All commentaries

زاد المسير

Ibn al-Jawzī

ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)

Every opinion held on a verse, listed and numbered, then on.

Al-Ḥāqqah 69:21 Juzʾ 29 Page 567

‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

So he will be in a pleasant life -

Read in the muṣḥaf
زاد المسير Ibn al-Jawzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها النَّفْخَةُ الأُولى، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّانِي: الأخِيرَةُ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ. ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: حُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ وما فِيها ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: كُسِرَتا، ودُقَّتا دَقَّةً واحِدَةً، لا يُثَنّى عَلَيْها حَتّى تَسْتَوِيَ بِما عَلَيْها مِن شَيْءٍ، فَتَصِيرَ كالأدِيمِ المَمْدُودِ. وقَدْ أشَرْنا إلى هَذا المَعْنى في [الأعْرافِ] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [آيَةُ: ١٤٣] . قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما قالَ: فَدُكَّتا، ولَمْ يَقُلْ: فَدُكِكْنَ، لِأنَّهُ جَعَلَ الجِبالَ كالشَّيْءِ الواحِدِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا﴾ [الأنْبِياءِ: ٣٠]، وأنْشَدُوا:

؎ هُما سَيِّدانا يَزْعُمانِ وإنَّما يَسُودانِنا أنْ يَسَّرَتْ غَنَماهُما

والعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ يَسَّرَتِ الغَنَمُ: إذا ولَدَتْ، أوْ تَهَيَّأتْ لِلْوِلادَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: قامَتِ القِيامَةُ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِنُزُولِ مَن فِيها مِنَ المَلائِكَةِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ وهْيَها: ضَعْفُها وتَمَزُّقُها مِنَ الخَوْفِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ تَشَقُّقُها، قالَهُ الفَرّاءُ ﴿والمَلَكُ﴾ يَعْنِي: المَلائِكَةَ، فَهو اسْمُ جِنْسٍ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: عَلى جَوانِبِها. قالَ الزَّجّاجُ: ورَجاءُ كُلِّ شَيْءٍ: ناحِيَتُهُ، مَقْصُورٌ. والتَّثْنِيَةُ: رَجَوانِ، والجَمْعُ: أرْجاءٌ. وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ (p-٣٥٠)المُشارَ إلَيْها السَّماءُ. قالَ الضَّحّاكُ: إذا انْشَقَّتِ السَّماءُ كانَتِ المَلائِكَةُ عَلى حافَّتِها حَتّى يَأْمُرَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَيَنْزِلُونَ إلى الأرْضِ، فَيُحِيطُونَ بِها، ومَن عَلَيْها. ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: عَلى أرْجاءِ الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، أيِ: العَرْشُ عَلى رُؤُوسِ الحَمَلَةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: فَوْقَ الَّذِينَ عَلى أرْجائِها، أيْ: أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ فَوْقَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ هم عَلى أرْجائِها.

والثّالِثُ: أنَّهم فَوْقَ أهْلِ القِيامَةِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ "يَوْمَئِذٍ" أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ "ثَمانِيَةٌ" فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: ثَمانِيَةُ أمْلاكٍ. وجاءَ في الحَدِيثِ «أنَّهُمُ اليَوْمَ أرْبَعَةٌ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أمُدَّهُمُ اللَّهُ بِأرْبَعَةِ أمْلاكٍ آخَرِينَ،» هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.

والثّانِي: ثَمانِيَةُ صُفُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَعْلَمُ عِدَّتَهم إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ.

(p-٣٥١)والثّالِثُ: ثَمانِيَةُ أجْزاءٍ مِنَ الكَرُوبِيِّينَ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ في "سُنَنِهِ" مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "أُذِنَ لِي أنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ مِن حَمَلَةِ العَرْشِ، أنَّ ما بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إلى عاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عامٍ" .»

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ عَلى اللَّهِ لِحِسابِكم (لا تَخْفى) عَلَيْهِ. قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "لا يَخْفى" بِالياءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ. والمَعْنى: لا يَخْفى عَلَيْهِ (مِنكم خافِيَةٌ) أيْ: نَفْسٌ خافِيَةٌ، أوْ فَعْلَةٌ خافِيَةٌ. وفي حَدِيثِ أبِي مُوسى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ « "يُعْرَضُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ ثَلاثَ عَرَضاتٍ، فَأمّا عَرْضَتانِ فَجِدالٌ، ومَعاذِيرُ وأمّا الثّالِثَةُ، فَعِنْدَها تَتَطايَرُ الصُّحُفُ في الأيْدِي، فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ، وآخِذٌ بِشِمالِهِ،» وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَقُولُ: حاسِبُوا أنْفُسَكم قَبْلَ أنْ تُحاسَبُوا، وزِنُوها قَبْلَ أنْ تُوزَنُوا، وتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الأكْبَرِ، يَوْمَئِذٍ لا تَخْفى مِنكم خافِيَةٌ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ قالَ الزَّجّاجُ: "هاؤُمُ" أمْرٌ مِنَ الجَماعَةِ. بِمَنزِلَةِ هاكم. تَقُولُ لِلْواحِدِ: ها يا رَجُلُ، ولِلِاثْنَيْنِ: هاؤُما يا رَجُلانِ. ولِلثَّلاثَةِ: هاؤُمُ يا رِجالٌ.

(p-٣٥٢)قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّما يَقُولُ هَذا ثِقَةً بِسَلامَتِهِ وسُرُورًا بِنَجاتِهِ. وذَكَرَ مُقاتِلٌ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الأسَدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: عَلِمْتُ وأيْقَنْتُ في الدُّنْيا "أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ" أيْ: أُبْعَثُ، وأُحاسَبُ في الآخِرَةِ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ أيْ: حالَةٍ مِنَ العَيْشِ ‏‏‏‏‏ قالَ الفَرّاءُ: أيْ: فِيها الرِّضى.

وَقالَ الزَّجّاجُ: أيْ: ذاتُ رِضًى يَرْضاها مَن يَعِيشُ فِيها. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَجازُها مَجازُ مَرَضِيَّةٍ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: عالِيَةِ المَنازِلِ ﴿قُطُوفُها﴾ أيْ: ثِمارُها ﴿دانِيَةٌ﴾ أيْ: قَرِيبَةٌ مِمَّنْ يَتَناوَلُها، وهي جَمْعُ قِطْفٍ. والقِطْفُ: ما يُقْطَفُ مِنَ الثِّمارِ. قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: يَتَناوَلُ الثَّمَرَةَ وهو نائِمٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُوا﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: قَدَّمْتُمْ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ في ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ الماضِيَةِ، وهي أيّامُ الدُّنْيا. ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الأسْوَدِ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بِبَدْرٍ، وهو أخُو أبِي سَلَمَةَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ﴾ وذَلِكَ لِما يَرى فِيهِ مِنَ القَبائِحِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِأنَّهُ لا حاصِلَ لَهُ في ذَلِكَ الحِسابِ، إنَّما كُلُّهُ عَلَيْهِ. وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وقَتادَةُ، ويَعْقُوبُ، يَحْذِفُونَ الهاءَ مِن "كِتابِيَهْ" و"حِسابِيَهْ" في الوَصْلِ. قالَ الزَّجّاجُ: والوَجْهُ أنْ يُوقَفَ عَلى هَذِهِ الهاآتِ، ولا تُوصَلَ، لِأنَّها أُدْخِلَتْ لِلْوَقْفِ. وقَدْ حَذَفَها قَوْمٌ في الوَصْلِ، ولا أُحِبُّ مُخالَفَةَ المُصْحَفِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [القارِعَةِ: ١٠] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا لَيْتَها﴾ يَعْنِي: المَوْتَةَ الَّتِي ماتَها في الدُّنْيا ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ (p-٣٥٣)أيِ: القاطِعَةَ لِلْحَياةِ، فَكَأنَّهُ تَمَنّى دَوامَ المَوْتِ، وأنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ لِلْحِسابِ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ضَلَّتْ عَنِّي حُجَّتِي، قالَهُ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: زالَ عَنِّي مُلْكِي، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذُوهُ﴾ أيْ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيِ: اجْمَعُوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: أدْخِلُوهُ النّارَ. وقالَ الزَّجّاجُ: اجْعَلُوهُ يَصْلى النّارَ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ وهي حِلَقٌ مُنْتَظِمَةٌ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِذِراعِ المَلِكِ. وقالَ نَوْفٌ الشّامِيُّ: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ باعًا، الباعُ أبْعَدُ مِمّا بَيْنَكَ وبَيْنَ مَكَّةَ، وكانَ في رَحْبَةِ الكُوفَةِ. وقالَ سُفْيانُ: كُلُّ ذِراعٍ سَبْعُونَ ذِراعًا. وقالَ مُقاتِلٌ: ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا بِالذِّراعِ الأوَّلِ. ويُقالُ: إنَّ جَمِيعَ أهْلِ النّارِ في تِلْكَ السِّلْسِلَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْلُكُوهُ﴾ أيْ: أدْخِلُوهُ. قالَ الفَرّاءُ: وذُكِرَ أنَّها تَدْخُلُ في دُبُرِ الكافِرِ فَتَخْرُجُ مِن رَأْسِهِ، فَذَلِكَ سَلْكُهُ فِيها. والمَعْنى: ثُمَّ اسْلُكُوا فِيهِ السِّلْسِلَةَ، ولَكِنَّ العَرَبَ تَقُولُ: أدْخَلْتُ رَأْسِي في القَلَنْسُوَةِ، وأدْخَلْتُها في رَأْسِي. ويُقالُ: الخاتَمُ لا يَدْخُلُ في يَدِي، وإنَّما اليَدُ تَدْخُلُ في الخاتَمِ، وإنَّما اسْتَجازُوا ذَلِكَ، لِأنَّ مَعْناهُ مَعْرُوفٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: لا يُصَدِّقُ بِوَحْدانِيَّتِهِ وعَظَمَتِهِ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: لا يُطْعِمُهُ، ولا يَأْمُرُ بِإطْعامِهِ (p-٣٥٤)﴿فَلَيْسَ لَهُ اليَوْمَ ها هُنا حَمِيمٌ﴾ أيْ: قَرِيبٌ يَنْفَعُهُ، أيْ: يَشْفَعُ لَهُ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ مُقاتِلٌ: إذا سالَ القَيْحُ، والدَّمُ بادَرُوا أكْلَهُ قَبْلَ أنْ تَأْكُلَهُ النّارُ.

والثّانِي: شَجَرٌ يَأْكُلُهُ أهْلُ النّارِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ: .

والثّالِثُ: أنَّهُ غُسالَةُ أجْوافِهِمْ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو "فِعْلِينٌ" مِن "غَسَلْتُ" كَأنَّهُ غُسالَةٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي الكافِرِينَ.

The same ayah, in another commentary

Al-Ḥāqqah 69:21