All commentaries

زاد المسير

Ibn al-Jawzī

ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)

Every opinion held on a verse, listed and numbered, then on.

Al-Qalam 68:16 Juzʾ 29 Page 564

‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

We will brand him upon the snout.

Read in the muṣḥaf
زاد المسير Ibn al-Jawzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وذَلِكَ أنَّ رُؤَساءَ أهْلِ مَكَّةَ دَعَوْهُ إلى دِينِ آبائِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ أنْ يُطِيعَهم "وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ" فِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لَوْ تُرَخِّصُ فَيُرَخِّصُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: لَوْ تُصانِعُهم في دِينِكَ فَيُصانِعُونَ في دِينِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

(p-٣٣١)والثّالِثُ: لَوْ تَكْفُرُ فَيَكْفُرُونَ، قالَهُ عَطِيَّةُ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: لَوْ تَلِينُ فَيَلِينُونَ لَكَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والخامِسُ، لَوْ تُنافِقُ وتُرائِي فَيُنافِقُونَ ويُراؤُونَ، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ.

والسّادِسُ: ودُّوا لَوْ تُداهِنُ في دِينِكَ فَيُداهِنُونَ في أدْيانِهِمْ. وكانُوا أرادُوهُ عَلى أنْ يَعْبُدَ آلِهَتَهم مُدَّةً، ويَعْبُدُوا اللَّهَ مُدَّةً، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو مِنَ المُداهَنَةِ.

والسّابِعُ: لَوْ تُقارِبُهم فَيُقارِبُونَكَ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ وهو كَثِيرُ الحَلِفِ بِالباطِلِ ﴿مَهِينٍ﴾ وهو الحَقِيرُ. الدَّنِيءُ ورَوى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المَهِينُ: الكَذّابُ.

واخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَ هَذا عَلى ثَلاثَةِ أقْوال.

أحَدُها: أنَّهُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: الأخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، قالَهُ عَطاءٌ، والسُّدِّيُّ. والثّالِثُ: الأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، قالَهُ مُجاهِدٌ. (p-٣٣٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَمّازٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المُغْتابُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو العَيّابُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: يَمْشِي بَيْنَ النّاسِ بِالنَّمِيمَةِ، وهو نَقْلُ الكَلامِ السَّيِّئِ مِن بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ لِيُفْسِدَ بَيْنَهم "مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ" فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مَنَعَ ولَدَهُ وعَشِيرَتَهُ الإسْلامَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مَنّاعٌ لِلْحُقُوقِ في مالِهِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُعْتَدٍ﴾ أيْ: ظَلُومٍ ﴿أثِيمٍ﴾ "فاجِرٍ" ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: مَعَ ما وصَفْناهُ بِهِ. وفي "العُتُلِّ" سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ العاتِي الشَّدِيدُ المُنافِقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ المُتَوَفِّرُ الجِسْمِ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: الشَّدِيدُ الأشِرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: القَوِيُّ في كُفْرِهِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والخامِسُ: الأكُولُ الشَّرُوبُ القَوِيُّ الشَّدِيدُ، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ. والسّادِسُ: الشَّدِيدُ الخُصُومَةِ بِالباطِلِ، قالَهُ الفَرّاءُ. والسّابِعُ: أنَّهُ الغَلِيظُ الجافِي، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

(p-٣٣٣)وَفِي "الزَّنِيمِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الدَّعِيُّ في قُرَيْشٍ ولَيْسَ مِنهُمْ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذا مَعْرُوفٌ في اللُّغَةِ أنَّ الزَّنِيمَ: هو المُلْتَصِقُ في القَوْمِ ولَيْسَ مِنهُمْ، وبِهِ قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ حَسّانُ:

؎ وأنْتَ زَنِيمٌ نِيطَ في آلِ هاشِمِ كَما نِيطَ خَلْفَ الرّاكِبِ القَدَحُ الفَرْدُ

والثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُعْرَفُ بِالشَّرِّ، كَما تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِها، رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي لَهُ زَنَمَةٌ مِثْلُ زَنَمَةِ الشّاةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نُعِتَ فَلَمْ يَعْرِفْ حَتّى قِيلَ: زَنِيمٌ، فَعَرَفَ، وكانَتْ لَهُ زَنَمَةٌ في عُنُقِهِ يُعْرَفُ بِها. ولا نَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَلَغَ مِن ذِكْرِ عُيُوبِ أحَدٍ ما بَلَغَهُ مِن ذِكْرِ عُيُوبِ الوَلِيدِ، لِأنَّهُ وصَفَهُ بِالحَلِفِ، والمَهانَةِ، والعَيْبِ لِلنّاسِ، والمَشْيِ بِالنَّمِيمَةِ، والبُخْلِ، والظُّلْمِ، والإثْمِ، والجَفاءِ، والدِّعْوَةِ، فَألْحَقَ بِهِ عارًا لا يُفارِقُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. والزَّنَمَتانِ: المُعَلَّقَتانِ عِنْدَ حُلُوقِ المَعْزى. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: يَعْنِي الَّتِي تَتَعَلَّقُ مِن أُذُنِها.

والرّابِعُ: أنَّهُ الظَّلُومُ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: "أنْ كانَ" عَلى الخَبَرِ، أيْ: لِأنْ كانَ. والمَعْنى: لا تُطِعْهُ لِمالِهِ وبَنِيهِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِهَمْزَتَيْنِ، الأُولى: مُخَفَّفَةٌ. والثّانِيَةُ: مُلَيَّنَةٌ، وفَصَلَ بَيْنَهُما بِألِفٍ أبُو جَعْفَرٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ: "أأنْ كانَ" بِهَمْزَتَيْنِ مُخَفَّفَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ، ولَهُ وجْهانِ.

(p-٣٣٤)أحَدُهُما: لِأنْ كانَ ذا مالٍ تُطِيعُهُ؟!

والثّانِي: ألِأنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ؟! "إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا" يَكْفُرُ بِها؟ فَيَقُولُ: "أساطِيرُ الأوَّلِينَ" ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الفَرّاءُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "أنْ كانَ" بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَقْصُورَةٍ. ثُمَّ أوْعَدَهُ فَقالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ الخُرْطُومُ: الأنْفُ. وفي هَذِهِ السِّمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: سَنَسِمُهُ بِالسَّيْفِ، فَنَجْعَلُ ذَلِكَ عَلامَةً عَلى أنْفِهِ ما عاشَ، فَقاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ فَخُطِمَ بِالسَّيْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: سَنُلْحِقُ بِهِ شَيْئًا لا يُفارِقُهُ، قالَهُ قَتادَةُ، واخْتارَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: سَنُسَوِّدُ وجْهَهُ. قالَ الفَرّاءُ: و"الخُرْطُومُ" وإنْ كانَ قَدْ خُصَّ بِالسِّمَةِ، فَإنَّهُ في مَذْهَبِ الوَجْهِ، لِأنَّ بَعْضَ الوَجْهِ يُؤَدِّي عَنِ البَعْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: سَنَجْعَلُ لَهُ في الآخِرَةِ العَلَمَ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ أهْلُ النّارِ مِنِ اسْوِدادِ وُجُوهِهِمْ. وجائِزٌ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يُفْرَدَ بِسِمَةٍ لِمُبالَغَتِهِ في عَداوَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَبَيَّنُ بِها عَنْ غَيْرِهِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Indeed, We have tried them as We tried the companions of the garden, when they swore to cut its fruit in the [early] morning

زاد المسيرIbn al-Jawzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ، أيِ: ابْتَلَيْناهم بِالجُوعِ، والقَحْطِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ حِينَ هَلَكَتْ جَنَّتُهم.

وَهَذِهِ الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ

ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ رَجُلًا كانَ بِناحِيَةِ اليَمَنِ لَهُ بُسْتانٌ، وكانَ مُؤْمِنًا. وذَلِكَ بَعْدَ عِيسى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانَ يَأْخُذُ مِنهُ قَدْرَ قُوتِهِ، وكانَ يَتَصَدَّقُ بِالباقِي. وقِيلَ: كانَ يَتْرُكُ لِلْمَساكِينِ ما تَعَدّاهُ المِنجَلُ، وما يَسْقُطُ مِن رُؤُوسِ النَّخْلِ، وما يَنْتَثِرُ عِنْدَ الدِّراسِ، فَكانَ يَجْتَمِعُ مِن هَذا شَيْءٌ كَثِيرٌ، فَماتَ الرَّجُلُ عَنْ ثَلاثِ بَنِينَ، فَقالُوا: واللَّهِ إنَّ المالَ لَقَلِيلٌ، وإنَّ العِيالَ لَكَثِيرٌ، وإنَّما كانَ أبُونا يَفْعَلُ هَذا إذْ كانَ المالُ كَثِيرًا، والعِيالُ قَلِيلًا، وأمّا الآنُ فَلا نَسْتَطِيعُ أنْ نَفْعَلَ هَذا. فَعَزَمُوا عَلى حِرْمانِ المَساكِينِ، وتَحالَفُوا بَيْنَهم لَيَغْدُنَّ قَبْلَ خُرُوجِ النّاسِ، فَلْيَصْرِمُنَّ نَخْلَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: حَلَفُوا ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: لَيَقْطَعُنَّ نَخْلَهم ‏‏‏‏‏ أيْ: في أوَّلِ الصَّباحِ. وقَدْ بَقِيَتْ مِنَ اللَّيْلِ ظُلْمَةٌ لِئَلّا يَبْقى لِلْمَساكِينِ شَيْءٌ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَقُولُونَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

(p-٣٣٦)والثّانِي: لا يَسْتَثْنُونَ حَقَّ المَساكِينِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ أيْ: مِن أمْرِ رَبِّكَ. قالَ الفَرّاءُ: الطّائِفُ لا يَكُونُ إلّا بِاللَّيْلِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْها نارًا بِاللَّيْلِ، فاحْتَرَقَتْ، فَصارَتْ سَوْداءَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: كالرَّمادِ الأسْوَدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: كاللَّيْلِ المُسْوَدِّ، قالَهُ الفَرّاءُ. وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْبَحَتْ سَوْداءَ كاللَّيْلِ مُحْتَرِقَةً. واللَّيْلُ: هو الصَّرِيمُ، والصُّبْحُ أيْضًا: صَرِيمٌ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَنْصَرِمُ عَنْ صاحِبِهِ.

والثّالِثُ: أصْبَحَتْ وقَدْ ذَهَبَ ما فِيها مِنَ الثَّمَرِ، فَكَأنَّهُ قَدْ صُرِمَ، أيْ: قُطِعَ، وجُذَّ حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ أيْضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا لَمّا أصْبَحُوا "أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ" يَعْنِي: الثِّمارَ والزُّرُوعَ والأعْنابَ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: قاطِعِينَ لِلنَّخْلِ، ﴿فانْطَلَقُوا﴾ أيْ: ذَهَبُوا إلى جَنَّتِهِمْ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَتَسارَرُونَ بِـ "أنْ لا يُدْخَلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ" فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.

أحَدُهُما: عَلى قُدْرَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: عَلى فاقَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ في رِوايَةٍ.

والثّالِثُ: عَلى جِدٍّ، قالَهُ الحَسَنُ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، والفَرّاءُ، ومُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: عَلى أمْرٍ مُجْمَعٍ قَدْ أسَّسُوهُ بَيْنَهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: أنَّ الحَرْدَ: اسْمُ الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

(p-٣٣٧)والسّادِسُ: أنَّهُ الحَنَقُ والغَضَبُ عَلى المَساكِينِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وسُفْيانُ. وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:

؎ أُسُودُ شَرًى لاقَتْ أُسُودَ خَفِيَّةٍ تَساقَوْا عَلى حَرْدٍ دِماءَ الأساوِدِ

والسّابِعُ: أنَّهُ المَنعُ مَأْخُوذٌ مِن حارَدَتِ السَّنَةُ فَلَيْسَ فِيها مَطَرٌ، وحارَدَتِ النّاقَةُ فَلَيْسَ لَها لَبَنٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ:

والثّامِنُ: أنَّهُ القَصْدُ. يُقالُ: حَرَدْتُ حَرْدَكَ، أيْ: قَصَدْتُ قَصْدَكَ، حَكاهُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. وأنْشَدُوا:

؎ قَدْ جاءَ سَيْلٌ كانَ مِن أمْرِ اللَّهِ ∗∗∗ يَحْرُدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ

أيْ: يَقْصِدُ قَصْدَها. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وفِيها لُغَتانِ: حَرَدٌ، وحَرْدٌ، كَما يُقالُ: الدَّرَكُ، والدَّرْكُ، (p-٣٣٨)وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قادِرِينَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: قادِرِينَ عَلى جَنَّتِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: قادِرِينَ عَلى المَساكِينِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ. والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: مَنَعُوا وهم قادِرُونَ، أيْ: واجِدُونَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قالُوا: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مُحْتَرِقَةً ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: قَدْ ضَلَلْنا طَرِيقَ جَنَّتِنا، فَلَيْسَتْ هَذِهِ. ثُمَّ عَلِمُوا أنَّها عُقُوبَةٌ، فَقالُوا: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: حُرِمْنا ثَمَرَ جَنَّتِنا بِمَنعِنا المِسْكِينَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: أعْدَلُهُمْ، وأفْضَلُهم ﴿لَوْلا﴾ أيْ: هَلّا ﴿تُسَبِّحُونَ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: هَلّا تَسْتَثْنُونَ عِنْدَ قَوْلِكُمْ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ والجُمْهُورُ. والمَعْنى: هَلّا قُلْتُمْ: إنْ شاءَ اللَّهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما قِيلَ لِلِاسْتِثْناءِ: تَسْبِيحٌ، لِأنَّ التَّسْبِيحَ في اللُّغَةِ: تَنْزِيهُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ السُّوءِ. والِاسْتِثْناءُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ، وإقْرارٌ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَفْعَلَ فِعْلًا إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ اسْتِثْناؤُهم قَوْلَ: "سُبْحانَ اللَّهِ "قالَهُ أبُو صالِحٍ.

والثّالِثُ: هَلّا تُسَبِّحُونَ اللَّهَ وتَشْكُرُونَهُ عَلى ما أعْطاكُمْ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فَنَزَّهُوهُ أنْ يَكُونَ ظالِمًا فِيما صَنَعَ، وأقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالظُّلْمِ فَقالُوا: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ بِمَنعِنا المَساكِينَ "فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ" أيْ: يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا في مَنعِ المَساكِينِ حُقُوقَهم. يَقُولُ هَذا (p-٣٣٩)لِهَذا: أنْتَ أشَرْتَ عَلَيْنا، ويَقُولُ الآخَرُ: أنْتَ فَعَلْتَ، ثُمَّ نادَوْا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ، فَقالُوا: ﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ حِينَ لَمْ نَصْنَعْ ما صَنَعَ آباؤُنا، ثُمَّ رَجَعُوا إلى اللَّهِ تَعالى فَسَألُوهُ أنْ يُبَدِّلَهم خَيْرًا مِنها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ . وقَرَأ قَوْمٌ: "يُبْدِلَنا" بِالتَّخْفِيفِ، وهُما لُغَتانِ. وفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَهُما، فَقالُوا: التَّبْدِيلُ: تَغْيِيرُ حالِ الشَّيْءِ وصِفَتِهِ والعَيْنُ باقِيَةٌ. والإبْدالُ: إزالَةُ الشَّيْءِ ووَضْعُ غَيْرِهِ مَكانَهُ. ونُقِلَ أنَّ القَوْمَ أخْلَصُوا، فَبَدَّلَهُمُ اللَّهُ جَنَّةً العُنْقُودُ مِنها وِقْرُ بَغْلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ما فَعَلْنا بِهِمْ نَفْعَلُ بِمَن تَعَدّى حُدُودَنا. وها هُنا انْتَهَتْ قِصَّةُ أهْلِ الجَنَّةِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ بِما بَعْدَ هَذا فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنّا لَنُعْطى في الآخِرَةِ أفْضَلَ مِمّا تُعْطَوْنَ، فَقالَ تَعالى مُكَذِّبًا لَهم ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ مَجازُها ها هُنا مَجازُ التَّوْبِيخِ، والتَّقْرِيرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: كَيْفَ تَقْضُونَ بِالجَوْرِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أُنْزِلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿فِيهِ﴾ هَذا ﴿تَدْرُسُونَ﴾ أيْ: تَقْرَؤُونَ ما فِيهِ ‏‏ ‏‏‏ في ذَلِكَ الكِتابِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: ما تَخْتارُونَ وتَشْتَهُونَ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو عِمْرانَ: أنَّ لَكم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وهَذا تَقْرِيعٌ لَهُمْ، وتَوْبِيخٌ عَلى ما يَتَمَنَّوْنَ مِنَ الباطِلِ "سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ" ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: ألَكم عُهُودٌ عَلى اللَّهِ تَعالى حَلَفَ لَكم عَلى ما تَدَّعُونَ بِأيْمانٍ بالِغَةٍ، أيْ: مُؤَكَّدَةٍ. وكُلُّ شَيْءٍ مُتَناهٍ في الجَوْدَةِ والصِّحَّةِ فَهو بالِغٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، أيْ: تَبْلُغُ تِلْكَ الأيْمانُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ في لُزُومِها وتَوْكِيدِها "إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ" لِأنْفُسِكم بِهِ مِنَ الخَيْرِ والكَرامَةِ عِنْدَ (p-٣٤٠)اللَّهُ تَعالى. قالَ الفَرّاءُ: والقُرّاءُ عَلى رَفْعِ بالِغَة إلّا الحَسَنَ فَإنَّهُ نَصَبَها عَلى مَذْهَبِ المَصْدَرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَقًّا﴾ [الرُّومِ: ٤٧] . ومَعْنى الآيَةِ: هَلْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ بِأنَّ لَكم ما تَحْكُمُونَ؟! . فَلَمّا كانَتِ اللّامُ في جَوابِ "إنَّ" كَسَرَتْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الكَفِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ. والمَعْنى: أيَهُمُّ كَفَلَ بِأنَّ لَهم في الآخِرَةِ ما لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الخَيْرِ.

والثّانِي: أنَّهُ الرَّسُولُ، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ يَعْنِي: الأصْنامَ الَّتِي جَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى، والمَعْنى: ألَهُمَ أرْبابٌ يَفْعَلُونَ بِهِمْ هَذا الَّذِي زَعَمُوا. وقِيلَ: يَشْهَدُونَ لَهم بِصِدْقِ ما ادَّعَوْا "فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ" في أنَّها شُرَكاءُ اللَّهِ. وإنَّما أُضِيفَ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ لِادِّعائِهِمْ أنَّهم شُرَكاءُ اللَّهِ.

‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Without making exception.

زاد المسيرIbn al-Jawzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ، أيِ: ابْتَلَيْناهم بِالجُوعِ، والقَحْطِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ حِينَ هَلَكَتْ جَنَّتُهم.

وَهَذِهِ الإشارَةُ إلى قِصَّتِهِمْ

ذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ أنَّ رَجُلًا كانَ بِناحِيَةِ اليَمَنِ لَهُ بُسْتانٌ، وكانَ مُؤْمِنًا. وذَلِكَ بَعْدَ عِيسى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانَ يَأْخُذُ مِنهُ قَدْرَ قُوتِهِ، وكانَ يَتَصَدَّقُ بِالباقِي. وقِيلَ: كانَ يَتْرُكُ لِلْمَساكِينِ ما تَعَدّاهُ المِنجَلُ، وما يَسْقُطُ مِن رُؤُوسِ النَّخْلِ، وما يَنْتَثِرُ عِنْدَ الدِّراسِ، فَكانَ يَجْتَمِعُ مِن هَذا شَيْءٌ كَثِيرٌ، فَماتَ الرَّجُلُ عَنْ ثَلاثِ بَنِينَ، فَقالُوا: واللَّهِ إنَّ المالَ لَقَلِيلٌ، وإنَّ العِيالَ لَكَثِيرٌ، وإنَّما كانَ أبُونا يَفْعَلُ هَذا إذْ كانَ المالُ كَثِيرًا، والعِيالُ قَلِيلًا، وأمّا الآنُ فَلا نَسْتَطِيعُ أنْ نَفْعَلَ هَذا. فَعَزَمُوا عَلى حِرْمانِ المَساكِينِ، وتَحالَفُوا بَيْنَهم لَيَغْدُنَّ قَبْلَ خُرُوجِ النّاسِ، فَلْيَصْرِمُنَّ نَخْلَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: حَلَفُوا ﴿لَيَصْرِمُنَّها﴾ أيْ: لَيَقْطَعُنَّ نَخْلَهم ﴿مُصْبِحِينَ﴾ أيْ: في أوَّلِ الصَّباحِ. وقَدْ بَقِيَتْ مِنَ اللَّيْلِ ظُلْمَةٌ لِئَلّا يَبْقى لِلْمَساكِينِ شَيْءٌ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لا يَقُولُونَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

(p-٣٣٦)والثّانِي: لا يَسْتَثْنُونَ حَقَّ المَساكِينِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ أيْ: مِن أمْرِ رَبِّكَ. قالَ الفَرّاءُ: الطّائِفُ لا يَكُونُ إلّا بِاللَّيْلِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْها نارًا بِاللَّيْلِ، فاحْتَرَقَتْ، فَصارَتْ سَوْداءَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: كالرَّمادِ الأسْوَدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: كاللَّيْلِ المُسْوَدِّ، قالَهُ الفَرّاءُ. وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْبَحَتْ سَوْداءَ كاللَّيْلِ مُحْتَرِقَةً. واللَّيْلُ: هو الصَّرِيمُ، والصُّبْحُ أيْضًا: صَرِيمٌ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَنْصَرِمُ عَنْ صاحِبِهِ.

والثّالِثُ: أصْبَحَتْ وقَدْ ذَهَبَ ما فِيها مِنَ الثَّمَرِ، فَكَأنَّهُ قَدْ صُرِمَ، أيْ: قُطِعَ، وجُذَّ حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ أيْضًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا لَمّا أصْبَحُوا "أنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ" يَعْنِي: الثِّمارَ والزُّرُوعَ والأعْنابَ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: قاطِعِينَ لِلنَّخْلِ، ﴿فانْطَلَقُوا﴾ أيْ: ذَهَبُوا إلى جَنَّتِهِمْ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَتَسارَرُونَ بِـ "أنْ لا يُدْخَلَنَّها اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ وغَدَوْا عَلى حَرْدٍ" فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.

أحَدُهُما: عَلى قُدْرَةٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: عَلى فاقَةٍ، قالَهُ الحَسَنُ في رِوايَةٍ.

والثّالِثُ: عَلى جِدٍّ، قالَهُ الحَسَنُ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ، والفَرّاءُ، ومُقاتِلٌ.

والرّابِعُ: عَلى أمْرٍ مُجْمَعٍ قَدْ أسَّسُوهُ بَيْنَهُمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ.

والخامِسُ: أنَّ الحَرْدَ: اسْمُ الجَنَّةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

(p-٣٣٧)والسّادِسُ: أنَّهُ الحَنَقُ والغَضَبُ عَلى المَساكِينِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، وسُفْيانُ. وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:

؎ أُسُودُ شَرًى لاقَتْ أُسُودَ خَفِيَّةٍ تَساقَوْا عَلى حَرْدٍ دِماءَ الأساوِدِ

والسّابِعُ: أنَّهُ المَنعُ مَأْخُوذٌ مِن حارَدَتِ السَّنَةُ فَلَيْسَ فِيها مَطَرٌ، وحارَدَتِ النّاقَةُ فَلَيْسَ لَها لَبَنٌ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ:

والثّامِنُ: أنَّهُ القَصْدُ. يُقالُ: حَرَدْتُ حَرْدَكَ، أيْ: قَصَدْتُ قَصْدَكَ، حَكاهُ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. وأنْشَدُوا:

؎ قَدْ جاءَ سَيْلٌ كانَ مِن أمْرِ اللَّهِ ∗∗∗ يَحْرُدُ حَرْدَ الجَنَّةِ المُغِلَّهْ

أيْ: يَقْصِدُ قَصْدَها. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وفِيها لُغَتانِ: حَرَدٌ، وحَرْدٌ، كَما يُقالُ: الدَّرَكُ، والدَّرْكُ، (p-٣٣٨)وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قادِرِينَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: قادِرِينَ عَلى جَنَّتِهِمْ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: قادِرِينَ عَلى المَساكِينِ، قالَهُ الشَّعْبِيُّ. والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: مَنَعُوا وهم قادِرُونَ، أيْ: واجِدُونَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قالُوا: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مُحْتَرِقَةً ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: قَدْ ضَلَلْنا طَرِيقَ جَنَّتِنا، فَلَيْسَتْ هَذِهِ. ثُمَّ عَلِمُوا أنَّها عُقُوبَةٌ، فَقالُوا: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: حُرِمْنا ثَمَرَ جَنَّتِنا بِمَنعِنا المِسْكِينَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: أعْدَلُهُمْ، وأفْضَلُهم ﴿لَوْلا﴾ أيْ: هَلّا ﴿تُسَبِّحُونَ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: هَلّا تَسْتَثْنُونَ عِنْدَ قَوْلِكُمْ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ والجُمْهُورُ. والمَعْنى: هَلّا قُلْتُمْ: إنْ شاءَ اللَّهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما قِيلَ لِلِاسْتِثْناءِ: تَسْبِيحٌ، لِأنَّ التَّسْبِيحَ في اللُّغَةِ: تَنْزِيهُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنِ السُّوءِ. والِاسْتِثْناءُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ، وإقْرارٌ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَفْعَلَ فِعْلًا إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ اسْتِثْناؤُهم قَوْلَ: "سُبْحانَ اللَّهِ "قالَهُ أبُو صالِحٍ.

والثّالِثُ: هَلّا تُسَبِّحُونَ اللَّهَ وتَشْكُرُونَهُ عَلى ما أعْطاكُمْ، حَكاهُ الثَّعْلَبِيُّ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فَنَزَّهُوهُ أنْ يَكُونَ ظالِمًا فِيما صَنَعَ، وأقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالظُّلْمِ فَقالُوا: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ بِمَنعِنا المَساكِينَ "فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ" أيْ: يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا في مَنعِ المَساكِينِ حُقُوقَهم. يَقُولُ هَذا (p-٣٣٩)لِهَذا: أنْتَ أشَرْتَ عَلَيْنا، ويَقُولُ الآخَرُ: أنْتَ فَعَلْتَ، ثُمَّ نادَوْا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ، فَقالُوا: ﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ حِينَ لَمْ نَصْنَعْ ما صَنَعَ آباؤُنا، ثُمَّ رَجَعُوا إلى اللَّهِ تَعالى فَسَألُوهُ أنْ يُبَدِّلَهم خَيْرًا مِنها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ . وقَرَأ قَوْمٌ: "يُبْدِلَنا" بِالتَّخْفِيفِ، وهُما لُغَتانِ. وفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَهُما، فَقالُوا: التَّبْدِيلُ: تَغْيِيرُ حالِ الشَّيْءِ وصِفَتِهِ والعَيْنُ باقِيَةٌ. والإبْدالُ: إزالَةُ الشَّيْءِ ووَضْعُ غَيْرِهِ مَكانَهُ. ونُقِلَ أنَّ القَوْمَ أخْلَصُوا، فَبَدَّلَهُمُ اللَّهُ جَنَّةً العُنْقُودُ مِنها وِقْرُ بَغْلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ما فَعَلْنا بِهِمْ نَفْعَلُ بِمَن تَعَدّى حُدُودَنا. وها هُنا انْتَهَتْ قِصَّةُ أهْلِ الجَنَّةِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ. ثُمَّ ذَكَرَ ما لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَهُ بِما بَعْدَ هَذا فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنّا لَنُعْطى في الآخِرَةِ أفْضَلَ مِمّا تُعْطَوْنَ، فَقالَ تَعالى مُكَذِّبًا لَهم ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ قالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ مَجازُها ها هُنا مَجازُ التَّوْبِيخِ، والتَّقْرِيرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: كَيْفَ تَقْضُونَ بِالجَوْرِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أُنْزِلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿فِيهِ﴾ هَذا ﴿تَدْرُسُونَ﴾ أيْ: تَقْرَؤُونَ ما فِيهِ ‏‏ ‏‏‏ في ذَلِكَ الكِتابِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: ما تَخْتارُونَ وتَشْتَهُونَ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وأبُو عِمْرانَ: أنَّ لَكم بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وهَذا تَقْرِيعٌ لَهُمْ، وتَوْبِيخٌ عَلى ما يَتَمَنَّوْنَ مِنَ الباطِلِ "سَلْهم أيُّهم بِذَلِكَ زَعِيمٌ" ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: ألَكم عُهُودٌ عَلى اللَّهِ تَعالى حَلَفَ لَكم عَلى ما تَدَّعُونَ بِأيْمانٍ بالِغَةٍ، أيْ: مُؤَكَّدَةٍ. وكُلُّ شَيْءٍ مُتَناهٍ في الجَوْدَةِ والصِّحَّةِ فَهو بالِغٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: بالِغَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، أيْ: تَبْلُغُ تِلْكَ الأيْمانُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ في لُزُومِها وتَوْكِيدِها "إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ" لِأنْفُسِكم بِهِ مِنَ الخَيْرِ والكَرامَةِ عِنْدَ (p-٣٤٠)اللَّهُ تَعالى. قالَ الفَرّاءُ: والقُرّاءُ عَلى رَفْعِ بالِغَة إلّا الحَسَنَ فَإنَّهُ نَصَبَها عَلى مَذْهَبِ المَصْدَرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَقًّا﴾ [الرُّومِ: ٤٧] . ومَعْنى الآيَةِ: هَلْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ بِأنَّ لَكم ما تَحْكُمُونَ؟! . فَلَمّا كانَتِ اللّامُ في جَوابِ "إنَّ" كَسَرَتْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الكَفِيلُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ. والمَعْنى: أيَهُمُّ كَفَلَ بِأنَّ لَهم في الآخِرَةِ ما لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الخَيْرِ.

والثّانِي: أنَّهُ الرَّسُولُ، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ يَعْنِي: الأصْنامَ الَّتِي جَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى، والمَعْنى: ألَهُمَ أرْبابٌ يَفْعَلُونَ بِهِمْ هَذا الَّذِي زَعَمُوا. وقِيلَ: يَشْهَدُونَ لَهم بِصِدْقِ ما ادَّعَوْا "فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ" في أنَّها شُرَكاءُ اللَّهِ. وإنَّما أُضِيفَ الشُّرَكاءُ إلَيْهِمْ لِادِّعائِهِمْ أنَّهم شُرَكاءُ اللَّهِ.

You read 68:16–18 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Al-Qalam 68:16