All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: the hardest questions, worked through.

Āl ʿImrān 3:148 Juzʾ 4 Page 68

‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Read in the muṣḥaf
مفاتيح الغيب Al-Rāzī

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ طَرِيقَةَ الرِّبِّيِّينَ في الصَّبْرِ، وطَرِيقَتَهم في الدُّعاءِ ذَكَرَ أيْضًا ما ضَمِنَ لَهم في مُقابَلَةٍ ذَلِكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ يَقْتَضِي أنَّهُ تَعالى أعْطاهُمُ الأمْرَيْنِ، أمّا ثَوابُ الدُّنْيا فَهو النُّصْرَةُ والغَنِيمَةُ وقَهْرُ العَدُوِّ والثَّناءُ الجَمِيلُ، وانْشِراحُ الصَّدْرِ بِنُورِ الإيمانِ وزَوالُ ظُلُماتِ الشُّبُهاتِ وكَفّارَةُ المَعاصِي والسَّيِّئاتِ، وأمّا ثَوابُ الآخِرَةِ فَلا شَكَّ أنَّهُ هو الجَنَّةُ وما فِيها مِنَ المَنافِعِ واللَّذّاتِ وأنْواعِ السُّرُورِ والتَّعْظِيمِ، وذَلِكَ غَيْرُ حاصِلٍ في الحالِ، فَيَكُونُ المُرادُ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ لَهم بِحُصُولِها في الآخِرَةِ، فَأقامَ حُكْمَ اللَّهِ بِذَلِكَ مَقامَ نَفْسِ الحُصُولِ، كَما أنَّ الكَذِبَ في وعْدِ اللَّهِ والظُّلْمَ في عَدْلِهِ مُحالٌ، أوْ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: (فَآتاهُمُ) عَلى أنَّهُ سَيُؤْتِيهِمْ عَلى قِياسِ قَوْلِهِ: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النَّحْلِ: ١] أيْ سَيَأْتِي أمْرُ اللَّهِ. قالَ القاضِي: ولا يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مُخْتَصَّةً بِالشُّهَداءِ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهم أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، فَيَكُونُ حالُ هَؤُلاءِ الرِّبِّيِّينَ أيْضًا كَذَلِكَ، فَإنَّهُ تَعالى في حالِ إنْزالِ هَذِهِ الآيَةِ كانَ قَدْ آتاهم حُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ في جِنانِ السَّماءِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: خَصَّ تَعالى ثَوابَ الآخِرَةِ بِالحُسْنِ تَنْبِيهًا عَلى جَلالَةِ ثَوابِهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّ ثَوابَ الآخِرَةِ كُلَّهُ في غايَةِ الحُسْنِ، فَما خَصَّهُ اللَّهُ بِأنَّهُ حَسَنٌ مِن هَذا الجِنْسِ فانْظُرْ كَيْفَ يَكُونُ حُسْنُهُ، ولَمْ يَصِفْ ثَوابَ الدُّنْيا بِذَلِكَ لِقِلَّتِها وامْتِزاجِها بِالمَضارِّ، وكَوْنِها مُنْقَطِعَةً زائِلَةً، قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الحُسْنُ هو الحَسَنَ كَقَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ [البَقَرَةِ: ٨٣] أيْ حَسَنًا، والغَرَضُ مِنهُ المُبالَغَةُ كَأنَّ تِلْكَ الأشْياءَ

صفحة ٢٥
الحَسَنَةَ لِكَوْنِها عَظِيمَةً في الحُسْنِ صارَتْ نَفْسَ الحُسْنِ، كَما يُقالُ: فُلانٌ جُودٌ وكَرَمٌ، إذا كانَ في غايَةِ الجُودِ والكَرَمِ واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ فِيما تَقَدَّمَ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٥] فَذَكَرَ لَفْظَةَ ”مِن“ الدّالَّةِ عَلى التَّبْعِيضِ فَقالَ في الآيَةِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ولَمْ يَذْكُرْ كَلِمَةَ ”مِن“ والفَرْقُ: أنَّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ ثَوابَ الآخِرَةِ إنَّما اشْتَغَلُوا بِالعُبُودِيَّةِ لِطَلَبِ الثَّوابِ، فَكانَتْ مَرْتَبَتُهم في العُبُودِيَّةِ نازِلَةً، وأمّا المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّهم لَمْ يَذْكُرُوا في أنْفُسِهِمْ إلّا الذَّنْبَ والقُصُورَ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٧] ولَمْ يَرَوُا التَّدْبِيرَ والنُّصْرَةَ والإعانَةَ إلّا مِن رَبِّهِمْ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [آلِ عِمْرانَ: ١٤٧] فَكانَ مَقامُ هَؤُلاءِ في العُبُودِيَّةِ في غايَةِ الكَمالِ، فَلا جَرَمَ أُولَئِكَ فازُوا بِبَعْضِ الثَّوابِ، وهَؤُلاءِ فازُوا بِالكُلِّ، وأيْضًا أُولَئِكَ أرادُوا الثَّوابَ، وهَؤُلاءِ ما أرادُوا الثَّوابَ. وإنَّما أرادُوا خِدْمَةَ مَوْلاهم فَلا جَرَمَ أُولَئِكَ حُرِمُوا وهَؤُلاءِ أُعْطُوا، لِيُعْلَمَ أنَّ كُلَّ مَن أقْبَلَ عَلى خِدْمَةِ اللَّهِ أقْبَلَ عَلى خِدْمَتِهِ كُلُّ ما سِوى اللَّهِ.

* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ دَقِيقَةٌ لَطِيفَةٌ وهي أنَّ هَؤُلاءِ اعْتَرَفُوا بِكَوْنِهِمْ مُسِيئِينَ حَيْثُ قالُوا: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ فَلَمّا اعْتَرَفُوا بِذَلِكَ سَمّاهُمُ اللَّهُ مُحْسِنِينَ، كَأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ لَهم:
إذا اعْتَرَفْتَ بِإساءَتِكَ وعَجْزِكَ فَأنا أصِفُكَ بِالإحْسانِ وأجْعَلُكَ حَبِيبًا لِنَفْسِي، حَتّى تَعْلَمَ أنَّهُ لا سَبِيلَ لِلْعَبْدِ إلى الوُصُولِ إلى حَضْرَةِ اللَّهِ إلّا بِإظْهارِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ والعَجْزِ. وأيْضًا: إنَّهم لَمّا أرادُوا الإقْدامَ عَلى الجِهادِ طَلَبُوا تَثْبِيتَ أقْدامِهِمْ في دِينِهِ ونُصْرَتَهم عَلى العَدُوِّ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَعِنْدَ ذَلِكَ سَمّاهم بِالمُحْسِنِينَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَبْدَ لا يُمْكِنُهُ الإتْيانُ بِالفِعْلِ الحَسَنِ، إلّا إذا أعْطاهُ اللَّهُ ذَلِكَ الفِعْلَ الحَسَنَ وأعانَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الرَّحْمَنِ: ٦٠] وقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [يُونُسَ: ٢٦] وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي يُعْطِي الفِعْلَ الحَسَنَ لِلْعَبْدِ، ثُمَّ إنَّهُ يُثِيبُهُ عَلَيْهِ لِيَعْلَمَ العَبْدُ أنَّ الكُلَّ مِنَ اللَّهِ وبِإعانَةِ اللَّهِ.