All commentaries

نظم الدرر

Al-Biqāʿī

برهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥ هـ)

Reads the Qur'an as one connected whole — why this verse follows that, and this surah that.

An-Naḥl 16:125 Juzʾ 14 Page 281

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Invite to the way of your Lord with wisdom and good instruction, and argue with them in a way that is best. Indeed, your Lord is most knowing of who has strayed from His way, and He is most knowing of who is [rightly] guided.

Read in the muṣḥaf

ولَمّا قَدَّمَ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ السُّورَةِ حِكايَةَ كَثِيرٍ مِنَ اسْتِهْزائِهِمْ بِوَعْدِهِ؛ ووَعِيدِهِ؛ وتَكْذِيبِهِمْ لِرُسُلِهِ؛ عَلى أبْشَعِ وجْهٍ؛ والتَّفْتِيرِ عَنْ حُرْقَةِ الحِرْصِ عَلَيْهِمُ؛ المُفْضِي إلى شِدَّةِ التَّأسُّفِ عَلى ضَلالِهِمْ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا رُبَّما أيْأسَ مِنهُمْ؛ فَأقْعَدَ عَنْ دُعائِهِمْ؛ وأتْبَعَهُ ضَرْبَ الأمْثالِ؛ ونَصْبَ الجِدالِ - عَلى تِلْكَ المَناهِجِ المُعْجِزَةِ؛ بِما يَسْبِقُ مِن ظَواهِرِها إلى الفَهْمِ عِنْدَ قَرْعِ السَّمْعِ مِنَ المَعانِي الجَلِيلَةِ؛ والمَقاصِدِ الجَمِيلَةِ - لِعامَّةِ الخَلْقِ؛ ما يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ؛ وإذا تَأمَّلَها الخَواصُّ وجَدُوا فِيها مِن دَقائِقِ الحَقائِقِ؛ ومَشارِعِ الرَّقائِقِ؛ ومُحْكَمِ الدَّلائِلِ؛ ومُتْقَنِ المَقاصِدِ والوَسائِلِ؛ ما يُوَضِّحُ - بِتَفاوُتِ الأفْهامِ؛ وتَبايُنِ الأفْكارِ - أنَّهُ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ؛ ولا قَرارَ؛ ولا مُنْتَهى لِما تَسْتَخْرِجُ مِنهُ الأنْظارُ؛ وخَتَمَ بِاتِّباعِ الأبِ الأعْظَمِ؛ لَمّا كانَ ذَلِكَ؛ وأمَرَ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - وهو السَّمِيعُ المُطِيعُ؛ أنْ يَسْتَنَّ بِآثارِهِ؛ ويَقْتَدِيَ بِإضْمارِهِ وإظْهارِهِ؛ فَسَّرَ (p-٢٧٩)لَهُ تِلْكَ المِلَّةَ الَّتِي أمَرَهُ بِاتِّباعِها؛ فَقالَ (تَعالى): ‏‏‏؛ أيْ: كُلَّ مَن تُمْكِنُ دَعْوَتُهُ؛ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ؛ بِتَسْهِيلِ السَّبِيلِ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ؛ واتِّساعِهِ؛ وهو الإسْلامُ؛ الَّذِي هو المِلَّةُ الحَنِيفِيَّةُ؛ ‏‏‏‏‏‏؛ وهي المُعَرِّفَةُ بِمَراتِبِ الأفْعالِ في الحُسْنِ؛ والقُبْحِ؛ والصَّلاحِ؛ والفَسادِ؛ وقِيلَ لَها ”حِكْمَةٌ“؛ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ المانِعِ مِنَ الفَسادِ؛ وما لا يَنْبَغِي أنْ يُخْتارَ؛ فالحَكِيمُ هو العالِمُ بِما يَمْنَعُ مِنَ الفَسادِ؛ قالَهُ الرُّمّانِيُّ؛ وهي في الحَقِيقَةِ الحَقُّ الصَّرِيحُ؛ فَمَن كانَ أهْلًا لَهُ دَعا بِهِ؛ ‏‏‏‏‏‏‏‏؛ بِضَرْبِ الأمْثالِ؛ والوَعْدِ؛ والوَعِيدِ؛ مَعَ خَلْطِ الرَّغْبَةِ بِالرَّهْبَةِ؛ والإنْذارِ بِالبِشارَةِ؛ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: الَّتِي يَسْهُلُ عَلى كُلِّ فَهْمٍ ظاهِرُها؛ ويَرُوقُ كُلَّ نِحْرِيرٍ ما ضَمَّنَتْهُ سَرائِرُها؛ مَعَ اللِّينِ في مَقْصُودِها؛ وتَأْدِيَتِها هَذا لِمَن لا يَحْتَمِلُ إلّا ذَلِكَ؛ ‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: الَّذِينَ يَحْتَمِلُونَ ذَلِكَ مِنهُمْ؛ افْتِلْهم عَنْ مَذاهِبِهِمُ الباطِلَةِ إلى مَذْهَبِكَ الحَقِّ بِطَرِيقِ الحِجاجِ؛ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏؛ مِنَ الطُّرُقِ؛ بِالتَّرَفُّقِ؛ واللِّينِ؛ والوَقارِ؛ والسَّكِينَةِ؛ ولا تُعْرِضْ عَنْهُمْ؛ (p-٢٨٠)يَأْسًا مِنهُمْ؛ ولا تُجازِهِمْ بِسَيِّئِ مَقالِهِمْ؛ وقَبِيحِ فِعالِهِمْ؛ صَفْحًا عَنْهُمْ؛ ورِفْقًا بِهِمْ؛ فَهو بَيانٌ لِأصْنافِ الدَّعْوَةِ؛ بِحَسَبِ عُقُولِ المَدْعُوِّينَ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَأْمُورُونَ بِأنْ يُخاطِبُوا النّاسَ عَلى قَدْرِ عُقُولِهِمْ؛ وقِيلَ: الدَّعْوَةُ إنْ كانَتْ لِتَقْرِيرِ الدِّينِ وتَثْبِيتِ الِاعْتِقادِ في قُلُوبِ أهْلِهِ - وهي مَعَ ذَلِكَ يَقِينِيَّةٌ مُطَهَّرَةٌ عَنِ احْتِمالِ نَقِيضٍ - فَهي الحِكْمَةُ؛ وهي لِطالِبِ الحَقِّ المُذْعِنِ إنْ كانَ مُسْتَعِدًّا لِلْقَبُولِ بِفِكْرِهِ الثّاقِبِ؛ وإنْ كانَتْ مُقارِنَةً لِاحْتِمالِ النَّقِيضِ مُفِيدَةً لِلظَّنِّ والإقْناعِ؛ فَهي المَوْعِظَةُ؛ وهي لِلْمُذْعِنِ الَّذِي لا اسْتِعْدادَ لَهُ؛ وإنْ كانَتْ لِإلْزامِ الجاحِدِينَ؛ وإفْحامِ المُعانِدِينَ؛ فَهي المُجادَلَةُ؛ فَإنْ كانَتْ مُرَكَّبَةً مِن مُقَدِّماتِ مُسَلَّمَةٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ؛ أوْ عِنْدَ الخَصْمِ فَقَطْ؛ فَهي الحَسَنَةُ؛ وإنْ كانَتْ مِن مُقَدِّماتٍ كاذِبَةٍ غَيْرِ مُسَلَّمَةٍ يُرادُ تَرْوِيجُها بِالحِيَلِ الباطِلَةِ؛ والطُّرُقِ الفاسِدَةِ؛ فَهي السَّيِّئَةُ الَّتِي لا تَلِيقُ بِمُنْصِفٍ؛ ثُمَّ عَلَّلَ المُلازَمَةَ لِدُعائِهِمْ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ‏‏ ‏‏‏؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِالتَّخْفِيفِ عَنْكَ؛ ‏‏؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ‏‏‏‏؛ أيْ: مِن كُلِّ مَن يُتَوَهَّمُ فِيهِ عِلْمٌ؛ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏؛ فَكانَ في أدْنى دَرَجاتِ الضَّلالِ - وهو أعْلَمُ بِالضّالِّينَ؛ الرّاسِخِينَ في الجَوْرِ عَنِ الطَّرِيقِ - (p-٢٨١)فَلا انْفِكاكَ لَهُ عَنِ الضَّلالِ؛ وهو أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى لِسَبِيلِهِ؛ فَكانَ في أدْنى دَرَجاتِ الهِدايَةِ؛ ‏‏‏؛ أيْ: خاصَّةً؛ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏؛ أيْ: الَّذِينَ هم في النِّهايَةِ مِنها؛ فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذَكَرَ أوَّلًا ”مَن ضَلَّ“؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ ثانِيًا؛ و”المُهْتَدِينَ“؛ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِمْ أوَّلًا.

وأمّا أنْتَ فَلا عِلْمَ لَكَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ إلّا بِإعْلامِنا؛ وقَدْ ألْزَمْناكَ البَلاغَ المُبِينَ؛ فَلا تَفْتُرْ عَنْهُ مُعْرِضًا عَنِ الحِرْصِ المُهْلِكِ؛ واليَأْسِ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم.

The same ayah, in another commentary

An-Naḥl 16:125