All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

An-Naḥl 16:125 Juzʾ 14 Page 281

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Invite to the way of your Lord with wisdom and good instruction, and argue with them in a way that is best. Indeed, your Lord is most knowing of who has strayed from His way, and He is most knowing of who is [rightly] guided.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ .

صفحة ١١١
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ مُحَمَّدًا ﷺ بِاتِّباعِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَيَّنَ الشَّيْءَ الَّذِي أمَرَهُ بِمُتابَعَتِهِ فِيهِ، فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ أنْ يَدْعُوَ النّاسَ بِأحَدِ هَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ: وهي الحِكْمَةُ، والمَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ، والمُجادَلَةُ بِالطَّرِيقِ الأحْسَنِ، وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذا الجَدَلَ في آيَةٍ أُخْرى، فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [العَنْكَبُوتِ: ٤٦] . ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الطُّرُقَ الثَّلاثَةَ وعَطَفَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ - وجَبَ أنْ تَكُونَ طُرُقًا مُتَغايِرَةً مُتَبايِنَةً، وما رَأيْتُ لِلْمُفَسِّرِينَ فِيهِ كَلامًا مُلَخَّصًا مَضْبُوطًا.

واعْلَمْ أنَّ الدَّعْوَةَ إلى المَذْهَبِ والمَقالَةِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً عَلى حُجَّةٍ وبَيِّنَةٍ، والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ الحُجَّةِ، إمّا تَقْرِيرُ ذَلِكَ المَذْهَبِ وذَلِكَ الِاعْتِقادِ في قُلُوبِ المُسْتَمِعِينَ، وإمّا أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ إلْزامَ الخَصْمِ وإفْحامَهُ.

أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَيَنْقَسِمُ أيْضًا إلى قِسْمَيْنِ؛ لِأنَّ الحُجَّةَ إمّا أنْ تَكُونَ حُجَّةً حَقِيقِيَّةً يَقِينِيَّةً قَطْعِيَّةً، مُبَرَّأةً عَنِ احْتِمالِ النَّقِيضِ، وإمّا أنْ لا تَكُونَ كَذَلِكَ، بَلْ تَكُونُ حُجَّةً تُفِيدُ الظَّنَّ الظّاهِرَ والإقْناعَ الكامِلَ، فَظَهَرَ بِهَذا التَّقْسِيمِ انْحِصارُ الحُجَجِ في هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ:

أوَّلُها: الحُجَّةُ القَطْعِيَّةُ المُفِيدَةُ لِلْعَقائِدِ اليَقِينِيَّةِ، وذَلِكَ هو المُسَمّى بِالحِكْمَةِ، وهَذِهِ أشْرَفُ الدَّرَجاتِ وأعْلى المَقاماتِ، وهي الَّتِي قالَ اللَّهُ في صِفَتِها: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٦٩] .

وثانِيها: الأماراتُ الظَّنِّيَّةُ والدَّلائِلُ الإقْناعِيَّةُ وهي المَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ.

وثالِثُها: الدَّلائِلُ الَّتِي يَكُونُ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِها إلْزامَ الخُصُومِ وإفْحامَهم، وذَلِكَ هو الجَدَلُ، ثُمَّ هَذا الجَدَلُ عَلى قِسْمَيْنِ:

القِسْمُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ دَلِيلًا مُرَكَّبًا مِن مُقَدِّماتٍ مُسَلَّمَةٍ في المَشْهُورِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، أوْ مِن مُقَدَّماتٍ مُسَلَّمَةٍ عِنْدَ ذَلِكَ القائِلِ، وهَذا الجَدَلُ هو الجَدَلُ الواقِعُ عَلى الوجه الأحْسَنِ.

القِسْمُ الثّانِي: أنْ يَكُوُنَ ذَلِكَ الدَّلِيلُ مُرَكَّبًا مِن مُقَدِّماتٍ باطِلَةٍ فاسِدَةٍ إلّا أنَّ قائِلَها يُحاوِلُ تَرْوِيجَها عَلى المُسْتَمِعِينَ بِالسَّفاهَةِ والشَّغَبِ والحِيَلِ الباطِلَةِ والطُّرُقِ الفاسِدَةِ، وهَذا القِسْمُ لا يَلِيقُ بِأهْلِ الفَضْلِ، إنَّما اللّائِقُ بِهِمْ هو القِسْمُ الأوَّلُ، وذَلِكَ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا انْحِصارُ الدَّلائِلِ والحُجَجِ في هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآيَةِ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: أهْلُ العِلْمِ ثَلاثُ طَوائِفَ: الكامِلُونَ الطّالِبُونَ لِلْمَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ والعُلُومِ اليَقِينِيَّةِ، والمُكالَمَةُ مَعَ هَؤُلاءِ لا تُمْكِنُ إلّا بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ اليَقِينِيَّةِ وهي الحِكْمَةُ.

والقِسْمُ الثّانِي: الَّذِينَ تَغْلِبُ عَلى طِباعِهِمُ المُشاغَبَةُ والمُخاصَمَةُ، لا طَلَبُ المَعْرِفَةِ الحَقِيقِيَّةِ والعُلُومِ اليَقِينِيَّةِ، والمُكالَمَةُ اللّائِقَةُ بِهَؤُلاءِ المُجادَلَةُ الَّتِي تُفِيدُ الإفْحامَ والإلْزامَ.

وهَذانِ القِسْمانِ هُما الطَّرَفانِ؛ فالأوَّلُ هو طَرَفُ الكَمالِ، والثّانِي طَرَفُ النُّقْصانِ.

وأمّا القِسْمُ الثّالِثُ: فَهو الواسِطَةُ، وهُمُ الَّذِينَ ما بَلَغُوا في الكَمالِ إلى حَدِّ الحُكَماءِ المُحَقِّقِينَ، وفي النُّقْصانِ والرَّذالَةِ إلى حَدِّ المُشاغِبِينَ المُخاصِمِينَ، بَلْ هم أقْوامٌ بَقُوا عَلى الفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ والسَّلامَةِ الخِلْقِيَّةِ، وما بَلَغُوا إلى دَرَجَةِ الِاسْتِعْدادِ لِفَهْمِ الدَّلائِلِ اليَقِينِيَّةِ والمَعارِفِ الحُكْمِيَّةِ، والمُكالَمَةُ مَعَ هَؤُلاءِ لا تُمْكِنُ إلّا

صفحة ١١٢
بِالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وأدْناها المُجادَلَةُ. وأعْلى مَراتِبِ الخَلائِقِ الحُكَماءُ المُحَقِّقُونَ، وأوْسَطُهم عامَّةُ الخَلْقِ وهم أرْبابُ السَّلامَةِ، وفِيهِمُ الكَثْرَةُ والغَلَبَةُ، وأدْنى المَراتِبِ الَّذِينَ جُبِلُوا عَلى طَبِيعَةِ المُنازَعَةِ والمُخاصَمَةِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ مَعْناهُ: ادْعُ الأقْوِياءَ الكامِلِينَ إلى الدِّينِ الحَقِّ بِالحِكْمَةِ، وهي البَراهِينُ القَطْعِيَّةُ اليَقِينِيَّةُ - وعَوامَّ الخَلْقِ بِالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وهي الدَّلائِلُ اليَقِينِيَّةُ الإقْناعِيَّةُ الظَّنِّيَّةُ. والتَّكَلُّمُ مَعَ المُشاغِبِينَ بِالجَدَلِ عَلى الطَّرِيقِ الأحْسَنِ الأكْمَلِ.
ومِن لَطائِفِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَقَصَرَ الدَّعْوَةَ عَلى ذِكْرِ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ؛ لِأنَّ الدَّعْوَةَ إنْ كانَتْ بِالدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ فَهي الحِكْمَةُ، وإنْ كانَتْ بِالدَّلائِلِ الظَّنِّيَّةِ فَهي المَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ، أمّا الجَدَلُ فَلَيْسَ مِن بابِ الدَّعْوَةِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنهُ غَرَضٌ آخَرُ مُغايِرٌ لِلدَّعْوَةِ وهو الإلْزامُ والإفْحامُ؛ فَلِهَذا السَّبَبِ لَمْ يَقُلْ: ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ والجَدَلِ الأحْسَنِ، بَلْ قَطَعَ الجَدَلَ عَنْ بابِ الدَّعْوَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَحْصُلُ الدَّعْوَةُ، وإنَّما الغَرَضُ مِنهُ شَيْءٌ آخَرُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَباحِثَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أدْرَجَ في هَذِهِ الآيَةِ هَذِهِ الأسْرارَ العالِيَةَ الشَّرِيفَةَ، مَعَ أنَّ أْكَثْرَ الخَلْقِ كانُوا غافِلِينَ عَنْها، فَظَهَرَ أنَّ هَذا الكِتابَ الكَرِيمَ لا يَهْتَدِي إلى ما فِيهِ مِنَ الأسْرارِ إلّا مَن كانَ مِن خَواصِّ أُولِي الأبْصارِ.

ثم قال تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ والمَعْنى: أنَّكَ مُكَلَّفٌ بِالدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى بِهَذِهِ الطُّرُقِ الثَّلاثَةِ، فَأمّا حُصُولُ الهِدايَةِ فَلا يَتَعَلَّقُ بِكَ، فَهو تَعالى أعْلَمُ بِالضّالِّينَ وأعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ. والَّذِي عِنْدِي في هَذا البابِ أنَّ جَواهِرَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ، فَبَعْضُها نُفُوسٌ مُشْرِقَةٌ صافِيَةٌ قَلِيلَةُ التَّعَلُّقِ بِالجُسْمانِيّاتِ كَثِيرَةُ الِانْجِذابِ إلى عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ. وبَعْضُها مُظْلِمَةٌ كَدِرَةٌ قَوِيَّةُ التَّعَلُّقِ بِالجُسْمانِيّاتِ عَدِيمَةُ الِالتِفاتِ إلى الرُّوحانِيّاتِ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الِاسْتِعْداداتُ مِن لَوازِمِ جَواهِرِها، لا جَرَمَ يَمْتَنِعُ انْقِلابُها وزَوالُها؛ فَلِهَذا قالَ تَعالى: اشْتَغِلْ أنْتَ بِالدَّعْوَةِ ولا تَطْمَعُ في حُصُولِ الهِدايَةِ لِلْكُلِّ، فَإنَّهُ تَعالى هو العالِمُ بِضَلالِ النُّفُوسِ الضّالَّةِ الجاهِلَةِ وبِإشْراقِ النُّفُوسِ المُشْرِقَةِ الصّافِيَةِ، فَلِكُلِّ نَفْسٍ فِطْرَةٌ مَخْصُوصَةٌ وماهِيَّةٌ مَخْصُوصَةٌ، كَما قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [الرُّومِ: ٣٠] . واللَّهُ أعْلَمُ.

The same ayah, in another commentary

An-Naḥl 16:125