All commentaries

زاد المسير

Ibn al-Jawzī

ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)

Every opinion held on a verse, listed briefly and numbered, then on to the next.

ʿAbasa 80:3 Juzʾ 30 Page 585

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

But what would make you perceive, [O Muhammad], that perhaps he might be purified

Read in the muṣḥaf

(p-٢٦)سُورَةُ عَبَسَ

مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ قالَ المُفَسِّرُونَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا يُناجِي عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وأبا جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وأُمَيَّةَ وأُبَيًّا ابْنَيْ خَلَفٍ، ويَدْعُوهم إلى اللَّهِ تَعالى، ويَرْجُو إسْلامَهُمْ، فَجاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الأعْمى، فَقالَ: عَلِّمْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، وجَعَلَ يُنادِيهِ، ويُكَرِّرُ النِّداءَ، ولا يَدْرِي أنَّهُ مُشْتَغِلٌ بِكَلامِ غَيْرِهِ، حَتّى ظَهَرَتِ الكَراهِيَةُ في وجْهِهِ ﷺ لِقَطْعِهِ كَلامَهُ، فَأعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأقْبَلَ عَلى القَوْمِ يُكَلِّمُهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْرِمُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، ويَقُولُ: مَرْحَبًا بِمَن عاتَبَنِي فِيهِ (p-٢٧)رَبِّي.» وذَهَبَ قَوْمٌ، مِنهم مُقاتِلٌ، إلى أنَّهُ إنَّما جاءَ لِيُؤْمِنَ، فَأعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ اشْتِغالًا بِالرُّؤَساءِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآياتُ.

وَمَعْنى ﴿عَبَسَ﴾ قَطَّبَ وكَلَحَ ﴿وَتَوَلّى﴾ أعْرَضَ بِوَجْهِهِ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: لِأنْ جاءَهُ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو عِمْرانَ: " أنْ جاءَهُ " بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ مَفْتُوحَةٍ مَمْدُودَةٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ " أأنْ " بِهَمْزَتَيْنِ مَقْصُورَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ. و ﴿الأعْمى﴾ هو ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، واسْمُهُ عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ. وقِيلَ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: يَتَطَهَّرُ مِنَ الذُّنُوبِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، وما يَتَعَلَّمُهُ مِنكَ. وقالَ مُقاتِلٌ: لَعَلَّهُ يُؤْمِنُ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: يَتَّعِظُ بِما يَتَعَلَّمُهُ مِن مَواعِظِ القُرْآنِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ ﴿فَتَنْفَعَهُ﴾ بِفَتْحِ العَيْنِ، والباقُونَ بِرَفْعِها. قالَ الزَّجّاجُ: مَن نَصَبَ، فَعَلى جَوابِ " لَعَلَّ "، ومَن رَفَعَ، فَعَلى العَطْفِ عَلى ‏‏‏ .

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَغْنى عَنِ اللَّهِ وعَنِ الإيمانِ بِمالِهِ. قالَ مُجاهِدٌ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ عُتْبَةُ، وشَيْبَةُ، ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ . قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ: " تَصَّدّى " بِتَشْدِيدِ الصّادِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، (p-٢٨)وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " تَصَدّى " بِفَتْحِ التّاءِ، والصّادِ وتَخْفِيفِها، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ: " تَتَصَدّى " بِتاءَيْنِ مَعَ تَخْفِيفِ الصّادِ. قالَ الزَّجّاجُ: الأصْلُ: تَتَصَدّى، ولَكِنْ حُذِفَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ لِاجْتِماعِ تاءَيْنِ. ومَن قَرَأ: " تَصَدّى " بِإدْغامِ التّاءِ، فالمَعْنى أيْضًا: تَتَصَدّى، إلّا أنَّ التّاءَ أُدْغِمَتْ في الصّادِ لِقُرْبِ مَخْرَجِ التّاءِ مِنَ الصّادِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " تَصَدّى " تُقْبِلُ عَلَيْهِ بِوَجْهِكَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَتَعَرَّضُ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، والجَحْدَرِيُّ: " تُصْدى " بِتاءٍ واحِدَةٍ مَضْمُومَةٍ، وتَخْفِيفِ الصّادِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: أيُّ شَيْءٍ عَلَيْكَ في أنْ لا يُسْلِمَ مَن تَدْعُوهُ إلى الإسْلامِ؟ يَعْنِي: أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلّا البَلاغُ.

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: يَمْشِي.

والثّانِي: يَعْمَلُ في الخَيْرِ، وهو ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ ‏‏‏ ‏‏ اللَّهَ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وأبُو الجَوْزاءِ " تَتَلَهّى " بِتاءَيْنِ.

وَقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ، والجَحْدَرِيُّ " تُلَهّى " بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ مَرْفُوعَةٍ. قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: تَتَشاغَلُ عَنْهُ. يُقالُ: لُهِيتُ عَنِ الشَّيْءِ أُلْهى عَنْهُ: إذا تَشاغَلْتُ عَنْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا﴾ أيْ: لا تَفْعَلْ ذَلِكَ. ﴿إنَّها﴾ في المَكْنِّي عَنْها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: آياتُ القُرْآنِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: هَذِهِ السُّورَةُ، قالَهُ الفَرّاءُ " والتَّذْكِرَةُ " بِمَعْنى التَّذْكِيرِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مُفَسَّرٌ في آخِرِ [المُدَّثِّرِ: ٥٥] . ثُمَّ أخْبَرَ بِجَلالَةِ القُرْآنِ عِنْدَهُ، فَقالَ تَعالى: (p-٢٩)‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: هو في صُحُفٍ، أيْ: في كُتُبٍ مُكَرَّمَةٍ، وفِيها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: كُتُبِ الأنْبِياءِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ. فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى " مَرْفُوعَةٍ " عالِيَةَ القَدْرِ. وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ رَفْعُها كَوْنُها في السَّماءِ.

وَفِي مَعْنى " المُطَهَّرَةِ " أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مُطَهَّرَةٌ مِن أنْ تَنْزِلَ عَلى المُشْرِكِينَ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الشِّرْكِ والكُفْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: لِأنَّهُ لا يَمَسُّها إلّا المُطَهَّرُونَ، قالَهُ الفَرّاءُ. والرّابِعُ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الدَّنَسِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلامٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

وَفِي مَعْنى ﴿سَفَرَةٍ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الكَتَبَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ. قالَ الزَّجّاجُ: واحِدُهُمْ: سافِرٌ، وسَفَرَةٌ، مِثْلُ كاتِبٍ، وكَتَبَةٍ، وكافِرٍ، وكَفَرَةٍ. وإنَّما قِيلَ لِلْكِتابِ: سِفْرٌ، ولِلْكاتِبِ: سافِرٌ، لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُ يُبَيِّنُ الشَّيْءَ ويُوَضِّحُهُ. يُقالُ: أسْفَرَ الصُّبْحُ: إذا أضاءَ. وسَفَرَتِ المَرْأةُ: إذا كَشَفَتِ النِّقابَ عَنْ وجْهِها. ومِنهُ: سَفَرْتُ بَيْنَ القَوْمِ، أيْ: كَشَفْتُ ما في قَلْبِ هَذا، وقَلْبِ هَذا، لِأُصْلِحَ بَيْنَهم.

والثّانِي: أنَّهُمُ القُرّاءُ، قالَهُ قَتادَةُ.

(p-٣٠)والثّالِثُ: أنَّهُمُ السُّفَراءُ، وهُمُ المُصْلِحُونَ. قالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ: سَفَرْتُ بَيْنَ القَوْمِ، أيْ: أصْلَحْتُ بَيْنَهُمْ، فَجُعِلَتِ المَلائِكَةُ إذا نَزَلَتْ بِوَحْيِ اللَّهِ، كالسَّفِيرِ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ القَوْمِ. قالَ الشّاعِرُ:

؎ وما أدَعُ السِّفارَةَ بَيْنَ قَوْمِي وما أمْشِي بِغِشٍّ إنْ مَشَيْتُ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِرامٍ﴾ أيْ: عَلى رَبِّهِمْ ﴿بَرَرَةٍ﴾ أيْ: مُطِيعِينَ. قالَ الفَرّاءُ: واحِدُ " البَرَرَةِ " في قِياسِ العَرَبِيَّةِ: بارٌّ، لِأنَّ العَرَبَ لا تَقُولُ: فَعْلَةً يَنْوُونَ بِهِ الجَمْعَ إلّا والواحِدُ مِنهُ فاعِلٌ، مِثْلُ كافِرٍ، وكَفَرَةٍ، وفاجِرٍ، وفَجَرَةٍ.

The same ayah, in another commentary

ʿAbasa 80:3