All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Ash-Sharḥ 94:8 Juzʾ 30 Page 597

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And to your Lord direct [your] longing.

Read in the muṣḥaf

‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

عُطِفَ عَلى تَفْرِيعِ الأمْرِ بِالشُّكْرِ عَلى النِّعَمِ أمْرٌ بِطَلَبِ اسْتِمْرارِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ كَما قالَ تَعالى: (﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]) .

والرَّغْبَةُ: طَلَبُ حُصُولِ ما هو مَحْبُوبٌ، وأصْلُهُ أنْ يُعَدّى إلى المَطْلُوبِ مِنهُ بِنَفْسِهِ ويُعَدّى إلى الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بِـ (في) . ويُقالُ: رَغِبَ عَنْ كَذا، بِمَعْنى صَرَفَ رَغْبَتَهُ عَنْهُ بِأنْ رَغِبَ في غَيْرِهِ، وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]) بِتَقْدِيرِ حَرْفِ

صفحة ٤١٨
الجَرِّ المَحْذُوفِ قَبْلَ حَرْفِ (أنْ) هو حَرْفُ (عَنْ) . وذَلِكَ تَأْوِيلُ عائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ.
وأمّا تَعْدِيَةُ فِعْلِ (فارْغَبْ) هُنا بِحَرْفِ (إلى) فَلِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإقْبالِ والتَّوَجُّهِ تَشْبِيهًا بِسَيْرِ السّائِرِ إلى مَن عِنْدَهُ حاجَتُهُ كَما قالَ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ: (‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ [الصافات: ٩٩]) .

وتَقْدِيمُ (إلى رَبِّكَ) عَلى (‏‏‏‏‏) لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيْ: إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ تَكُونُ رَغْبَتُكُ، فَإنَّ صِفَةَ الرِّسالَةِ أعْظَمُ صِفاتِ الخَلْقِ، فَلا يَلِيقُ بِصاحِبِها أنْ يَرْغَبَ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى.

وحُذِفَ مَفْعُولُ (ارْغَبْ) لِيَعُمَّ كُلَّ ما يَرْغَبُهُ النَّبِيءُ ﷺ وهَلْ يَرْغَبُ النَّبِيءُ إلّا في الكَمالِ النَّفْسانِيِّ وانْتِشارِ الدِّينِ ونَصْرِ المُسْلِمِينَ.

واعْلَمْ أنَّ الفاءَ في قَوْلِهِ: (﴿فانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧]) وقَوْلِهِ: (‏‏‏‏‏) رابِطَةٌ لِلْفِعْلِ؛ لِأنَّ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الِاشْتِراطِ والتَّقْيِيدِ، فَإنَّ تَقْدِيمَ المَعْمُولِ لَمّا أفادَ الِاخْتِصاصَ نَشَأ مِنهُ مَعْنى الِاشْتِراطِ، وهو كَثِيرٌ في الكَلامِ، قالَ تَعالى: (﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ﴾ [الزمر: ٦٦]) وقالَ: (﴿ورَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] ﴿وثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]) وفي تَقْدِيمِ المَجْرُورِ قالَ تَعالى: (‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ [المطففين: ٢٦]) «وقالَ النَّبِيءُ ﷺ لِمَن سَألَ مِنهُ أنْ يَخْرُجَ لِلْجِهادِ: ”ألَكَ أبَوانِ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَفِيهِما فَجاهِدْ“» . بَلْ قَدْ يُعامَلُ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ في الإعْرابِ كَما رُوِيَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ ”«كَما تَكُونُوا يُوَلَّ عَلَيْكم» “ بِجَزْمِ الفِعْلَيْنِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]) في سُورَةِ يُونُسَ.

وذَكَرَ الطِّيبِيُّ عَنْ أمالِي السَّيِّدِ - يَعْنِي ابْنَ الشَّجَرِيِّ - أنَّ اجْتِماعَ الفاءِ والواوِ هُنا مِن أعْجَبِ كَلامِهِمْ؛ لِأنَّ الفاءَ تَعْطِفُ أوْ تَدْخُلُ في الجَوابِ وما أشْبَهَ الجَوابَ بِالِاسْمِ النّاقِصِ، أوْ في صِلَةِ المَوْصُولِ الفِعْلِيَّةِ لِشَبَهِها بِالجَوابِ، وهي هُنا خارِجَةٌ عَمّا وُضِعَتْ لَهُ اهـ. ولا يَبْقى تَعَجُّبٌ بَعْدَ ما قَرَّرْناهُ.

* * *

صفحة ٤١٩
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ التِّينِ

سُمِّيَتْ في مُعْظَمِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ ومُعْظَمِ المَصاحِفِ (سُورَةَ والتِّينِ) بِإثْباتِ الواوِ تَسْمِيَةً بِأوَّلِ كَلِمَةٍ فِيها. وسَمّاها بَعْضُ المُفَسِّرِينَ (سُورَةَ التِّينِ) بِدُونِ الواوِ؛ لِأنَّ فِيها لَفْظَ (التِّينِ) كَما قالُوا (سُورَةُ البَقَرَةِ) وبِذَلِكَ عَنْوَنَها التِّرْمِذِيُّ وبَعْضُ المَصاحِفِ.

وهِيَ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا أعْرِفُ في ذَلِكَ خِلافًا بَيْنَ المُفَسِّرِينَ، ولَمْ يَذْكُرْها في الإتْقانِ في عِدادِ السُّوَرِ المُخْتَلَفِ فِيها. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنْ قَتادَةَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، ونُسِبَ أيْضًا إلى ابْنِ عَبّاسٍ، والصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ.

وعُدَّتِ الثّامِنَةَ والعِشْرِينَ في تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ البُرُوجِ وقَبْلَ سُورَةِ الإيلافِ.

وعَدَدُ آياتِها ثَمانٍ.

* * *
احْتَوَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى التَّنْبِيهِ بِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ الإنْسانَ عَلى الفِطْرَةِ المُسْتَقِيمَةِ لِيَعْلَمُوا أنَّ الإسْلامَ هو الفِطْرَةُ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى: (‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الروم: ٣٠]) وأنَّ ما يُخالِفُ أُصُولَهُ بِالأصالَةِ أوْ بِالتَّحْرِيفِ فَسادٌ وضَلالٌ، ومُتَّبِعِي ما يُخالِفُ الإسْلامَ أهْلُ ضَلالَةٍ.
والتَّعْرِيضِ بِالوَعِيدِ لِلْمُكَذِّبِينَ بِالإسْلامِ.

صفحة ٤٢٠
والإشارَةِ بِالأُمُورِ المُقْسَمِ بِها إلى أطْوارِ الشَّرائِعِ الأرْبَعَةِ إيماءً إلى أنَّ الإسْلامَ جاءَ مُصَدِّقًا لَها وأنَّها مُشارِكَةٌ أُصُولُها لِأُصُولِ دِينِ الإسْلامِ.
والتَّنْوِيهِ بِحُسْنِ جَزاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الإسْلامَ في أُصُولِهِ وفُرُوعِهِ.

وشَمِلَتِ الِامْتِنانَ عَلى الإنْسانِ بِخَلْقِهِ عَلى أحْسَنِ نِظامٍ في جُثْمانِهِ ونَفْسِهِ.

The same ayah, in another commentary

Ash-Sharḥ 94:8