَمِدُ اخْتِلافًا ما في أحْوالِ المُقَسِّمِ، ولا يُعْبَأُ فِيها بِدُخُولِ القَسْمِ في قَسِيمِهِ، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ هو في التَّقْسِيمِ كَقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [التوبة: ٩٩]

ومَعْنى (يَتَّخِذُ) يَعُدُّ ويَجْعَلُ؛ لِأنَّ اتَّخَذَ مِن أخَواتِ (جَعَلَ) . والجَعْلُ يُطْلَقُ بِمَعْنى التَّغْيِيرِ مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ نَحْوَ جَعَلْتُ الشَّقَّةَ بَرْدًا. ويُطْلَقُ بِمَعْنى العَدِّ والحُسْبانِ نَحْوَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النحل: ٩١] فَكَذَلِكَ (يَتَّخِذُ) هُنا.

والمَغْرَمُ: ما يُدْفَعُ مِنَ المالِ قَهْرًا وظُلْمًا، فَهَؤُلاءِ الأعْرابُ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُنْفِقُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ويَعُدُّونَ ذَلِكَ كالإتاواتِ المالِيَّةِ والرَّزايا يَدْفَعُونَها تَقِيَّةً. ومِن هَؤُلاءِ مَنِ امْتَنَعُوا مِن إعْطاءِ الزَّكاةِ بَعْدَ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ قائِلُهم مِن طَيِّءٍ في زَمَنِ أبِي بَكْرٍ لَمّا جاءَهُمُ السّاعِي لِإحْصاءِ زَكاةِ الأنْعامِ:

فَقُولا لِهَذا المَرْءِ ذُو جاءَ ساعِيًا هَلُمَّ فَإنَّ المَشْرَفِيَّ الفَـرائِضُ
أيْ: فَرائِضُ الزَّكاةِ هي السَّيْفُ، أيْ: يُعْطُونَ السّاعِيَ ضَرْبَ السَّيْفِ بَدَلًا عَنِ الزَّكاةِ.
والتَّرَبُّصُ: الِانْتِظارُ. والدَّوائِرُ: جَمْعُ دائِرَةٍ وهي تَغَيُّرُ الحالَةِ مِنِ اسْتِقامَةٍ إلى اخْتِلالٍ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المائدة: ٥٢] في سُورَةِ العُقُودِ.

صفحة ١٤
والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الطور: ٣٠] وجُعِلَ المَجْرُورُ بِالباءِ ضَمِيرَ المُخاطَبِينَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ. والتَّقْدِيرُ: ويَتَرَبَّصُ بِسَبَبِ حالَتِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْكم لِظُهُورِ أنَّ الدَّوائِرَ لا تَكُونُ سَبَبًا لِانْتِظارِ الِانْقِلابِ بَلْ حالُهم هي سَبَبُ تَرَبُّصِهِمْ أنْ تَنْقَلِبَ عَلَيْهِمُ الحالُ لِأنَّ حالَتَهُمُ الحاضِرَةَ شَدِيدَةٌ عَلَيْهِمْ.
فالمَعْنى أنَّهم يَنْتَظِرُونَ ضَعْفَكم وهَزِيمَتَكم أوْ يَنْتَظِرُونَ وفاةَ نَبِيِّكم فَيُظْهِرُونَ ما هو كامِنٌ فِيهِمْ مِنَ الكُفْرِ. وقَدْ أنْبَأ اللَّهُ بِحالِهِمُ الَّتِي ظَهَرَتْ عَقِبَ وفاةِ النَّبِيءِ ﷺ وهم أهْلُ الرِّدَّةِ مِنَ العَرَبِ.

وجُمْلَةُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ وتَحْقِيرٌ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ. والدُّعاءُ مِنَ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ: تَكْوِينٌ وتَقْدِيرٌ مَشُوبٌ بِإهانَةٍ لِأنَّهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فَلا يَحْتاجُ إلى تَمَنِّي ما يُرِيدُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٨٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَدْ كانَتْ عَلى الأعْرابِ دائِرَةُ السَّوْءِ إذْ قاتَلَهُمُ المُسْلِمُونَ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ عامَ الرِّدَّةِ وهَزَمُوهم فَرَجَعُوا خائِبِينَ.

وإضافَةُ ”دائِرَةُ“ إلى ”السَّوْءِ“ مِنَ الإضافَةِ إلى الوَصْفِ اللّازِمِ كَقَوْلِهِمْ: عَشاءُ الآخِرَةِ. إذِ الدّائِرَةُ لا تَكُونُ إلّا في السَّوْءِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: لَوْ لَمْ تُضَفِ الدّائِرَةُ إلى السَّوْءِ عُرِفَ مِنها مَعْنى السَّوْءِ لِأنَّ دائِرَةَ الدَّهْرِ لا تُسْتَعْمَلُ إلّا في المَكْرُوهِ. ونَظِيرُهُ إضافَةُ السَّوْءِ إلى ذِئْبٍ في قَوْلِ الفَرَزْدَقِ:

فَكُنْتُ كَذِئْبِ السَّوْءِ حِينَ رَأى دَمًا ∗∗∗ بِصاحِبِهِ يَوْمًا أحالَ عَلى الـدَّمِ
إذِ الذِّئْبُ مُتَمَحِّضٌ لِلسَّوْءِ إذْ لا خَيْرَ فِيهِ لِلنّاسِ.
والسَّوْءُ - بِفَتْحِ السِّينِ - المَصْدَرُ، وبِضَمِّها الِاسْمُ. وقَدْ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحْدَهُما بِضَمِّ السِّينِ. والمَعْنى واحِدٌ.

وجُمْلَةُ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ تَذْيِيلٌ، أيْ سَمِيعٌ ما يَتَناجَوْنَ بِهِ وما يُدَبِّرُونَهُ مِنَ التَّرَصُّدِ، عَلِيمٌ بِما يُبَطِّنُونَهُ ويَقْصِدُونَ إخْفاءَهُ.

The same ayah, in another commentary

At-Tawbah 9:98