All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Sabaʾ 34:13 Juzʾ 22 Page 429

‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

They made for him what he willed of elevated chambers, statues, bowls like reservoirs, and stationary kettles. [We said], "Work, O family of David, in gratitude." And few of My servants are grateful.

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

المَحارِيبُ إشارَةٌ إلى الأبْنِيَةِ الرَّفِيعَةِ ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ [ص: ٢١] والتَّماثِيلُ ما يَكُونُ فِيها مِنَ النُّقُوشِ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ البِناءَ الَّذِي هو المَسْكَنُ بَيَّنَ ما يَكُونُ في المَسْكَنِ مِن ماعُونِ الأكْلِ فَقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ جَمْعُ جابِيَةٍ وهي الحَوْضُ الكَبِيرُ الَّذِي يَجْبِي الماءَ أيْ يَجْمَعُهُ وقِيلَ: كانَ يَجْتَمِعُ عَلى جَفْنَةٍ واحِدَةٍ ألْفُ نَفْسٍ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ثابِتاتٍ لا تُنْقَلُ لِكِبَرِها، وإنَّما يُغْرَفُ مِنها في تِلْكَ الجِفانِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَدَّمَ المَحارِيبَ عَلى التَّماثِيلِ لِأنَّ النُّقُوشَ تَكُونُ في الأبْنِيَةِ وقَدَّمَ ”الجِفانَ“ في الذِّكْرِ عَلى ”القُدُورِ“ مَعَ أنَّ القُدُورَ آلَةُ الطَّبْخِ والجِفانَ آلَةُ الأكْلِ، والطَّبْخُ قَبْلَ الأكْلِ، فَنَقُولُ: لَمّا بَيَّنَ الأبْنِيَةَ المَلَكِيَّةَ أرادَ بَيانَ عَظَمَةِ السِّماطِ الَّذِي يُمَدُّ في تِلْكَ الدُّورِ، وأشارَ إلى الجِفانِ لِأنَّها تَكُونُ فِيهِ، وأمّا القُدُورُ فَلا تَكُونُ فِيهِ، ولا تُحْضَرُ هُناكَ، ولِهَذا قالَ: ‏‏‏‏‏‏ أيْ غَيْرِ مَنقُولاتٍ، ثُمَّ لَمّا بَيَّنَ حالَ الجِفانِ العَظِيمَةِ، كانَ يَقَعُ في النَّفْسِ أنَّ الطَّعامَ الَّذِي يَكُونُ فِيها في أيِّ شَيْءٍ يُطْبَخُ، فَأشارَ إلى القُدُورِ المُناسِبَةِ لِلْجِفانِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرَ في حَقِّ داوُدَ اشْتِغالَهُ بِآلَةِ الحَرْبِ، وفي حَقِّ سُلَيْمانَ بِحالَةِ السِّلْمِ وهي المَساكِنُ والمَآكِلُ وذَلِكَ لِأنَّ سُلَيْمانَ كانَ ولَدَ داوُدَ، وداوُدُ قَتَلَ جالُوتَ والمُلُوكَ الجَبابِرَةَ، واسْتَوى داوُدُ عَلى المُلْكِ، فَكانَ سُلَيْمانُ كَوَلَدِ مَلِكٍ يَكُونُ أبُوهُ قَدْ سَوّى عَلى ابْنِهِ المُلْكَ وجَمَعَ لَهُ المالَ فَهو يُفَرِّقُهُ عَلى جُنُودِهِ؛ ولِأنَّ سُلَيْمانَ لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلَيْهِ في ظَنِّهِ فَتَرَكُوا الحَرْبَ مَعَهُ وإنْ حارَبَهُ أحَدٌ كانَ زَمانُ الحَرْبِ يَسِيرًا لِإدْراكِهِ إيّاهُ بِالرِّيحِ فَكانَ في زَمانِهِ العَظَمَةُ بِالإطْعامِ والإنْعامِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لَمّا قالَ عَقِيبَ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ اعْمَلُوا صالِحًا، قالَ عَقِيبَ ما يَعْمَلُهُ الجِنُّ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إشارَةً إلى ما ذَكَرْنا أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ حالِيَّةٌ لا يَنْبَغِي أنْ يَجْعَلَ الإنْسانُ نَفْسَهُ مُسْتَغْرِقَةً فِيها وإنَّما الواجِبُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُكْثِرَ مِنهُ هو العَمَلُ الصّالِحُ الَّذِي يَكُونُ شُكْرًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى عَدَمِ الِالتِفاتِ إلى هَذِهِ الأشْياءِ، وقِلَّةِ الِاشْتِغالِ بِها كَما في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ أيِ اجْعَلْهُ بِقَدْرِ الحاجَةِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: انْتِصابُ شُكْرًا يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ كَقَوْلِ القائِلِ جِئْتُكَ طَمَعًا وعَبَدْتُ اللَّهَ رَجاءَ غُفْرانِهِ.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كَقَوْلِ القائِلِ: شَكَرْتُ اللَّهَ شُكْرًا ويَكُونُ المَصْدَرُ مِن غَيْرِ لَفْظِ الفِعْلِ كَقَوْلِ القائِلِ: جَلَسْتُ قُعُودًا، وذَلِكَ لِأنَّ العَمَلَ شُكْرٌ فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ يَقُومُ مَقامَ قَوْلِهِ:

صفحة ٢١٦
(اشْكُرُوا) .
وثالِثُها: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ كَقَوْلِكَ: اضْرِبْ زَيْدًا كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِأنَّ الشُّكْرَ صالِحٌ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ خَفَّفَ الأمْرَ عَلى عِبادِهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فُهِمَ مِنهُ أنَّ الشُّكْرَ واجِبٌ لَكِنَّ شُكْرَ نِعَمِهِ كَما يَنْبَغِي لا يُمْكِنُ؛ لِأنَّ الشُّكْرَ بِالتَّوْفِيقِ وهو نِعْمَةٌ تَحْتاجُ إلى شُكْرٍ آخَرَ وهو بِتَوْفِيقٍ آخَرَ، فَدائِمًا تَكُونُ نِعْمَةُ اللَّهِ بَعْدَ الشُّكْرِ خالِيَةً عَنِ الشُّكْرِ، فَقالَ تَعالى: إنْ كُنْتُمْ لا تَقْدِرُونَ عَلى الشُّكْرِ التّامِّ فَلَيْسَ عَلَيْكم في ذَلِكَ حَرَجٌ، فَإنَّ عِبادِي قَلِيلٌ مِنهُمُ الشَّكُورُ، ويُقَوِّي قَوْلَنا أنَّهُ تَعالى أدْخَلَ الكُلَّ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ مَعَ الإضافَةِ إلى نَفْسِهِ، وعِبادِي بِلَفْظِ الإضافَةِ إلى نَفْسِ المُتَكَلِّمِ لَمْ تَرِدْ في القُرْآنِ إلّا في حَقِّ النّاجِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [الزمر: ٥٣] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الحِجْرِ: ٤٢ ] فَإنْ قِيلَ عَلى ما ذَكَرْتُمْ شُكْرُ اللَّهِ بِتَمامِهِ لا يُمْكِنُ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّ في عِبادِهِ مَن هو شاكِرٌ لِأنْعُمِهِ، نَقُولُ الشُّكْرُ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ هو الواقِعُ وقَلِيلٌ فاعِلُهُ، وأمّا الشُّكْرُ الَّذِي يُناسِبُ نِعَمَ اللَّهِ فَلا قُدْرَةَ عَلَيْهِ، ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها، أوْ نَقُولُ: الشّاكِرُ التّامُّ لَيْسَ إلّا مَن رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقالَ لَهُ: يا عَبْدِي ما أتَيْتَ بِهِ مِنَ الشُّكْرِ القَلِيلِ قَبِلْتُهُ مِنكَ وكَتَبْتُ لَكَ أنَّكَ شاكِرٌ لِأنْعُمِي بِأسْرِها، وهَذا القَبُولُ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ لا أُكَلِّفُكَ شُكْرَها.

The same ayah, in another commentary

Sabaʾ 34:13