All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Sabaʾ 34:12 Juzʾ 22 Page 429

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And to Solomon [We subjected] the wind - its morning [journey was that of] a month - and its afternoon [journey was that of] a month, and We made flow for him a spring of [liquid] copper. And among the jinn were those who worked for him by the permission of his Lord. And whoever deviated among them from Our command - We will make him taste of the punishment of the Blaze.

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .

قِيلَ: إنَّ ”أنْ“ هَهُنا لِلتَّفْسِيرِ فَهي مُفَسِّرَةٌ، بِمَعْنى أيِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وهو تَفْسِيرُ ﴿وألَنّا﴾ وتَحْقِيقُهُ لِأنْ يَعْمَلَ، يَعْنِي ألَنّا لَهُ الحَدِيدَ لِيَعْمَلَ سابِغاتٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ألْهَمْناهُ أنِ اعْمَلْ، وأنْ مَعَ الفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ لِلْمَصْدَرِ فَيَكُونُ مَعْناهُ: ألَنّا لَهُ الحَدِيدَ وألْهَمْناهُ عَمَلَ سابِغاتٍ وهي الدُّرُوعُ الواسِعَةُ: ذَكَرَ الصِّفَةَ ويُعْلَمُ مِنها المَوْصُوفُ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏، قالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ لا تُغَلِّظِ المَسامِيرَ فَيَتَّسِعَ الثُّقْبُ ولا تُوَسِّعِ الثُّقْبَ فَتُقَلْقَلَ المَسامِيرُ فِيها، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ السَّرْدُ هو عَمَلُ الزَّرَدِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ أيِ الزَّرَدِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ أمْرَ إيجابٍ إنَّما هو اكْتِسابٌ والكَسْبُ يَكُونُ بِقَدْرِ الحاجَةِ وباقِي الأيّامِ واللَّيالِي لِلْعِبادَةِ فَقَدِّرْ في ذَلِكَ العَمَلَ ولا تَشْغَلْ جَمِيعَ أوْقاتِكَ بِالكَسْبِ بَلْ حَصِّلْ بِهِ القُوتَ فَحَسْبُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ لَسْتُمْ مَخْلُوقِينَ إلّا لِلْعَمَلِ الصّالِحِ فاعْمَلُوا ذَلِكَ وأكْثِرُوا مِنهُ، والكَسْبُ قَدِّرُوا فِيهِ، ثُمَّ أكَّدَ طَلَبَ الفِعْلِ الصّالِحِ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ مَن يَعْمَلُ لِمَلِكٍ شُغْلًا ويَعْلَمُ أنَّهُ بِمَرْأًى مِنَ المَلِكِ يُحْسِنُ العَمَلَ ويُتْقِنُهُ ويَجْتَهِدُ فِيهِ، ثُمَّ لَمّا ذَكَرَ المُنِيبَ الواحِدَ ذَكَرَ مُنِيبًا آخَرَ وهو سُلَيْمانُ، كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [ص: ٣٤] .

وذَكَرَ ما اسْتَفادَ هو بِالإنابَةِ فَقالَ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قُرِئَ ”ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ“ بِالرَّفْعِ وبِالنَّصْبِ، وجْهُ الرَّفْعِ ”ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ“ مُسَخَّرَةً أوْ سُخِّرَتْ ”لِسُلَيْمانَ الرِّيحُ“ ووَجْهُ النَّصْبِ ”ولِسُلَيْمانَ“ سَخَّرْنا ”الرِّيحَ“ ولِلرَّفْعِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يُقالَ: مَعْناهُ: ”ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ“ كَما يُقالُ لِزَيْدٍ الدّارُ، وذَلِكَ لِأنَّ الرِّيحَ كانَتْ لَهُ كالمَمْلُوكِ المُخْتَصِّ بِهِ يَأْمُرُها بِما يُرِيدُ حَيْثُ يُرِيدُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الواوُ لِلْعَطْفِ فَعَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ يَصِيرُ عَطْفًا لِجُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ وهو لا يَجُوزُ أوْ لا يَحْسُنُ فَكَيْفَ هَذا ؟ فَنَقُولُ لَمّا بَيَّنَ حالَ داوُدَ كَأنَّهُ تَعالى قالَ ما ذَكَرْنا لِداوَدَ ولِسُلَيْمانَ الرِّيحُ، وأمّا عَلى

صفحة ٢١٤
النَّصْبِ فَعَلى قَوْلِنا: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ كَأنَّهُ قالَ: وألَنّا لِداوُدَ الحَدِيدَ وسَخَّرْنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُسَخَّرُ لِسُلَيْمانَ كانَتْ رِيحًا مَخْصُوصَةً لا هَذِهِ الرِّياحُ، فَإنَّها المَنافِعُ عامَّةً في أوْقاتِ الحاجاتِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمْ يُقْرَأْ إلّا عَلى التَّوْحِيدِ فَما قَرَأ أحَدٌ: الرِّياحَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ بَعْضُ النّاسِ: المُرادُ مِن تَسْخِيرِ الجِبالِ وتَسْبِيحِها مَعَ داوُدَ أنَّها كانَتْ تُسَبِّحُ كَما يُسَبِّحُ كُلُّ شَيْءٍ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الإسراء: ٤٤]، وكانَ هو عَلَيْهِ السَّلامُ يَفْقَهُ تَسْبِيحَها فَيُسَبِّحُ، ومِن تَسْخِيرِ الرِّيحِ أنَّهُ راضَ الخَيْلَ وهي كالرِّيحِ وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ثَلاثُونَ فَرْسَخًا لِأنَّ مَن يَخْرُجُ لِلتَّفَرُّجِ في أكْثَرِ الأمْرِ لا يَسِيرُ أكْثَرَ مِن فَرْسَخٍ ويَرْجِعُ كَذَلِكَ، وقَوْلُهُ في حَقِّ داوُدَ: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ وقَوْلُهُ في حَقِّ سُلَيْمانَ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أنَّهُمُ اسْتَخْرَجُوا تَذْوِيبَ الحَدِيدِ والنُّحاسِ بِالنّارِ واسْتِعْمالَ الآلاتِ مِنهُما، والشَّياطِينَ أيْ أُناسًا أقْوِياءَ وهَذا كُلُّهُ فاسِدٌ حَمَلَهُ عَلى هَذا ضَعْفُ اعْتِقادِهِ [ و] عَدَمُ اعْتِمادِهِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ واللَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ مُمْكِنٍ وهَذِهِ أشْياءُ مُمْكِنَةٌ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: أقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأنبياء: ٧٩] وقَوْلُهُ: ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً﴾ لَوْ قالَ قائِلٌ ما الحِكْمَةُ في أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في الأنْبِياءِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وفي هَذِهِ السُّورَةِ قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ وقالَ في الرِّيحِ هُناكَ وهَهُنا: ‏‏‏‏‏‏‏ ؟ نَقُولُ الجِبالُ لَمّا سَبَّحَتْ شَرُفَتْ بِذِكْرِ اللَّهِ فَلَمْ يُضِفْها إلى داوُدَ بِلامِ المِلْكِ بَلْ جَعَلَها مَعَهُ كالمُصاحِبِ، والرِّيحُ لَمْ يُذْكَرْ فِيها أنَّها سَبَّحَتْ فَجَعَلَها كالمَمْلُوكَةِ لَهُ وهَذا حَسَنٌ وفِيهِ أمْرٌ آخَرُ مَعْقُولٌ يَظْهَرُ لِي وهو أنَّ عَلى قَوْلِنا: ‏‏‏ ‏‏‏‏ سِيرِي فالجَبَلُ في السَّيْرِ لَيْسَ أصْلًا بَلْ هو يَتَحَرَّكُ مَعَهُ تَبَعًا، والرِّيحُ لا تَتَحَرَّكُ مَعَ سُلَيْمانَ بَلْ تُحَرِّكُ سُلَيْمانَ مَعَ نَفْسِها، فَلَمْ يَقُلِ: الرِّيحُ مَعَ سُلَيْمانَ، بَلْ سُلَيْمانُ كانَ مَعَ الرِّيحِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيِ النُّحاسِ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ سَخَّرَنا لَهُ مِنَ الجِنِّ، وهَذا يُنْبِئُ عَنْ أنَّ جَمِيعَهم ما كانُوا تَحْتَ أمْرِهِ وهو الظّاهِرُ.

واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ ثَلاثَةَ أشْياءَ في حَقِّ داوُدَ وثَلاثَةً في حَقِّ سُلَيْمانَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فالجِبالُ المُسَخَّرَةُ لِداوُدَ مِن جِنْسِ تَسْخِيرِ الرِّيحِ لِسُلَيْمانَ، وذَلِكَ لِأنَّ الثَّقِيلَ مَعَ ما هو أخَفُّ مِنهُ إذا تَحَرَّكا يَسْبِقُ الخَفِيفُ الثَّقِيلَ ويَبْقى الثَّقِيلُ مَكانَهُ، لَكِنَّ الجِبالَ كانَتْ أثْقَلَ مِنَ الآدَمِيِّ والآدَمِيُّ أثْقَلُ مِنَ الرِّيحِ فَقَدَّرَ اللَّهُ أنْ سارَ الثَّقِيلُ مَعَ الخَفِيفِ أيِ الجِبالُ مَعَ داوُدَ عَلى ما قُلْنا: ﴿أوِّبِي﴾ أيْ سِيرِي، وسُلَيْمانُ وجُنُودُهُ مَعَ الرِّيحِ، الثَّقِيلُ مَعَ الخَفِيفِ أيْضًا، والطَّيْرُ مِن جِنْسِ تَسْخِيرِ الجِنِّ لِأنَّهُما لا يَجْتَمِعانِ مَعَ الإنْسانِ: الطَّيْرُ لِنُفُورِهِ مِنَ الإنْسِ، والإنْسُ لِنُفُورِهِ مِنَ الجِنِّ، فَإنَّ الإنْسانَ يَتَّقِي مَواضِعَ الجِنِّ، والجِنُّ يَطْلُبُ أبَدًا اصْطِيادَ الإنْسانِ، والإنْسانُ يَطْلُبُ اصْطِيادَ الطَّيْرِ، فَقَدَّرَ اللَّهُ أنْ صارَ الطَّيْرُ لا يَنْفِرُ مِن داوُدَ بَلْ يَسْتَأْنِسُ بِهِ ويَطْلُبُهُ، وسُلَيْمانُ لا يَنْفِرُ مِنَ الجِنِّ بَلْ يُسَخِّرُهُ ويَسْتَخْدِمُهُ، وأمّا القِطْرُ والحَدِيدُ فَتَجاذُبُهُما غَيْرُ خَفِيٍّ (وهَهُنا لَطِيفَةٌ): وهي أنَّ الآدَمِيَّ يَنْبَغِي أنْ يَتَّقِيَ الجِنَّ ويَجْتَنِبَهُ، والِاجْتِماعُ بِهِ يُفْضِي إلى المَفْسَدَةِ ولِهَذا قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨] فَكَيْفَ طَلَبَ سُلَيْمانُ الِاجْتِماعَ بِهِمْ ؟ فَنَقُولُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ الحُضُورَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَفْسَدَةٌ (ولَطِيفَةٌ أُخْرى) وهي أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ هَهُنا: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بِلَفْظِ الرَّبِّ وقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ولَمْ يَقُلْ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الرَّبَّ لَفْظٌ يُنْبِئُ عَنِ الرَّحْمَةِ، فَعِنْدَما كانَتِ الإشارَةُ إلى حِفْظِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ‏‏‏‏‏ وعِنْدَما كانَتِ الإشارَةُ إلى

صفحة ٢١٥
تَعْذِيبِهِمْ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ بِلَفْظِ التَّعْظِيمِ المُوجِبِ لِزِيادَةِ الخَوْفِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فِيهِ وجْهانِ:
أحَدُهُما: أنَّ المَلائِكَةَ كانُوا مُوَكَّلِينَ بِهِمْ وبِأيْدِيهِمْ مَقارِعُ مِن نارٍ فالإشارَةُ إلَيْهِ.

وثانِيهِما: أنَّ السَّعِيرَ هو ما يَكُونُ في الآخِرَةِ فَأوْعَدَهم بِما في الآخِرَةِ مِنَ العَذابِ.

The same ayah, in another commentary

Sabaʾ 34:12