بابُ اخْتِلافِهِمْ في البَسْمَلَةِ
والكَلامُ عَلى ذَلِكَ في فُصُولٍ
(الأوَّلُ) بَيْنَ السُورَتَيْنِ.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا في الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالبَسْمَلَةِ وبِغَيْرِها وفي الوَصْلِ بَيْنَهُما، فَفَصَلَ بِالبَسْمَلَةِ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ إلّا بَيْنَ الأنْفالِ وبَراءَةٌ ابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ، وقالُونُ الأصْبَهانِيُّ عَنْ ورْشٍ، ووَصَلَ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ حَمْزَةُ، واخْتُلِفَ عَنْ خَلَفٍ في اخْتِيارِهِ بَيْنَ الوَصْلِ والسَكْتِ، فَنَصَّ لَهُ أكْثَرُ الأئِمَّةِ المُتَقَدِّمِينَ عَلى الوَصْلِ، وهو الَّذِي في «المُسْتَنِيرِ»، و«المُبْهِجِ»، و«كِفايَةِ» سِبْطِ الخَيّاطِ، وغايَةِ أبِي العَلاءِ، ونَصَّ لَهُ صاحِبُ الإرْشادِ عَلى السَكْتِ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ المُتَأخِّرِينَ الآخِذِينَ بِهَذِهِ القِراءَةِ كابْنِ الكَدِّيِّ، وابْنِ الكالِّ، وابْنِ زُرَيْقٍ الحَدّادِ،، وأبِي الحَسَنِ الدِيوانِيِّ، وابْنِ مُؤْمِنٍ صاحِبِ الكَنْزِ، وغَيْرِهِمْ، واخْتُلِفَ أيْضًا عَنِ الباقِينَ، وهم أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ ويَعْقُوبُ، وَوَرْشٌ مِن طَرِيقِ الأزْرَقِ بَيْنَ الوَصْلِ والسَكْتِ والبَسْمَلَةِ. فَأمّا أبُو عَمْرٍو فَقَطَعَ لَهُ بِالوَصْلِ صاحِبُ «العُنْوانِ» وصاحِبُ «الوَجِيزِ»، وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ في جامِعِ البَيانِ لِلدّانِيِّ، وبِهِ قَرَأ شَيْخُهُ الفارِسِيُّ، عَنْ أبِي طاهِرٍ، وهو طَرِيقُ أبِي إسْحاقَ الطَبَرِيِّ في المُسْتَنِيرِ وغَيْرِهِ، وهو ظاهِرُ عِبارَةِ الكافِي، وأحَدُ الوَجْهَيْنِ في الشاطِبِيَّةِ، وبِهِ قَرَأ صاحِبُ التَجْرِيدِ عَلى عَبْدِ الباقِي،، وهو أحَدُ الوُجُوهِ الثَلاثَةِ في الهِدايَةِ، وبِهِ قَطَعَ في غايَةِ الِاخْتِصارِ لِغَيْرِ السُوسِيِّ، وبِهِ قَطَعَ الحَضْرَمِيُّ في «المُفِيدِ» لِلدُّورِيِّ عَنْهُ، وقَطَعَ لَهُ بِالسَكْتِ صاحِبُ «الهِدايَةِ» في الوَجْهِ الثانِي و«التَبْصِرَةِ» و«تَلْخِيصِ العِباراتِ»، و«تَلْخِيصِ أبِي مَعْشَرٍ» و«الإرْشادِ لِابْنِ غَلْبُونَ والتَذْكِرَةِ»، وهو الَّذِي في «المُسْتَنِيرِ» و«الرَوْضَةِ» وسائِرِ كُتُبِ العِراقِيِّينَ لِغَيْرِ ابْنِ حَبَشٍ عَنِ السُوسِيِّ، وفي «الكافِي» أيْضًا، وقالَ: إنَّهُ أُخِذَ مِنَ البَغْدادِيِّينَ، وهو الَّذِي اخْتارَهُ الدانِيُّ، وقَرَأ بِهِ عَلى أبِي الحَسَنِ وأبِي الفَتْحِ وابْنِ خاقانَ، ولا يُؤْخَذُ مِنَ التَيْسِيرِ بِسِواهُ عِنْدَ التَحْقِيقِ، وهو الوَجْهُ الآخَرُ في الشاطِبِيَّةِ وبِهِ قَرَأ صاحِبُ «التَجْرِيدِ» عَلى الفارِسِيِّ لِلدُّورِيِّ، وقَطَعَ بِهِ في غايَةِ «الِاخْتِصارِ» لِلدُّورِيِّ أيْضًا، وقَطَعَ لَهُ بِالبَسْمَلَةِ صاحِبُ «الهادِي» وصاحِبُ «الهِدايَةِ» في الوَجْهِ الثالِثِ، وهو اخْتِيارُ صاحِبِ «الكافِي»، وهو الَّذِي رَواهُ ابْنُ حَبَشٍ عَنِ السُوسِيِّ، وهو الَّذِي في غايَةِ الِاخْتِصارِ لِلسُّوسِيِّ، وقالَ الخُزاعِيُّ، والأهْوازِيُّ ومَكِّيٌّ وابْنُ سُفْيانَ والهُذَلِيُّ: والتَسْمِيَةُ بَيْنَ السُورَتَيْنِ مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، وأمّا ابْنُ عامِرٍ فَقَطَعَ لَهُ بِالوَصْلِ صاحِبُ «الهِدايَةِ»، وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ في «الكافِي» و«الشاطِبِيَّةِ» وقَطَعَ لَهُ بِالسَكْتِ صاحِبا «التَلْخِيصِ» و«التَبْصِرَةِ»، وابْنا غَلْبُونَ، واخْتِيارُ الدانِيِّ، وبِهِ قَرَأ عَلى شَيْخِهِ أبِي الحَسَنِ، ولا يُؤْخَذُ مِنَ اليَسِيرِ بِسِواهُ، وهو الوَجْهُ الآخَرُ في «الشاطِبِيَّةِ» وقَطَعَ لَهُ بِالبَسْمَلَةِ صاحِبُ العُنْوانِ، وصاحِبُ التَجْرِيدِ، وجَمِيعُ العِراقِيِّينَ، وهو الوَجْهُ الآخَرُ «الكافِي»، وبِهِ قَرَأ الدانِيُّ عَلى الفارِسِيِّ وأبِي الفَتْحِ، وهو الَّذِي لَمْ يَذْكُرِ المالِكِيُّ في «الرَوْضَةِ» سِواهُ، وهو الَّذِي في الكامِلِ، وأمّا يَعْقُوبُ فَقَطَعَ لَهُ بِالوَصْلِ صاحِبُ «غايَةِ الِاخْتِصارِ»، وقَطَعَ لَهُ بِالسَكْتِ صاحِبُ «المُسْتَنِيرِ» و«الإرْشادِ» و«الكِفايَةِ» وَسائِرُ العِراقِيِّينَ، وقَطَعَ لَهُ بِالبَسْمَلَةِ صاحِبُ التَذْكِرَةِ، والدانِيُّ وابْنُ الفَحّامِ وابْنُ شُرَيْحٍ، وصاحِبُ «الوَجِيزِ»، و«الكامِلِ»، وأمّا ورْشٌ مِن طَرِيقِ الأزْرَقِ فَقَطَعَ لَهُ بِالوَصْلِ صاحِبُ «الهِدايَةِ» وصاحِبُ «العُنْوانِ» الحَضْرَمِيُّ وصاحِبُ «المُفِيدِ»، وهو ظاهِرُ عِبارَةِ «الكافِي»، وأحَدُ الوُجُوهِ الثَلاثَةِ في «الشاطِبِيَّةِ»، وقَطَعَ لَهُ بِالسَكْتِ ابْنا غَلْبُونَ، وابْنُ بَلِّيمَةَ صاحِبُ «التَلْخِيصِ»، وهو الَّذِي في «التَيْسِيرِ»، وبِهِ قَرَأ الدانِيُّ عَلى جَمِيعِ شُيُوخِهِ، وهو الوَجْهُ الثانِي في «الشاطِبِيَّةِ» وأحَدُ الوَجْهَيْنِ في «التَبْصِرَةِ» مِن قِراءَتِهِ عَلى أبِي الطَيِّبِ، وهو ظاهِرُ عِبارَةِ الكامِلِ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ لَهُ غَيْرَهُ، وقَطَعَ لَهُ بِالبَسْمَلَةِ صاحِبُ «التَبْصِرَةِ» مِن قِراءَتِهِ عَلى أبِي عَدِيٍّ، وهو اخْتِيارُ صاحِبِ «الكافِي»، وهو الوَجْهُ الثالِثُ في «الشاطِبِيَّةِ»، وبِهِ كانَ يَأْخُذُ أبُو غانِمٍ وأبُو بَكْرٍ الأُذْفُوِيُّ وغَيْرُهُما عَنِ الأزْرَقِ.
(الثانِي)
أنَّ الآخِذِينَ بِالوَصْلِ لِمَن ذَكَرَ مِن حَمْزَةَ وأبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ، أوْ يَعْقُوبَ، أوْ ورْشٍ اخْتارَ كَثِيرٌ مِنهم لَهُمُ السَكْتَ بَيْنَ (﴿المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]، و﴿ ﴾ [القيامة: ١] - وبَيْنَ - الِانْفِطارِ ووَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ - وبَيْنَ والفَجْرِ، و﴿ ﴾ [البلد: ١] - وبَيْنَ ﴿والعَصْرِ﴾ [العصر: ١]، و﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]) كَصاحِبِ «الهِدايَةِ» وابْنَيْ غَلْبُونَ، وصاحِبِ «المُبْهِجِ» وصاحِبِ «التَبْصِرَةِ»، وصاحِبِ «الإرْشادِ»، وصاحِبِ «المُفِيدِ»، ونَصَّ عَلَيْهِ أبُو مَعْشَرٍ في «جامِعِهِ» وصاحِبُ «التَجْرِيدِ» وصاحِبُ «التَيْسِيرِ»، وأشارَ إلَيْهِ الشاطِبِيُّ ونَقَلَ عَنِ ابْنِ مُجاهِدٍ في غَيْرِ (﴿والعَصْرِ﴾ [العصر: ١]، والهُمَزَةِ)، وكَذا اخْتارَهُ ابْنُ شَيْطا صاحِبُ «التَذْكارِ»، وبِهِ قَرَأ الدانِيُّ عَلى أبِي الحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ، وكَذا الآخِذُونَ بِالسَكْتِ لِمَن ذَكَرَ مِن أبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ، ويَعْقُوبَ، ووَرْشٍ، اخْتارَ كَثِيرٌ مِنهم لَهُمُ البَسْمَلَةَ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ المَواضِعِ كابْنَيْ غَلْبُونَ، وصاحِبِ «الهِدايَةِ»، ومَكِّيٍّ، وصاحِبِ «التَبْصِرَةِ»، وبِهِ قَرَأ الدانِيُّ عَلى أبِي الحَسَنِ، وخَلَفِ بْنِ خاقانَ، وإنَّما اخْتارُوا ذَلِكَ لِبَشاعَةِ وُقُوعِ مِثْلِ ذَلِكَ إذا قِيلَ: (أهْلُ المَغْفِرَةِ لا) أوِ: (ادْخُلِي جَنَّتِي لا) أوْ: (لِلَّهِ ويْلٌ) أوْ: (﴿وَتَواصَوْا بِالصَبْرِ﴾ [البلد: ١٧] ويْلٌ) مِن غَيْرِ فَصْلٍ، فَفَصَلُوا بِالبَسْمَلَةِ لِلسّاكِتِ، وبِالسَكْتِ لِلْواصِلِ، ولَمْ يُمْكِنْهُمُ البَسْمَلَةُ لَهُ ; لِأنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ النَصُّ بِعَدَمِ البَسْمَلَةِ، فَلَوْ بَسْمَلُوا لَصادَمُوا النَصَّ بِالِاخْتِيارِ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ.
والأكْثَرُونَ عَلى عَدَمِ التَفْرِقَةِ بَيْنَ الأرْبَعَةِ وغَيْرِها، وهو مَذْهَبُ فارِسِ بْنِ أحْمَدَ، وابْنِ سُفْيانَ صاحِبِ «الهادِي»، وأبِي الطاهِرِ صاحِبِ «العُنْوانِ» وشَيْخِهِ عَبْدِ الجَبّارِ الطَرَسُوسِيِّ صاحِبِ «المُسْتَنِيرِ»، و«الإرْشادِ»، و«الكِفايَةِ»، وسائِرِ العِراقِيِّينَ، وهو اخْتِيارُ أبِي عَمْرٍو الدانِيِّ والمُحَقِّقِينَ، واللَهُ تَعالى أعْلَمُ.
تَنْبِيهاتٌ
(أوَّلُها) تَخْصِيصُ السَكْتِ والبَسْمَلَةِ في الأرْبَعَةِ المَذْكُورَةِ مُفَرَّعٌ عَلى الوَصْلِ والسَكْتِ مُطْلَقًا. فَمَن خَصَّها بِالسَكْتِ، فَإنَّ مَذْهَبَهُ في غَيْرِها الوَصْلُ، ومَن خَصَّها بِالبَسْمَلَةِ فَمَذْهَبُهُ في غَيْرِها السَكْتُ ولَيْسَ أحَدٌ يَرْوِي البَسْمَلَةَ لِأصْحابِ الوَصْلِ كَما تَوَهَّمَهُ المُنْتَجَبُ، وابْنُ بُصْخانَ، فافْهَمْ ذَلِكَ فَقَدْ أحْسَنَ الجَعْبَرِيُّ في فَهْمِهِ ما شاءَ وأجادَ الصَوابَ، واللَهُ أعْلَمُ.
وانْفَرَدَ الهُذَلِيُّ بِإضافَتِهِ إلى هَذِهِ الأرْبَعَةِ مَوْضِعًا خامِسًا، وهو البَسْمَلَةُ بَيْنَ الأحْقافِ والقِتالِ عَنِ الأزْرَقِ، عَنْ ورْشٍ وتَبِعَهُ في ذَلِكَ أبُو الكَرَمِ، وكَذَلِكَ انْفَرَدَ صاحِبُ «التَذْكِرَةِ» بِاخْتِيارِ الوَصْلِ لِمَن سَكَتَ مِن أبِي عَمْرٍو، وابْنِ عامِرٍ، ووَرْشٍ في خَمْسَةِ مَواضِعَ وهِيَ: الأنْفالُ بِبَراءَةَ، والأحْقافُ بِالَّذِينِ كَفَرُوا، واقْتَرَبَتْ بِالرَحْمَنِ، والواقِعَةُ بِالحَدِيدِ، والفِيلُ بِـ «﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] ». قالَ الحَسَنُ: ذَلِكَ بِمُشاكَلَةِ آخِرِ السُورَةِ لِأوَّلِ الَّتِي تَلِيها.
(ثانِيها) أنَّهُ تَقَدَّمَ تَعْرِيفُ السَكْتِ، وأنَّ المُشْتَرَطَ فِيهِ يَكُونُ مِن دُونِ تَنَفُّسٍ، وأنَّ كَلامَ أئِمَّتِنا مُخْتَلَفٌ فِيهِ طُولُ زَمَنِهِ وقِصَرُهُ، وحِكايَةُ قَوْلِ سِبْطِ الخَيّاطِ:
إنَّ الَّذِي يَظْهَرُ مِن قَوْلِ طُولِ زَمَنِ السَكْتِ بِقَدْرِ البَسْمَلَةِ، وقَدْ قالَ أيْضًا في «كِفايَتِهِ» ما يُصَرِّحُ بِذَلِكَ حَيْثُ قالَ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، ورُوِيَ، عَنْ أبِي عَمْرٍو إسْرارُها، أيْ: إسْرارُ البَسْمَلَةِ. قُلْتُ: والَّذِي قَرَأْتُ بِهِ وآخُذُ: السَكْتُ عَنْ جَمِيعِ مَن رُوِيَ عَنْهُ السَكْتُ بَيْنَ السُورَتَيْنِ سَكْتًا يَسِيرًا مِن دُونِ تَنَفُّسٍ قَدْرَ السَكْتِ لِأجْلِ الهَمْزِ، عَنْ حَمْزَةَ وغَيْرِهِ حَتّى أنِّي أخْرَجْتُ وجْهَ حَمْزَةَ مَعَ وجْهِ ورْشٍ بَيْنَ سُورَتَيْ (﴿والضُحى﴾ [الضحى: ١]، و﴿ألَمْ نَشْرَحْ﴾ [الشرح: ١]) عَلى جَمِيعِ مَن قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ مِن شُيُوخِي، وهو الصَوابُ واللَهُ أعْلَمُ.
(الثالِثُ)
أنَّ كُلًّا مِنَ الفاصِلِينَ بِالبَسْمَلَةِ والواصِلِينَ والساكِتِينَ إذا ابْتَدَأ سُورَةً مِنَ السُوَرِ بَسْمَلَ بِلا خِلافٍ عَنْ أحَدٍ مِنهُمْ، إلّا إذا ابْتَدَأ (﴿بَراءَةٌ﴾ [التوبة: ١]) كَما سَيَأْتِي، سَواءٌ كانَ الِابْتِداءُ عَنْ وقْفٍ أمْ قَطْعٍ، أمّا عَلى قِراءَةِ مَن فَصَلَ بِها فَواضِحٌ، وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن ألْغاها فَلِلتَّبَرُّكِ والتَيَمُّنِ، ولِمُوافَقَةِ خَطِّ المُصْحَفِ ; لِأنَّها عِنْدَ مَن ألْغاها إنَّما كُتِبَتْ لِأوَّلِ السُورَةِ تَبَرُّكًا، وهو لَمْ يُلْغِها في حالَةِ الوَصْلِ إلّا لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْتَدِئْ، فَلَمّا ابْتَدَأ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ الإتْيانِ بِها؛ لِئَلّا يُخالِفَ المُصْحَفَ وصْلًا ووَقْفًا، فَيَخْرُجُ عَنِ الإجْماعِ، فَكَأنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ كَهَمَزاتِ الوَصْلِ تُحْذَفُ وصْلًا وتُثْبَتُ ابْتِداءً ; ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم خِلافٌ في إثْباتِ البَسْمَلَةِ أوَّلَ الفاتِحَةِ سَواءٌ وُصِلَتْ بِسُورَةِ الناسِ قَبْلَها أوِ ابْتُدِئَ بِها لِأنَّها ولَوْ وُصِلَتْ لَفْظًا فَإنَّها مُبْتَدَأٌ بِها حُكْمًا ; ولِذَلِكَ كانَ الواصِلُ هُنا حالًّا مُرْتَحِلًا، وأمّا ما رَواهُ الخَرَقِيُّ عَنِ ابْنِ سَيْفٍ، عَنِ الأزْرَقِ، عَنْ ورْشٍ أنَّهُ تَرَكَ البَسْمَلَةَ أوَّلَ الفاتِحَةِ فالخَرَقِيُّ هو شَيْخُ الأهْوازِيِّ، وهو مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَهِ بْنِ القاسِمِ مَجْهُولٌ لا يُعْرَفُ إلّا مِن جِهَةِ الأهْوازِيِّ، ولا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْ ورْشٍ، بَلِ المُتَواتِرُ عَنْهُ خِلافُهُ، قالَ الحافِظُ أبُو عَمْرٍو في كِتابِهِ «المُوجَزُ»: اعْلَمْ أنَّ عامَّةَ أهْلِ الأداءِ مِن مَشْيَخَةِ المِصْرِيِّينَ رَوَوْا أداءً عَنْ أسْلافِهِمْ، عَنْ أبِي يَعْقُوبَ، عَنْ ورْشٍ أنَّهُ كانَ يَتْرُكُ البَسْمَلَةَ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا في أوَّلِ فاتِحَةِ الكِتابِ، فَإنَّهُ يُبَسْمِلُ في أوَّلِها لِأنَّها أوَّلُ القُرْآنِ، فَلَيْسَ قَبْلَها سُورَةٌ يُوصَلُ آخِرُها بِها. هَكَذا قَرَأْتُ عَلى ابْنِ خاقانَ، وابْنِ غَلْبُونَ، وفارِسِ بْنِ أحْمَدَ - وحَكَوْا ذَلِكَ - عَنْ قِراءَتِهِمْ مُتَّصِلًا، وانْفَرَدَ صاحِبُ الكافِي بِعَدَمِ البَسْمَلَةِ لِحَمْزَةَ في ابْتِداءِ السُوَرِ سِوى الفاتِحَةِ، وتَبِعَهُ عَلى ذَلِكَ ولَدُهُ أبُو الحَسَنِ شُرَيْحٌ فِيما حَكاهُ عَنْهُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الباذِشِ مِن أنَّهُ مَن كانَ يَأْخُذُ لِحَمْزَةَ بِوَصْلِ السُورَةِ بِالسُورَةِ لا يَلْتَزِمُ بِالوَصْلِ ألْبَتَّةَ، بَلْ آخِرُ السُورَةِ عِنْدَهُ كَآخِرِ آيَةٍ، وأوَّلُ السُورَةِ الأُخْرى كَأوَّلِ آيَةٍ أُخْرى، فَكَما لا يَلْتَزِمُ لَهُ ولا لِغَيْرِهِ وصْلَ الآياتِ بَعْضِهِنَّ بِبَعْضٍ كَذا لا يَلْتَزِمُ لَهُ وصْلَ السُورَةِ حَتْمًا، بَلْ إنْ وصَلَ فَحَسَنٌ وإنْ تَرَكَ فَحَسَنٌ.
(قُلْتُ): حُجَّتُهُ في ذَلِكَ قَوْلُ حَمْزَةَ: القُرْآنُ عِنْدِي كَسُورَةٍ واحِدَةٍ. فَإذا قَرَأْتُ (بِسْمِ اللَهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ) في أوَّلِ فاتِحَةِ الكِتابِ أجْزَأنِي، ولا حُجَّةَ في ذَلِكَ؛ فَإنَّ كَلامَ حَمْزَةَ يُحْمَلُ عَلى حالَةِ الوَصْلِ لا الِابْتِداءِ؛ لِإجْماعِ أهْلِ النَقْلِ عَلى ذَلِكَ، واللَهُ أعْلَمُ.
(الرابِعُ)
لا خِلافَ في حَذْفِ البَسْمَلَةِ بَيْنَ الأنْفالِ وبَراءَةَ، عَنْ كُلِّ مَن بَسْمَلَ بَيْنَ السُورَتَيْنِ. وكَذَلِكَ في الِابْتِداءِ بِبَراءَةَ عَلى الصَحِيحِ عِنْدَ أهْلِ الأداءِ، ومِمَّنْ حَكى بِالإجْماعِ عَلى ذَلِكَ أبُو الحَسَنِ بْنُ غَلْبُونَ، وابْنُ القاسِمِ بْنُ الفَحّامِ، ومَكِّيٌّ، وغَيْرُهُمْ، وهو الَّذِي لا يُوجَدُ نَصٌّ بِخِلافِهِ، وقَدْ حاوَلَ بَعْضُهم جَوازَ البَسْمَلَةِ في أوَّلِها. قالَ أبُو الحَسَنِ السَخاوِيُّ: إنَّهُ القِياسُ، قالَ: لِأنَّ إسْقاطَها إمّا أنْ يَكُونَ لِأنَّ بَراءَةَ نَزَلَتْ بِالسَيْفِ، أوْ لِأنَّهم لَمْ يَقْطَعُوا بِأنَّها سُورَةٌ قائِمَةٌ بِنَفْسِها دُونَ الأنْفالِ، فَإنْ كانَ لِأنَّها نَزَلَتْ بِالسَيْفِ فَذاكَ مَخْصُوصٌ بِمَن نَزَلَتْ فِيهِ، ونَحْنُ إنَّما نُسَمِّي لِلتَّبَرُّكِ، وإنْ كانَ إسْقاطُها لِأنَّهُ لَمْ يُقْطَعْ بِأنَّها سُورَةٌ وحْدَها، فالتَسْمِيَةُ في أوائِلِ الأجْزاءِ جائِزَةٌ. وقَدْ عُلِمَ الغَرَضُ بِإسْقاطِها، فَلا مانِعَ مِنَ التَسْمِيَةِ.
(قُلْتُ): لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: يُمْنَعُ بِظاهِرِ النُصُوصِ، وقالَ أبُو العَبّاسِ المَهْدَوِيُّ: فَأمّا بَراءَةٌ فالقُرّاءُ مُجْتَمِعُونَ عَلى تَرْكِ الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأنْفالِ بِالبَسْمَلَةِ. وكَذَلِكَ أجْمَعُوا عَلى تَرْكِ البَسْمَلَةِ في أوَّلِها حالَ الِابْتِداءِ بِها سِوى مَن رَأى البَسْمَلَةَ في حالِ الِابْتِداءِ بِأوْساطِ السُوَرِ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُبْتَدَأ بِها مِن أوَّلِ بَراءَةَ عِنْدَ مَن جَعَلَها والأنْفالَ سُورَةً واحِدَةً، ولا يُبْتَدَأُ بِها في قَوْلِ مَن جَعَلَ عِلَّةَ تَرْكِها في أوَّلِها أنَّها نَزَلَتْ بِالسَيْفِ، وقالَ أبُو الفَتْحِ بْنِ شَيْطا: ولَوْ أنَّ قارِئًا ابْتَدَأ قِراءَتَهُ مِن أوَّلِ التَوْبَةِ فاسْتَعاذَ ووَصَلَ الِاسْتِعاذَةَ بِالتَسْمِيَةِ مُتَبَرِّكًا بِها، ثُمَّ تَلا السُورَةَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَرَجٌ إنْ شاءَ اللَهُ تَعالى، كَما يَجُوزُ لَهُ إذا ابْتَدَأ مِن بَعْضِ سُورَةٍ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وإنَّما المَحْذُورُ أنْ يَصِلَ آخِرَ الأنْفالِ بِأوَّلِ بَراءَةَ، ثُمَّ يَفْصِلُ بَيْنَهُما بِالبَسْمَلَةِ لِأنَّ ذَلِكَ بِدْعَةٌ وضَلالٌ وخَرْقٌ لِلْإجْماعِ، ومُخالِفٌ لِلْمُصْحَفِ.
(قُلْتُ): ولِقائِلٍ أنْ يَقُولَ لَهُ ذَلِكَ أيْضًا في البَسْمَلَةِ أوَّلَها أنَّهُ خَرْقٌ لِلْإجْماعِ ومُخالِفٌ لِلْمُصْحَفِ، ولا تُصادَمُ النُصُوصُ بِالآراءِ، وما رَواهُ الأهْوازِيُّ في كِتابِهِ «الإيضاحُ»، عَنْ أبِي بَكْرٍ مِنَ البَسْمَلَةِ أوَّلَها فَلا يَصِحُّ، والصَحِيحُ عِنْدَ الأئِمَّةِ أوْلى بِالِاتِّباعِ، ونَعُوذُ بِاللَهِ مِن شَرِّ الِابْتِداعِ.
(الخامِسُ) يَجُوزُ في الِابْتِداءِ بِأوْساطِ السُوَرِ مُطْلَقًا سِوى (بَراءَةَ) البَسْمَلَةُ وعَدَمُها لِكُلٍّ مِنَ القُرّاءِ تَخَيُّرًا.
وَعَلى اخْتِيارِ البَسْمَلَةِ جُمْهُورُ العِراقِيِّينَ، وعَلى اخْتِيارِ عَدَمِها جُمْهُورُ المَغارِبَةِ وأهْلُ الأنْدَلُسِ، قالَ ابْنُ شَيْطا عَلى أنَّنِي قَرَأْتُ عَلى جَمِيعِ شُيُوخِنا في كُلِّ القِراءاتِ عَنْ جَمِيعِ الأئِمَّةِ الفاضِلِينَ بِالتَسْمِيَةِ بَيْنَ السُورَتَيْنِ، والتارِكِينَ لَها عِنْدَ ابْتِداءِ القِراءَةِ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِعاذَةِ مَوْصُولَةً بِالتَسْمِيَةِ مَجْهُورًا بِهِما، سَواءٌ كانَ المَبْدُوءُ بِهِ أوَّلَ سُورَةٍ، أوْ بَعْضَ سُورَةٍ، قالَ: ولا عَلِمْتُ أحَدًا مِنهم قَرَأ عَلى شُيُوخِهِ إلّا كَذَلِكَ. انْتَهى، وهو نَصٌّ في وصْلِ الِاسْتِعاذَةِ بِالبَسْمَلَةِ كَما سَيَأْتِي، وقالَ ابْنُ فارِسٍ في «الجامِعِ»: وبِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ ابْتَدَأْتُ رُءُوسَ الأجْزاءِ عَلى شُيُوخِيَ الَّذِينَ قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ في مَذاهِبِ الكُلِّ، وهو الَّذِي أخْتارُ، ولا أمْنَعُ مِنَ البَسْمَلَةِ، وقالَ مَكِّيٌّ في تَبْصِرَتِهِ: فَإذا ابْتَدَأ القارِئُ بِغَيْرِ أوَّلِ سُورَةٍ عَوَّذَ فَقَطْ، هَذِهِ عادَةُ القُرّاءِ، ثُمَّ قالَ: وبِتَرْكِ التَسْمِيَةِ في أوائِلِ السُوَرِ قَرَأْتُ، وقالَ ابْنُ الفَحّامِ: قَرَأْتُ عَلى أبِي العَبّاسِ - يَعْنِي ابْنَ نَفِيسٍ - أوَّلَ حِزْبِي مِن وسَطِ سُورَةٍ، فَبَسْمَلْتُ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيَّ وأتْبَعْتُ ذَلِكَ: هَلْ آخُذُ ذَلِكَ عَنْهُ عَلى طَرِيقِ الرِوايَةِ، فَقالَ: إنَّما أرَدْتَ التَبَرُّكَ، ثُمَّ مَنَعَنِي بَعْدَ ذَلِكَ، وقالَ: أخافُ أنْ تَقُولَ رِوايَةً.
- قالَ - وقَرَأْتُ بِذَلِكَ عَلى غَيْرِهِ، فَقالَ: ما أمْنَعُ، وأمّا قَرَأْتُ بِهَذا فَلا. انْتَهى، وهو صَرِيحٌ في مَنعِهِ رِوايَةً، وقالَ الدانِيُّ في جامِعِهِ: وبِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ ابْتَدَأْتُ رُءُوسَ الأجْزاءِ عَلى شُيُوخِيَ الَّذِينَ قَرَأْتُ عَلَيْهِمْ في مَذْهَبِ الكُلِّ، وهو الَّذِي أخْتارُ، ولا أمْنَعُ مِنَ التَسْمِيَةِ.
(قُلْتُ): وأطْلَقَ التَخْيِيرَ بَيْنَ الوَجْهَيْنِ جَمِيعًا أبُو مَعْشَرٍ الطَبَرِيُّ وأبُو القاسِمِ الشاطِبِيُّ وأبُو عَمْرٍو الدانِيُّ في «التَيْسِيرِ»، ومِنهم مِن ذَكَرَ البَسْمَلَةَ وعَدَمَها عَلى وجْهٍ آخَرَ وهو التَفْصِيلُ، فَيَأْتِي بِالبَسْمَلَةِ عَمَّنْ فَصَلَ بِها بَيْنَ السُورَتَيْنِ كابْنِ كَثِيرٍ وأبِي جَعْفَرٍ، ويَتْرُكُها عَمَّنْ لَمْ يَفْصِلْ بِها كَحَمْزَةَ وخَلَفٍ وهو اخْتِيارُ سِبْطِ الخَيّاطِ وأبِي عَلِيٍّ الأهْوازِيِّ بْنِ الباذِشِ يُتْبِعُونَ وسَطَ السُورَةِ بِأوَّلِها، وقَدْ كانَ الشاطِبِيُّ يَأْمُرُ بِالبَسْمَلَةِ بَعْدَ الِاسْتِعاذَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ الساعَةِ﴾ [فصلت: ٤٧] ونَحْوِهِ لِما في ذَلِكَ مِنَ البَشاعَةِ، وكَذا كانَ يَفْعَلُ أبُو الجُودِ غِياثُ بْنُ فارِسٍ وغَيْرُهُ، وهو اخْتِيارُ مَكِّيٍّ في غَيْرِ «التَبْصِرَةِ».
(قُلْتُ): ويَنْبَغِي قِياسًا أنْ يُنْهى عَنِ البَسْمَلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الشَيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨]، وقَوْلِهِ: ﴿لَعَنَهُ اللَهُ﴾ [النساء: ١١٨] ونَحْوِ ذَلِكَ لِلْبَشاعَةِ أيْضًا.
(السادِسُ)
الِابْتِداءُ بِالآيِ وسَطَ بَراءَةَ قُلَّ مَن تَعَرَّضَ لِلنَّصِّ عَلَيْها، ولَمْ أرَ فِيها نَصًّا لِأحَدٍ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ، وظاهِرُ إطْلاقِ كَثِيرٍ مِن أهْلِ الأداءِ التَخْيِيرُ فِيها، وعَلى جَوازِ البَسْمَلَةِ فِيها نَصَّ أبُو الحَسَنِ السَخاوِيُّ في كِتابِهِ «جَمالُ القُرّاءِ» حَيْثُ قالَ: ألا تَرى أنَّهُ يَجُوزُ بِغَيْرِ خِلافٍ أنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ ﴿ ﴾ [التوبة: ٣٦] وفي نَظائِرِها مِنَ الآيِ، وإلى مَنعِها جَنَحَ أبُو إسْحاقَ الجَعْبَرِيُّ، فَقالَ رادًّا عَلى السَخاوِيِّ: إنْ كانَ نَقْلًا فَمُسَلَّمٌ، وإلّا فَرَدٌّ عَلَيْهِ أنَّهُ تَقْرِيعٌ عَلى غَيْرِ أصْلٍ وتَصادُمٌ لِتَعْلِيلِهِ. قُلْتُ: وكِلاهُما يُحْتَمَلُ، الصَوابُ أنْ يُقالَ: إنَّ مَن ذَهَبَ إلى تَرْكِ البَسْمَلَةِ في أوْساطٍ غَيْرِ بَراءَةَ لا إشْكالَ في تَرْكِها عِنْدَهُ في وسَطِ بَراءَةَ، وكَذا لا إشْكالَ في تَرْكِها فِيها عِنْدَ مَن ذَهَبَ إلى التَفْضِيلِ، إذِ البَسْمَلَةُ عِنْدَهم في وسَطِ السُورَةِ تَبَعٌ لِأوَّلِها، ولا تَجُوزُ البَسْمَلَةُ أوَّلُها فَكَذَلِكَ وسَطُها، وأمّا مَن ذَهَبَ إلى البَسْمَلَةِ في الأجْزاءِ مُطْلَقًا، فَإنِ اعْتَبَرَ بَقاءَ أثَرِ العِلَّةِ الَّتِي مِن أجْلِها حُذِفَتِ البَسْمَلَةُ مِن أوَّلِها وهي نُزُولُها بِالسَيْفِ كالشاطِبِيِّ ومَن سَلَكَ مَسْلَكَهُ لَمْ يُبَسْمِلْ، وإنْ لَمْ يَعْتَبِرْ بَقاءَ أثَرِها، أوْ لَمْ يَرَها عِلَّةً بَسْمَلَ بِلا نَظَرٍ، واللَهُ تَعالى أعْلَمُ.
(السابِعُ)
إذا فَصَلَ بِالبَسْمَلَةِ بَيْنَ السُورَتَيْنِ أمْكَنَ أرْبَعَةَ أوْجُهٍ: الأوَّلُ أوْلاها قَطْعُها عَنِ الماضِيَةِ ووَصْلُها بِالآتِيَةِ، والثانِي وصْلُها بِالماضِيَةِ وبِالآتِيَةِ، والثالِثُ قَطْعُها عَنِ الماضِيَةِ وعَنِ الآتِيَةِ، وهو مِمّا لا نَعْلَمُ خِلافًا بَيْنَ أهْلِ الأداءِ في جَوازِهِ إلّا ما انْفَرَدَ بِهِ مَكِّيٌّ، فَإنَّهُ نَصَّ في «التَبْصِرَةِ» عَلى جَوازِ الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ ومَنعِ الرابِعِ، وسَكَتَ عَنْ هَذا الثالِثِ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا، وقالَ في «الكَشْفِ» ما نَصُّهُ: إنَّهُ أتى بِالبَسْمَلَةِ عَلى إرادَةِ التَبَرُّكِ بِذِكْرِ اللَهِ وصِفاتِهِ في أوَّلِ الكَلامِ وإثْباتِها لِلِافْتِتاحِ في المُصْحَفِ، فَهي لِلِابْتِداءِ بِالسُورَةِ، فَلا يُوصَفُ عَلى التَسْمِيَةِ دُونَ أنْ يُوصَلَ بِأوَّلِ السُورَةِ. انْتَهى، وهو صَرِيحٌ في اقْتِضاءِ مَنعِ الوَجْهَيْنِ الثالِثِ والرابِعِ. وهَذا مِن أفْرادِهِ كَما سَنُوَضِّحُهُ في بابِ التَكْبِيرِ آخِرَ الكِتابِ، إنْ شاءَ اللَهُ تَعالى. والرابِعُ وصْلُها بِالماضِيَةِ وقَطْعُها عَنِ الآتِيَةِ، وهو مَمْنُوعٌ ; لِأنَّ البَسْمَلَةَ لِأوائِلِ السُوَرِ لا لِأواخِرِها، قالَ: صاحِبُ «التَيْسِيرِ»: والقَطْعُ عَلَيْها إذا وُصِلَتْ بِأواخِرِ السُوَرِ غَيْرُ جائِزٍ.
تَنْبِيهاتٌ
(أوَّلُها)
أنَّ المُرادَ بِالقَطْعِ المَذْكُورِ هو الوَقْفُ كَما نَصَّ عَلَيْهِ الشاطِبِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ، قالَ الدانِيُّ في جامِعِهِ: واخْتِيارِي في مَذْهَبِ مَن فَصَّلَ أنْ يَقِفَ القارِئُ عَلى آخِرِ السُورَةِ ويَقْطَعَ عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِالتَسْمِيَةِ مَوْصُولَةً بِأوَّلِ السُورَةِ الأُخْرى. انْتَهى، وذَلِكَ أوْضَحُ. وإنَّما نَبَّهْتُ عَلَيْهِ ; لِأنَّ الجَعْبَرِيَّ - رَحِمَهُ اللَهُ - ظَنَّ أنَّهُ السَكْتُ المَعْرُوفُ، فَقالَ في قَوْلِ الشاطِبِيِّ: «فَلا تَقِفَنَّ»، ولَوْ قالَ: فَلا تَسْكُتَنَّ لَكانَ أسَدَّ. وذَلِكَ وهْمٌ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ أحَدٌ إلَيْهِ، وكَأنَّهُ أخَذَهُ مِن كَلامِ السَخاوِيِّ حَيْثُ قالَ: فَإذا لَمْ يَصِلْها بِآخِرِ سُورَةٍ جازَ أنْ يَسْكُتَ عَلَيْها، فَلَمْ يَتَأمَّلْهُ، ولَوْ تَأمَّلْهُ لَعَلِمَ أنَّ مُرادَهُ بِالسَكْتِ الوَقْفُ، فَإنَّهُ قالَ في أوَّلِ الكَلامِ: اخْتارَ الأئِمَّةُ لِمَن يَفْصِلُ بِالتَسْمِيَةِ أنْ يَقِفَ القارِئُ عَلى أواخِرِ السُوَرِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ بِالتَسْمِيَةِ.
(ثانِيها)
تَجُوزُ الأوْجُهُ الأرْبَعَةُ في البَسْمَلَةِ مَعَ الِاسْتِعاذَةِ مِنَ الوَصْلِ بِالِاسْتِعاذَةِ والآيَةِ، ومَن قَطَعَها عَنْ الِاسْتِعاذَةِ والآيَةِ، ومَن قَطَعَها عَنِ الِاسْتِعاذَةِ ووَصَلَها بِالآيَةِ، ومَن عَكَسَهُ كَما تَقَدَّمَ الإشارَةُ إلى ذَلِكَ في الِاسْتِعاذَةِ، وإلى قَوْلِ ابْنِ شَيْطا في الفَصْلِ الخامِسِ قَرِيبًا في قَطْعِهِ بِوَصْلِ الجَمِيعِ، وهو ظاهِرُ كَلامِ سِبْطِ الخَيّاطِ، وقالَ ابْنُ الباذِشِ: إنَّ الوَقْفَ عَلى الجَمِيعِ أشْبَهُ بِمَذْهَبِ أهْلِ التَرْتِيلِ.
(ثالِثُها)
إنَّ هَذِهِ الأوْجُهَ ونَحْوَها الوارِدَةَ عَلى سَبِيلِ التَخْيِيرِ، إنَّما المَقْصُودُ بِها مَعْرِفَةُ جَوازِ القِراءَةِ بِكُلٍّ مِنها عَلى وجْهِ الإباحَةِ لا عَلى وجْهِ ذِكْرِ الخُلْفِ، فَبِأيِّ وجْهٍ قُرِئَ مِنها جازَ، ولا احْتِياجَ إلى الجَمْعِ بَيْنَها في مَوْضِعٍ واحِدٍ إذا قُصِدَ اسْتِيعابُ الأوْجُهِ حالَةَ الجَمْعِ والإفْرادِ. وكَذَلِكَ سَبِيلُ ما جَرى مَجْرى ذَلِكَ مِنَ الوَقْفِ بِالسُكُونِ وبِالرَوْمِ والإشْمامِ، وكالأوْجُهِ الثَلاثَةِ في التِقاءِ الساكِنَيْنِ وقْفًا إذا كانَ أحَدُهُما حَرْفَ مَدٍّ أوْ لِينٍ، وكَذَلِكَ كانَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ لا يَأْخُذُ مِنها إلّا بِالأصَحِّ الأقْوى، ويَجْعَلُ الباقِي مَأْذُونًا فِيهِ، وبَعْضٌ لا يَلْتَزِمُ شَيْئًا، بَلْ يَتْرُكُ القارِئَ يَقْرَأُ ما شاءَ مِنها، إذْ كُلُّ ذَلِكَ جائِزٌ مَأْذُونٌ فِيهِ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ، وكانَ بَعْضُ مَشايِخِنا يَرى أنْ يَجْمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الأوْجُهِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، فَيَقْرَأُ بِواحِدٍ مِنها في مَوْضِعٍ وبِآخَرَ في غَيْرِهِ؛ لِيَجْمَعَ الجَمِيعَ المُشافَهَةُ، وبَعْضُ أصْحابِنا يَرى الجَمْعَ بَيْنَها وبَيْنَ أوَّلِ مَوْضِعٍ ورَدَتْ، أوْ في مَوْضِعٍ ما عَلى وجْهِ الإعْلامِ والتَعْلِيمِ وشُمُولِ الرِوايَةِ، أمّا مَن يَأْخُذُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ في كُلِّ مَوْضِعٍ فَلا يَعْتَمِدُهُ إلّا مُتَكَلِّفٌ غَيْرُ عارِفٍ بِحَقِيقَةِ أوْجُهِ الخِلافِ، وإنَّما ساغَ الجَمْعُ بَيْنَ الأوْجُهِ في نَحْوِ التَسْهِيلِ في وقْفِ حَمْزَةَ لِتَدْرِيبِ القارِئِ المُبْتَدِئِ ورِياضَتِهِ عَلى الأوْجُهِ الغَرِيبَةِ لِيَجْرِيَ لِسانُهُ ويَعْتادَ التَلَفُّظَ بِها بِلا كُلْفَةٍ، فَيَكُونُ عَلى سَبِيلِ التَعْلِيمِ ; فَلِذَلِكَ لا يُكَلَّفُ العارِفُ بِجَمْعِها في كُلِّ مَوْضِعٍ، بَلْ هو بِحَسَبِ ما تَقَدَّمَ، ولَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ جُلَّةِ مَشْيَخَةِ الأنْدَلُسِ - حَماها اللَهُ - أنَّهم لا يَأْخُذُونَ فِي وجْهَيِ الإسْكانِ والصِلَةِ مِن مِيمِ الجَمْعِ لِقالُونَ إلّا بِوَجْهٍ واحِدٍ مُعْتَمِدِينَ ظاهِرَ قَوْلَيِ الشاطِبِيِّ وقالُونَ بِتَخْيِيرِهِ جَلا، وسَيَأْتِي ذَلِكَ.
(رابِعُها)
يَجُوزُ بَيْنَ الأنْفالِ وبَراءَةَ إذا لَمْ يَقْطَعْ عَلى آخِرِ الأنْفالِ كُلٌّ مِنَ الوَصْلِ والسَكْتِ والوَقْفِ لِجَمِيعِ القُرّاءِ. أمّا الوَصْلُ لَهم فَظاهِرٌ ; لِأنَّهُ كانَ جائِزًا مَعَ وُجُودِ البَسْمَلَةِ، فَجَوازُهُ مَعَ عَدَمِها أوْلى عَنِ الفاصِلِينَ والواصِلِينَ، وهو اخْتِيارُ أبِي الحَسَنِ بْنِ غَلْبُونَ في قِراءَةِ مَن لَمْ يَفْصِلْ، وهو في قِراءَةِ مَن يَصِلُ أظْهَرُ، وأمّا السَكْتُ فَلا إشْكالَ فِيهِ عَنْ أصْحابِ السَكْتِ، وأمّا عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الفاصِلِينَ والواصِلِينَ فَمَن نَصَّ عَلَيْهِ لَهم ولِسائِرِ القُرّاءِ أبُو مُحَمَّدٍ مَكِّيٌّ في تَبْصِرَتِهِ، فَقالَ: وأجْمَعُوا عَلى تَرْكِ الفَصْلِ بَيْنَ الأنْفالِ وبَراءَةَ لِإجْماعِ المَصاحِفِ عَلى تَرْكِ التَسْمِيَةِ بَيْنَهُما. فَأمّا السَكْتُ بَيْنَهُما فَقَدْ قَرَأْتُ بِهِ لِجَماعَتِهِمْ، ولَيْسَ هو مَنصُوصًا، وحَكى أبُو عَلِيٍّ البَغْدادِيُّ في رَوْضَتِهِ، عَنْ أبِي الحَسَنِ الحَمّامِيِّ أنَّهُ كانَ يَأْخُذُ بِسَكْتَةٍ بَيْنَهُما لِحَمْزَةَ وحْدَهُ. فَقالَ: وكانَ حَمْزَةُ وخَلَفٌ والأعْمَشُ يَصِلُونَ السُورَةَ إلّا ما ذَكَرَهُ الحَمّامِيُّ، عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ سَكَتَ بَيْنَ الأنْفالِ والتَوْبَةِ، وعَلَيْهِ أُعَوِّلُ. انْتَهى، وإذا أُخِذَ بِالسَكْتِ عَنْ حَمْزَةَ فالأخْذُ عَنْ غَيْرِهِ أحْرى. قالَ الأُسْتاذُ المُحَقِّقُ أبُو عَبْدِ اللَهِ بْنُ القَصّاعِ في كِتابِهِ «الِاسْتِبْصارُ في القِراءاتِ العَشْرِ»: واخْتُلِفَ في وصْلِ الأنْفالِ بِالتَوْبَةِ فَبَعْضُهم يَرى وصْلَهُما، ويَتَبَيَّنُ الإعْرابَ وبَعْضُهم يَرى السَكْتَ بَيْنَهُما. انْتَهى.
(قُلْتُ): وإذا قُرِئَ بِالسَكْتِ عَلى ما تَقَدَّمَ فَلا يَتَأتّى وجْهُ إسْرارِ البَسْمَلَةِ عَلى مَذْهَبِ سِبْطِ الخَيّاطِ المُتَقَدِّمِ، إذْ لا بَسْمَلَةَ بَيْنَهُما يَسْكُتُ بِقَدْرِها، فاعْلَمْ ذَلِكَ. وأمّا الوَقْفُ فَهو الأقْيَسُ، وهو الأشْبَهُ بِمَذْهَبِ أهْلِ التَرْتِيلِ، وهو اخْتِيارِي في مَذْهَبِ الجَمِيعِ ; لِأنَّ أواخِرَ السُوَرِ مِن أتَمِ التَمامِ. وإنَّما عُدِلَ عَنْهُ في مَذْهَبِ مَن لَمْ يَفْصِلْ مِن أجْلِ أنَّهُ لَوْ وقَفَ عَلى آخَرِ السُوَرِ لَلَزِمَتِ البَسْمَلَةُ أوائِلَ السُوَرِ، ومِن أجْلِ الِابْتِداءِ. وإنْ لَمْ يُؤْتَ بِها خُولِفَ الرَسْمُ في الحالَتَيْنِ كَما تَقَدَّمَ، واللازِمُ هُنا مُنْتَفٍ والمُقْتَضى لِلْوَقْفِ قائِمٌ، فَمِن ثَمَّ اخْتَرْنا الوَقْفَ، ولا نَمْنَعُ غَيْرَهُ، واللَهُ أعْلَمُ.
(خامِسُها)
ما ذُكِرَ مِنَ الخِلافِ بَيْنَ السُورَتَيْنِ هو عامٌّ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ سَواءٌ كانَتا مُرَتَّبَتَيْنِ، أوْ غَيْرَ مُرَتَّبَتَيْنِ، فَلَوْ وصَلَ آخِرَ الفاتِحَةِ مُبْتَدِئًا بِآلِ عِمْرانَ، أوْ آخَرَ آلِ عِمْرانَ بِالأنْعامِ - جازَتِ البَسْمَلَةُ وعَدَمُها عَلى ما تَقَدَّمَ، ولَوْ وُصِلَتِ التَوْبَةُ بِآخِرِ سُورَةٍ سِوى الأنْفالِ فالحُكْمُ كَما لَوْ وُصِلَتْ بِالأنْفالِ، أمّا لَوْ وُصِلَتِ السُورَةُ بِأوَّلِها كَأنْ كُرِّرَتْ مَثَلًا كَما تُكَرَّرُ سُورَةُ الإخْلاصِ فَلَمْ أجِدْ فِيهِ نَصًّا، والَّذِي يَظْهَرُ البَسْمَلَةُ قَطْعًا؛ فَإنَّ السُورَةَ والحالَةَ هَذِهِ مُبْتَدِئَةٌ كَما لَوْ وُصِلَتِ الناسُ بِالفاتِحَةِ، ومُقْتَضى ما ذَكَرَهُ الجَعْبَرِيُّ عُمُومُ الحُكْمِ، وفِيهِ نَظَرٌ، إلّا أنْ يُرِيدَ في مَذْهَبِ الفُقَهاءِ عِنْدَ مَن يَعُدُّها آيَةً، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ عَلى مَذاهِبِ القُرّاءِ. وكَذَلِكَ يَجُوزُ إجْراءُ أحْوالِ الوَصْلِ في آخِرِ السُورَةِ المُوصَلِ طَرَفاها مِن إعْرابٍ وتَنْوِينٍ، واللَهُ تَعالى أعْلَمُ.
(الثامِنُ) في حُكْمِها، وهَلْ هي آيَةٌ في أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ كُتِبَتْ فِيهِ أمْ لا؟
وَهَذِهِ مَسْألَةٌ اخْتَلَفَ الناسُ فِيها، وبُسِطَ القَوْلُ فِيها في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، ولا تَعَلُّقَ لِلْقِراءَةِ بِذَلِكَ، إلّا أنَّهُ لَمّا جَرَتْ عادَةُ أكْثَرِ القُرّاءِ لِلتَّعَرُّضِ لِذَلِكَ لَمْ نُخْلِ كِتابَنا مِنهُ؛ لِتَعْرِفَ مَذاهِبَ أئِمَّةِ القِراءَةِ فِيها، فَنَقُولُ: اخْتُلِفَ في هَذِهِ المَسْألَةِ عَلى خَمْسَةِ أقْوالٍ (أحَدُها) أنَّها آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ فَقَطْ، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ مَكَّةَ والكُوفَةِ، ومَن وافَقَهُمْ، ورُوِيَ قَوْلًا لِلشّافِعِيِّ (الثانِي) أنَّها آيَةٌ مِن أوَّلِ الفاتِحَةِ، ومِن أوَّلِ سُورَةٍ، وهو الأصَحُّ مِن مَذْهَبِ الشافِعِيِّ، ومَن وافَقَهُ، وهو رِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ، ونُسِبَ إلى أبِي حَنِيفَةَ. (الثالِثُ) أنَّها آيَةٌ مِن أوَّلِ الفاتِحَةِ، بَعْضُ آيَةٍ مِن غَيْرِها، وهو القَوْلُ الثانِي لِلشّافِعِيِّ. (الرابِعُ) أنَّها آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ في أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ لا مِنها، وهو المَشْهُورُ عَنْ أحْمَدَ، وقالَ داوُدُ وأصْحابُهُ، وحَكاهُ أبُو بَكْرٍ الرازِيُّ، عَنْ أبِي الحَسَنِ الكَرْخِيِّ، وهو مِن كِبارِ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ (الخامِسُ) أنَّها لَيْسَتْ بِآيَةٍ ولا بَعْضِ آيَةٍ مِن أوَّلِ الفاتِحَةِ، ولا مِن أوَّلِ غَيْرِها، وإنَّما كُتِبَتْ لِلتَّيَمُّنِ والتَبَرُّكِ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ وأبِي حَنِيفَةَ والثَوْرِيِّ، ومَن وافَقَهُمْ، وذَلِكَ مَعَ إجْماعِهِمْ عَلى أنَّها بَعْضُ آيَةٍ مِن سُورَةِ النَمْلِ، وأنَّ بَعْضَها آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ.
(قُلْتُ): وهَذِهِ الأقْوالُ تَرْجِعُ إلى النَفْيِ والإثْباتِ، والَّذِي نَعْتَقِدُهُ أنَّ كِلَيْهُما صَحِيحٌ، وأنَّ كُلَّ ذَلِكَ حَقٌّ، فَيَكُونُ الِاخْتِلافُ فِيهِما كاخْتِلافِ القِراءاتِ. قالَ السَخاوِيُّ - رَحِمَهُ اللَهُ -: واتَّفَقَ القُرّاءُ عَلَيْها في أوَّلِ الفاتِحَةِ، فَإنَّ ابْنَ كَثِيرٍ، وعاصِمًا، والكِسائِيَّ يَعْتَقِدُونَها آيَةً مِنها ومِن كُلِّ سُورَةٍ، ووافَقَهم حَمْزَةُ عَلى الفاتِحَةِ خاصَّةً. قالَ: وأبُو عَمْرٍو، وقالُونُ، ومَن تابَعَهُ مِن قُرّاءِ المَدِينَةِ لا يَعْتَقِدُونَها آيَةً مِنَ الفاتِحَةِ. انْتَهى. ويُحْتاجُ إلى تَعَقُّبٍ، فَلَوْ قالَ: يَعْتَقِدُونَها مِنَ القُرْآنِ أوَّلَ كُلِّ سُورَةٍ لِيَعُمَّ كَوْنَها آيَةً مِنها أوْ فِيها، أوْ بَعْضَ آيَةٍ - لَكانَ أسَدَّ ; لِأنّا لا نَعْلَمُ أحَدًا مِنهم عَدَّها آيَةً مِن كُلِّ سُورَةٍ سِوى الفاتِحَةِ نَصًّا، وقَوْلُهُ: إنَّ قالُونَ ومَن تابَعَهُ مِن قُرّاءِ المَدِينَةِ لا يَعْتَقِدُونَها آيَةً مِنَ الفاتِحَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ، إذْ قَدْ صَحَّ نَصًّا أنَّ إسْحاقَ بْنَ مُحَمَّدٍ المُسَيَّبِيَّ أوْثَقَ أصْحابِ نافِعٍ وأجَلَّهُمْ، قالَ: سَألْتُ نافِعًا، عَنْ قِراءَةِ بِسْمِ اللَهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ فَأمَرَنِي بِها، وقالَ: أشْهَدُ أنَّها آيَةٌ مِنَ السَبْعِ المَثانِي، وأنَّ اللَهَ أنْزَلَها. رَوى ذَلِكَ الحافِظُ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ، وكَذَلِكَ رَواهُ أبُو بَكْرِ بْنُ مُجاهِدٍ، عَنْ شَيْخِهِ مُوسى بْنِ إسْحاقَ القاضِي عَمِّ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ المُسَيَّبِيِّ، عَنْ أبِيهِ، ورُوِّينا أيْضًا عَنِ المُسَيَّبِيِّ قالَ: كُنّا نَقْرَأُ (بِسْمِ اللَهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ) أوَّلَ فاتِحَةِ الكِتابِ، وفي أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وبَيْنَ السُورَتَيْنِ في العَرْضِ والصَلاةِ، هَكَذا كانَ مَذْهَبُ القُرّاءِ بِالمَدِينَةِ قالَ: وفُقَهاءُ المَدِينَةِ لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ.
(قُلْتُ): وحَكى أبُو القاسِمِ الهُذَلِيُّ، عَنْ مالِكٍ أنَّهُ سَألَ نافِعًا عَنِ البَسْمَلَةِ فَقالَ: السُنَّةُ الجَهْرُ بِها، فَسَلَّمَ إلَيْهِ وقالَ: كُلُّ عِلْمٍ يُسْألُ عَنْهُ أهْلُهُ.