All commentaries

زاد المسير

Ibn al-Jawzī

ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)

Every opinion held on a verse, listed and numbered, then on.

An-Naḥl 16:111 Juzʾ 14 Page 280

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

On the Day when every soul will come disputing for itself, and every soul will be fully compensated for what it did, and they will not be wronged.

Read in the muṣḥaf
زاد المسير Ibn al-Jawzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ القُرَشِيُّ، ومِقْيَسِ بْنِ صُبابَةَ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ أنَسِ بْنِ خَطَلٍ، وطُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقَ، وقَيْسِ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وقَيْسِ بْنِ الفاكِهِ المَخْزُومِيِّ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ فاخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ نَزَلَ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، أخَذَهُ المُشْرِكُونَ فَعَذَّبُوهُ، فَأعْطاهم ما أرادُوا بِلِسانِهِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ في سُورَةِ النِّساءِ [٩٦، ٩٧] كَتَبَ بِها المُسْلِمُونَ الَّذِينَ بِالمَدِينَةِ إلى مَن كانَ بِمَكَّةَ، فَخَرَجَ ناسٌ مِمَّنْ أقَرَّ بِالإسْلامِ، فاتَّبَعَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأدْرَكُوهم، حَتّى أعْطَوُا الفِتْنَةَ، فَنَزَلَ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ نَزَلَ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، كانَ قَدْ هاجَرَ فَحَلَفَتْ أُمُّهُ ألّا تَسْتَظِلَّ ولا تَشْبَعَ مِن طَعامٍ حَتّى يَرْجِعَ، فَرَجَعَ إلَيْها، فَأكْرَهَهُ المُشْرِكُونَ حَتّى أعْطاهم بَعْضَ ما يُرِيدُونَ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.

والرّابِعُ: أنَّهُ نَزَلَ في جَبْرٍ غُلامِ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ، كانَ يَهُودِيًّا فَأسْلَمَ فَضَرَبَهُ سَيِّدُهُ (p-٤٩٦)حَتّى رَجَعَ إلى اليَهُودِيَّةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وأمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فَقالَ مُقاتِلٌ: هم النَّفَرُ المُسَمَّوْنَ في أوَّلِ الآيَةِ.

فَأمّا التَّفْسِيرُ، فاخْتَلَفَ النُّحاةُ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ وقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ فَقالَ الكُوفِيُّونَ: جَوابُهُما جَمِيعًا في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ فَقالَ البَصْرِيُّونَ: بَلْ قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ مَرْفُوعٌ بِالرَّدِّ عَلى ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ . قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ ‏‏ ‏‏‏ مَحْذُوفًا، لِوُضُوحِ مَعْناهُ، تَقْدِيرُهُ: مَن كَفَرَ بِاللَّهِ، فاللَّهُ عَلَيْهِ غَضْبانُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: ساكِنٌ إلَيْهِ راضٍ بِهِ. ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ قالَ قَتادَةُ: مَن أتاهُ بِإيثارٍ واخْتِيارٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَن فَتَحَ لَهُ صَدْرَهُ بِالقَبُولِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى: مَن تابَعَتْهُ نَفْسُهُ، وانْبَسَطَ إلى ذَلِكَ، يُقالُ: ما يَنْشَرِحُ صَدْرِي بِذَلِكَ، أيْ: ما يَطِيبُ. وجاءَ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ عَلى مَعْنى الجَمِيعِ، لِأنَّ " مَن " تَقَعُ عَلى الجَمِيعِ.

فَصْلٌ

الإكْراهُ عَلى كَلِمَةِ الكُفْرِ يُبِيحُ النُّطْقَ بِها.

وَفِي الإكْراهِ المُبِيحِ لِذَلِكَ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ:

إحْداهُما: أنَّهُ يَخافُ عَلى نَفْسِهِ أوْ عَلى بَعْضِ أعْضائِهِ التَّلَفَ إنْ لَمْ يَفْعَلْ ما أُمِرَ بِهِ.

والثّانِيَةُ: أنَّ التَّخْوِيفَ لا يَكُونُ إكْراهًا حَتّى يُنالَ بِعَذابٍ. وإذْ ثَبَتَ جَوازُ " التَّقِيَّةِ " فالأفْضَلُ ألّا يَفْعَلَ، نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ، في أسِيرٍ خُيِّرَ بَيْنَ القَتْلِ (p-٤٩٧)وَشُرْبِ الخَمْرِ، فَقالَ: إنْ صَبَرَ عَلى القَتْلِ فَلَهُ الشَّرَفُ، وإنْ لَمْ يَصْبِرْ فَلَهُ الرُّخْصَةُ، فَظاهِرُ هَذا، الجَوازُ. ورَوى عَنْهُ الأثْرَمُ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّقِيَّةِ في شُرْبِ الخَمْرِ فَقالَ: إنَّما التَّقِيَّةُ في القَوْلِ. فَظاهِرُ هَذا أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ، فَأمّا إذا أُكْرِهَ عَلى الزِّنا، لَمْ يَجُزْ لَهُ الفِعْلُ، ولَمْ يَصِحَّ إكْراهُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ. فَإنْ أُكْرِهَ عَلى الطَّلاقِ، لَمْ يَقَعْ طَلاقُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَقَعُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ في المُشارِ إلَيْهِ بِذَلِكَ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ الغَضَبُ والعَذابُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

الثّانِي: أنَّهُ شَرْحُ الصَّدْرِ لِلْكُفْرِ. و " اسْتَحَبُّوا " بِمَعْنى: أحَبُّوا الدُّنْيا واخْتارُوها عَلى الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ أيْ: وبِأنَّ اللَّهَ لا يُرِيدُ هِدايَتَهم. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ شَرْحُهُ [البَقَرَةِ:٧، والنِّساءِ:١٥٥، والمائِدَةِ:٦٧] إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فَفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: الغافِلُونَ عَمّا يُرادُ بِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: عَنِ الآخِرَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏ قَدْ شَرَحْناها في (هُودٍ:٢٢) .

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن كانَ يُفْتَنُ بِمَكَّةَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ خَرَجُوا لِلْهِجْرَةِ، فَلِحَقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ (p-٤٩٨)الفِتْنَةَ فَنَزَلَ فِيهِمْ ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ [العَنْكَبُوتِ:١٠]، فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَخَرَجُوا، وأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، كانَ الشَّيْطانُ قَدْ أزَلَّهُ حَتّى لَحِقَ بِالكُفّارِ، فَأمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُقْتَلَ يَوْمَ الفَتْحِ، فاسْتَجارَ لَهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، فَأجارَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، وفِيهِ بُعْدٌ، لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ وإنْ كانَ [قَدْ] عادَ إلى الإسْلامِ، فَإنَّ الهِجْرَةَ انْقَطَعَتْ بِالفَتْحِ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وأبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وعَبْدِ اللهِ بْنِ أُسَيْدٍ الثَّقَفِيِّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

فَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ فَقَرَأ الأكْثَرُونَ: " فُتِنُوا " بِضَمِّ الفاءِ وكَسْرِ التّاءِ، عَلى مَعْنى: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ المُشْرِكُونَ عَنْ دِينِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فُتِنُوا بِمَعْنى: عُذِّبُوا. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرٍ: " فَتَنُوا " بِفَتْحِ الفاءِ والتّاءِ، عَلى مَعْنى: مِن بَعْدِ ما فَتَنُوا النّاسَ عَنْ دِينِ اللَّهِ، يُشِيرُ إلى مَن أسْلَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: مِن بَعْدِ ما فَتَنُوا أنْفُسَهم بِإظْهارِ ما أظْهَرُوا لِلتَّقِيَّةِ، لِأنَّ الرُّخْصَةَ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ بَعْدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: قاتَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿وَصَبَرُوا﴾ عَلى الدِّينِ والجِهادِ. ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ في المَكْنِيِّ عَنْها أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: الفِتْنَةُ، وهو مَذْهَبُ مُقاتِلٍ. والثّانِي: الفِعْلَةُ الَّتِي فَعَلُوها، قالَهُ الزَّجّاجُ. (p-٤٩٩)والثّالِثُ: المُجاهَدَةُ، والمُهاجَرَةُ، والصَّبْرُ. والرّابِعُ: المُهاجَرَةُ. ذَكَرَهُما واللَّذَيْنِ قَبْلَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى أحَدِ شَيْئَيْنِ، إمّا عَلى مَعْنى: إنَّ رَبَّكَ لَغَفُورٌ يَوْمَ تَأْتِي، وإمّا عَلى مَعْنى: اذْكُرْ يَوْمَ تَأْتِي. ومَعْنى ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: عَنْها. والمُرادُ: أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يُجادِلُ عَنْ نَفْسِهِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ لِكَعْبِ الأحْبارِ: يا كَعْبُ خَوِّفْنا، فَقالَ: إنَّ لِجَهَنَّمَ زَفْرَةً ما يَبْقى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إلّا وقَعَ جاثِيًا عَلى رُكْبَتَيْهِ، حَتّى إنَّ إبْراهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ لَيُدْلِي بِالخُلَّةِ فَيَقُولُ: " يا رَبِّ أنا خَلِيلُكَ إبْراهِيمُ، لا أسْألُكَ إلّا نَفْسِي "، وإنَّ تَصْدِيقَ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ . وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى الجِدالِ في (هُودٍ:٣٢) .

The same ayah, in another commentary

An-Naḥl 16:111