All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Ash-Shūrā 42:14 Juzʾ 25 Page 484

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And they did not become divided until after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. And if not for a word that preceded from your Lord [postponing the penalty] until a specified time, it would have been concluded between them. And indeed, those who were granted inheritance of the Scripture after them are, concerning it, in disquieting doubt.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا عَظَّمَ وحْيَهُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِقَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشُّورى: ٣] ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تَفْصِيلَ ذَلِكَ، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ والمَعْنى: شَرَعَ لَكم يا أصْحابَ مُحَمَّدٍ مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا ومُحَمَّدًا وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى، هَذا هو المَقْصُودُ مِن لَفْظِ الآيَةِ، وإنَّما خَصَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ الخَمْسَةَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهم أكابِرُ الأنْبِياءِ وأصْحابُ الشَّرائِعِ العَظِيمَةِ والأتْباعِ الكَثِيرَةِ، إلّا أنَّهُ بَقِيَ في لَفْظِ الآيَةِ إشْكالاتٌ.

أحَدُها: أنَّهُ قالَ في أوَّلِ الآيَةِ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏، وفي آخِرِها ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، وفي الوَسَطِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ فَما الفائِدَةُ في هَذا التَّفاوُتِ ؟

وثانِيها: أنَّهُ ذَكَرَ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى سَبِيلِ الغَيْبَةِ فَقالَ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ والقِسْمَيْنِ الباقِيَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّكَلُّمِ، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

وثالِثُها: أنَّهُ يَصِيرُ تَقْدِيرُ الآيَةِ: شَرَعَ اللَّهُ لَكم مِنَ الدِّينِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ، فَقَوْلُهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏ خِطابُ الغَيْبَةِ، وقَوْلُهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ خِطابُ الحُضُورِ، فَهَذا يَقْتَضِي الجَمْعَ بَيْنَ خِطابِ الغَيْبَةِ وخِطابِ الحُضُورِ في الكَلامِ الواحِدِ بِالِاعْتِبارِ الواحِدِ، وهو مُشْكِلٌ، فَهَذِهِ المَضايِقُ يَجِبُ البَحْثُ عَنْها، والقَوْمُ ما دارُوا حَوْلَها، وبِالجُمْلَةِ فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ يُقالُ شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ دِينًا تَطابَقَتِ الأنْبِياءُ عَلى صِحَّتِهِ، وأقُولُ: يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا الدِّينِ شَيْئًا مُغايِرًا لِلتَّكالِيفِ والأحْكامِ، وذَلِكَ لِأنَّها مُخْتَلِفَةٌ مُتَفاوِتَةٌ، قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [المائِدَةِ: ٤٨]

صفحة ١٣٥
فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الأُمُورَ الَّتِي لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ، وهي الإيمانُ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، والإيمانُ يُوجِبُ الإعْراضَ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالَ عَلى الآخِرَةِ والسَّعْيَ في مَكارِمِ الأخْلاقِ والِاحْتِرازَ عَنْ رَذائِلِ الأحْوالِ، ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ لا تَتَفَرَّقُوا بِالآلِهَةِ الكَثِيرَةِ، كَما قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [يُوسُفَ: ٣٩] وقالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الأنْبِياءِ: ٢٥] واحْتَجَّ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ في أوَّلِ الأمْرِ كانَ مَبْعُوثًا بِشَرِيعَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، والجَوابُ: ما ذَكَرْناهُ أنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ سائِرَ الأنْبِياءِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ هو الأخْذُ بِالشَّرِيعَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْها بَيْنَ الكُلِّ، ومَحَلُّ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ إمّا نَصْبُ بَدَلٍ مِن مَفْعُولِ ﴿شَرَعَ﴾ والمَعْطُوفَيْنِ عَلَيْهِ، وإمّا رَفْعٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ما ذاكَ المَشْرُوعُ ؟ فَقِيلَ: هو إقامَةُ الدِّينِ.
‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ عَظُمَ عَلَيْهِمْ وشَقَّ عَلَيْهِمْ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ مِن إقامَةِ دِينِ اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِاتِّفاقِ والإجْماعِ، بِدَلِيلِ أنَّ الكُفّارَ قالُوا ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [ص: ٥] وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: احْتَجَّ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالُوا: إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّ أكابِرَ الأنْبِياءِ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ يَجِبُ إقامَةُ الدِّينِ بِحَيْثُ لا يُفْضِي إلى الِاخْتِلافِ والتَّنازُعِ، واللَّهُ تَعالى ذَكَرَ في مَعْرِضِ المِنَّةِ عَلى عِبادِهِ أنَّهُ أرْشَدَهم إلى الدِّينِ الخالِي عَنِ التَّفَرُّقِ والمُخالَفَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ فَتْحَ بابِ القِياسِ يُفْضِي إلى أعْظَمِ أنْواعِ التَّفَرُّقِ والمُنازَعَةِ، فَإنَّ الحِسَّ شاهِدٌ بِأنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ بَنَوْا دِينَهم عَلى الأخْذِ بِالقِياسِ تَفَرَّقُوا تَفَرُّقًا لا رَجاءَ في حُصُولِ الِاتِّفاقِ بَيْنَهم إلى آخِرِ القِيامَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا مَمْنُوعًا عَنْهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الشَّرائِعَ قِسْمانِ:

مِنها ما يَمْتَنِعُ دُخُولُ النَّسْخِ والتَّغْيِيرِ فِيهِ، بَلْ يَكُونُ واجِبَ البَقاءِ في جَمِيعِ الشَّرائِعِ والأدْيانِ، كالقَوْلِ بِحُسْنِ الصِّدْقِ والعَدْلِ والإحْسانِ، والقَوْلِ بِقُبْحِ الكَذِبِ والظُّلْمِ والإيذاءِ.

ومِنها ما يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ والأدْيانِ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ سَعْيَ الشَّرْعِ في تَقْرِيرِ النَّوْعِ الأوَّلِ أقْوى مِن سَعْيِهِ في تَقْرِيرِ النَّوْعِ الثّانِي؛ لِأنَّ المُواظَبَةَ عَلى القِسْمِ الأوَّلِ مُهِمَّةٌ في اكْتِسابِ الأحْوالِ المُفِيدَةِ لِحُصُولِ السَّعادَةِ في الدّارِ الآخِرَةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ مُشْعِرٌ بِأنَّ حُصُولَ المُوافَقَةِ أمْرٌ مَطْلُوبٌ في الشَّرْعِ والعَقْلِ، وبَيانُ مَنفَعَتِهِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ لِلنُّفُوسِ تَأْثِيراتٍ، وإذا تَطابَقَتِ النُّفُوسُ وتَوافَقَتْ عَلى واحِدٍ قَوِيَ التَّأْثِيرُ.

الثّانِي: أنَّها إذا تَوافَقَتْ صارَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مُعِينًا لِلْآخَرِ في ذَلِكَ المَقْصُودِ المُعَيَّنِ، وكَثْرَةُ الأعْوانِ تُوجِبُ حُصُولَ المَقْصُودِ، أمّا إذا تَخالَفَتْ تَنازَعَتْ وتَجادَلَتْ فَضَعُفَتْ، فَلا يَحْصُلُ المَقْصُودُ.

الثّالِثُ: أنَّ حُصُولَ التَّنازُعِ ضِدُّ مَصْلَحَةِ العالَمِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُفْضِي إلى الهَرْجِ والمَرَجِ والقَتْلِ والنَّهْبِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أمَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ بِإقامَةِ الدِّينِ عَلى وجْهٍ لا يُفْضِي إلى التَّفَرُّقِ، وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنْفالِ: ٤٦] .

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ وفِيهِ وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْشَدَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ إلى التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى إنَّما أرْشَدَهم إلى هَذا الخَيْرِ؛ لِأنَّهُ اجْتَباهم واصْطَفاهم وخَصَّهم بِمَزِيدِ الرَّحْمَةِ والكَرامَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ إنَّما كَبُرَ عَلَيْهِمْ هَذا الدُّعاءُ مِنَ الرُّسُلِ لِما فِيهِ مِنَ

صفحة ١٣٦
الِانْقِيادِ لَهم تَكَبُّرًا وأنَفَةً، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ يَخُصُّ مَن يَشاءُ بِالرِّسالَةِ، ويَلْزَمُ الِانْقِيادُ لَهم، ولا يُعْتَبَرُ الحَسَبُ والنَّسَبُ والغِنى، بَلِ الكُلُّ سَواءٌ في أنَّهُ يَلْزَمُهُمُ اتِّباعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ اجْتَباهُمُ اللَّهُ تَعالى، واشْتِقاقُ لَفْظِ الِاجْتِباءِ يَدُلُّ عَلى الضَّمِّ والجَمْعِ، فَمِنهُ جَبى الخَراجَ واجْتَباهُ وجَبى الماءَ في الحَوْضِ، فَقَوْلُهُ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ يَضُمُّهُ إلَيْهِ ويُقَرِّبُهُ مِنهُ تَقْرِيبَ الإكْرامِ والرَّحْمَةِ، وقَوْلُهُ ‏‏ ‏‏‏‏ كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [العَنْكَبُوتِ: ٢١] .
* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ وهو كَما رُوِيَ في الخَبَرِ «مَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا، ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» أيْ: مَن أقْبَلَ بِطاعَتِهِ أقْبَلْتُ إلَيْهِ بِهِدايَتِي وإرْشادِي؛ بِأنْ أشْرَحَ لَهُ صَدْرَهُ وأُسَهِّلَ أمْرَهُ.
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ أمَرَ كُلَّ الأنْبِياءِ والأُمَمِ بِالأخْذِ بِالدِّينِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، كانَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: فَلِماذا نَجِدُهم مُتَفَرِّقِينَ ؟ فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِقَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي أنَّهم ما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ أنْ عَلِمُوا أنَّ الفُرْقَةَ ضَلالَةٌ، ولَكِنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ لِلْبَغْيِ وطَلَبِ الرِّياسَةِ، فَحَمَلَتْهُمُ الحَمِيَّةُ النَّفْسانِيَّةُ والأنَفَةُ الطَّبِيعِيَّةُ عَلى أنْ ذَهَبَ كُلُّ طائِفَةٍ إلى مَذْهَبٍ ودَعا النّاسُ إلَيْهِ وقَبَّحَ ما سِواهُ؛ طَلَبًا لِلذِّكْرِ والرِّياسَةِ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوعِ الِاخْتِلافِ، ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا العَذابَ بِسَبَبِ هَذا الفِعْلِ، إلّا أنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَنْهم ذَلِكَ العَذابَ، لِأنَّ لِكُلِّ عَذابٍ عِنْدَهُ أجَلًا مُسَمًّى، أيْ وقْتًا مَعْلُومًا، إمّا لِمَحْضِ المَشِيئَةِ كَما هو قَوْلُنا، أوْ لِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ الصَّلاحَ تَحْقِيقُهُ بِهِ كَما عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، والأجَلُ المُسَمّى قَدْ يَكُونُ في الدُّنْيا، وقَدْ يَكُونُ في القِيامَةِ، واخْتَلَفُوا في الَّذِينَ أُرِيدُوا بِهَذِهِ الصِّفَةِ، مَن هم ؟ فَقالَ الأكْثَرُونَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، والدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعالى في آلِ عِمْرانَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [آلِ عِمْرانَ: ١٩] وقالَ في سُورَةِ ”لَمْ يَكُنْ“ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [البَيِّنَةِ: ٤]، ولِأنَّ قَوْلَهُ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لائِقٌ بِأهْلِ الكِتابِ.

وقالَ آخَرُونَ: إنَّهم هُمُ العَرَبُ، وهَذا باطِلٌ لِلْوُجُوهِ المَذْكُورَةِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ لا يَلِيقُ بِالعَرَبِ، لِأنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الكِتابَ مِن بَعْدِهِمْ هم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ مِن كِتابِهِمْ ‏‏‏‏ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَقَّ الإيمانِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي: فَلِأجْلِ ذَلِكَ التَّفَرُّقِ ولِأجْلِ ما حَدَثَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ الكَثِيرَةِ في الدِّينِ - فادْعُ إلى الِاتِّفاقِ عَلى المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ، واسْتَقِمْ عَلَيْها وعَلى الدَّعْوَةِ إلَيْها كَما أمَرَكَ اللَّهُ، ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمُ المُخْتَلِفَةَ الباطِلَةَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ بِأيِّ كِتابٍ صَحَّ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ، يَعْنِي الإيمانَ بِجَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ؛ لِأنَّ المُتَفَرِّقِينَ آمَنُوا بِبَعْضٍ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [النِّساءِ: ١٥٠] إلى قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [النِّساءِ: ١٥١] ثُمَّ قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ في الحُكْمِ إذا تَخاصَمْتُمْ فَتَحاكَمْتُمْ إلَيَّ، قالَ القَفّالُ: مَعْناهُ: أنَّ رَبِّي أمَرَنِي أنْ لا أُفَرِّقَ بَيْنَ نَفْسِي وأنْفُسِكم بِأنْ آمُرَكم بِما لا أعْمَلُهُ، أوْ أُخالِفَكم إلى ما نَهَيْتُكم عَنْهُ، لَكِنِّي أُسَوِّي بَيْنَكم وبَيْنَ نَفْسِي، وكَذَلِكَ أُسَوِّي بَيْنَ أكابِرِكم وأصاغِرِكم فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُكْمِ اللَّهِ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏
صفحة ١٣٧
والمَعْنى أنَّ إلَهَ الكُلِّ واحِدٌ، وكُلُّ واحِدٍ مَخْصُوصٌ بِعَمَلِ نَفْسِهِ، فَوَجَبَ أنْ يَشْتَغِلَ كُلُّ واحِدٍ في الدُّنْيا بِنَفْسِهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ بَيْنَ الكُلِّ في يَوْمِ القِيامَةِ ويُجازِيهِ عَلى عَمَلِهِ، والمَقْصُودُ مِنهُ المُتارَكَةُ واشْتِغالُ كُلِّ أحَدٍ بِمُهِمِّ نَفْسِهِ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَلِيقُ بِهَذِهِ المُتارَكَةِ ما فُعِلَ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ وتَخْرِيبِ البُيُوتِ وقَطْعِ النَّخِيلِ والإجْلاءِ ؟ قُلْنا: هَذِهِ المُتارَكَةُ كانَتْ مَشْرُوطَةً بِشَرْطِ أنْ يَقْبَلُوا الدِّينَ المُتَّفَقَ عَلى صِحَّتِهِ بَيْنَ كُلِّ الأنْبِياءِ، ودَخَلَ فِيهِ التَّوْحِيدُ وتَرْكُ عِبادَةِ الأصْنامِ والإقْرارُ بِنُبُوَّةِ الأنْبِياءِ وبِصِحَّةِ البَعْثِ والقِيامَةِ، فَلَمّا لَمْ يَقْبَلُوا هَذا الدِّينَ، فَحِينَئِذٍ فاتَ الشَّرْطُ، فَلا جَرَمَ فاتَ المَشْرُوطُ.
* * *
واعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ تَحْرِيمَ ما يَجْرِي مَجْرى مُحاجَّتِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ هَذا الكَلامَ مَذْكُورٌ في مَعْرِضِ المُحاجَّةِ، فَلَوْ كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَحْرِيمُ المُحاجَّةِ، لَزِمَ كَوْنُها مُحَرَّمَةً لِنَفْسِها، وهو مُتَناقِضٌ.

والثّانِي: أنَّهُ لَوْلا الأدِلَّةُ لَما تَوَجَّهَ التَّكْلِيفُ.

الثّالِثُ: أنَّ الدَّلِيلَ يُفِيدُ العِلْمَ، وذَلِكَ لا يُمْكِنُ تَحْرِيمُهُ، بَلِ المُرادُ أنَّ القَوْمَ عَرَفُوا بِالحُجَّةِ صِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإنَّما تَرَكُوا تَصْدِيقَهُ بَغْيًا وعِنادًا، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ قَدْ حَصَلَ الِاسْتِغْناءُ عَنْ مُحاجَّتِهِمْ؛ لِأنَّهم عَرَفُوا بِالحُجَّةِ صِدْقَهُ، فَلا حاجَةَ مَعَهم إلى المُحاجَّةِ البَتَّةَ، ومِمّا يُقَوِّي قَوْلَنا: إنَّهُ لا يَجُوزُ تَحْرِيمُ المُحاجَّةِ - قَوْلُهُ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ [النَّحْلِ: ١٢٥]، وقَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [العَنْكَبُوتِ: ٤٦]، وقَوْلُهُ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [هُودٍ: ٣٢]، وقَوْلُهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنْعامِ: ٨٣] .

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ أيْ: يُخاصِمُونَ في دِينِهِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ أيْ مِن بَعْدِ ما اسْتَجابَ النّاسُ لِذَلِكَ الدِّينِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ باطِلَةٌ، وتِلْكَ المُخاصَمَةُ هي أنَّ اليَهُودَ، قالُوا: ألَسْتُمْ تَقُولُونَ: إنَّ الأخْذَ بِالمُتَّفَقِ أوْلى مِنَ الأخْذِ بِالمُخْتَلَفِ ؟ فَنُبُوَّةُ مُوسى وحَقِّيَّةُ التَّوْراةِ مَعْلُومَةٌ بِالِاتِّفاقِ، ونُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ لَيْسَتْ مُتَّفَقًا عَلَيْها، فَإذا بَنَيْتُمْ كَلامَكم في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الأخْذَ بِالمُتَّفَقِ أوْلى - وجَبَ أنْ يَكُونَ الأخْذُ بِاليَهُودِيَّةِ أوْلى، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّ هَذِهِ الحُجَّةَ داحِضَةٌ، أيْ باطِلَةٌ فاسِدَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ اليَهُودَ أطْبَقُوا عَلى أنَّهُ إنَّما وجَبَ الإيمانُ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأجْلِ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ عَلى وفْقِ قَوْلِهِ، وهَهُنا ظَهَرَتِ المُعْجِزاتُ عَلى وفْقِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، واليَهُودُ شاهَدُوا تِلْكَ المُعْجِزاتِ، فَإنْ كانَ ظُهُورُ المُعْجِزَةِ يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ، فَهَهُنا يَجِبُ الِاعْتِرافُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وإنْ كانَ لا يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ وجَبَ في حَقِّ مُوسى أنْ لا يُقِرُّوا بِنُبُوَّتِهِ. وأمّا الإقْرارُ بِنُبُوَّةِ مُوسى والإصْرارُ عَلى إنْكارِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ مَعَ اسْتِوائِهِما في ظُهُورِ المُعْجِزَةِ يَكُونُ مُتَناقِضًا. ولَمّا قَرَّرَ اللَّهُ هَذِهِ الدَّلائِلَ خَوَّفَ المُنْكِرِينَ بِعَذابِ القِيامَةِ، فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى أنْزَلَ الكِتابَ المُشْتَمِلَ عَلى أنْواعِ الدَّلائِلِ والبَيِّناتِ، وأنْزَلَ المِيزانَ وهو الفَصْلُ الَّذِي هو القِسْطاسُ المُسْتَقِيمُ، وأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ القِيامَةَ مَتى تُفاجِئُهم. ومَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، وجَبَ عَلى العاقِلِ أنْ يَجِدَّ ويَجْتَهِدَ في النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، ويَتْرُكَ طَرِيقَةَ أهْلِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ، ولَمّا كانَ الرَّسُولُ يُهَدِّدُهم بِنُزُولِ القِيامَةِ، وأكْثَرَ في ذَلِكَ، وأنَّهم ما رَأوْا مِنهُ أثَرًا قالُوا عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ: فَمَتى تَقُومُ القِيامَةُ، ولَيْتَها قامَتْ حَتّى يَظْهَرَ لَنا أنَّ الحَقَّ ما نَحْنُ عَلَيْهِ أوِ الَّذِي عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ، فَلِدَفْعِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ والمَعْنى ظاهِرٌ، وإنَّما يُشْفِقُونَ ويَخافُونَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ عِنْدَها تَمْتَنِعُ التَّوْبَةُ، وأمّا مُنْكِرُ البَعْثِ فَلِأنْ لا يَحْصُلَ لَهُ هَذا الخَوْفُ.

صفحة ١٣٨
ثُمَّ قالَ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ والمُماراةُ المُلاجَّةُ، قالَ الزَّجّاجُ: الَّذِينَ تَدْخُلُهُمُ المِرْيَةُ والشَّكُّ في وُقُوعِ السّاعَةِ، فَيُمارُونَ فِيها ويَجْحَدُونَ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ لِأنَّ اسْتِيفاءَ حَقِّ المَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ واجِبٌ في العَدْلِ، فَلَوْ لَمْ تَحْصُلِ القِيامَةُ لَزِمَ إسْنادُ الظُّلْمِ إلى اللَّهِ تَعالى، وهَذا مِن أمْحَلِ المُحالاتِ، فَلا جَرَمَ كانَ إنْكارُ القِيامَةِ ضَلالًا بَعِيدًا.
* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ كَثِيرُ الإحْسانِ بِهِمْ، وإنَّما حَسُنَ ذِكْرُ هَذا الكَلامِ هَهُنا؛ لِأنَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِمُ الكِتابَ المُشْتَمِلَ عَلى هَذِهِ الدَّلائِلِ اللَّطِيفَةِ، فَكانَ ذَلِكَ مِن لُطْفِ اللَّهِ بِعِبادِهِ، وأيْضًا المُتَفَرِّقُونَ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ الشَّدِيدَ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخَّرَ عَنْهم ذَلِكَ العَذابَ، فَكانَ ذَلِكَ أيْضًا مِن لُطْفِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمّا سَبَقَ ذِكْرُ إيصالِ أعْظَمِ المَنافِعِ إلَيْهِمْ ودَفْعِ أعْظَمِ المَضارِّ عَنْهم، لا جَرَمَ حَسُنَ ذِكْرُهُ هَهُنا، ثُمَّ قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي أنَّ أصْلَ الإحْسانِ والبِرِّ عامٌّ في حَقِّ كُلِّ العِبادِ، وذَلِكَ هو الإحْسانُ بِالحَياةِ والعَقْلِ والفَهْمِ، وإعْطاءِ ما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ الرِّزْقِ، ودَفْعِ أكْثَرِ الآفاتِ والبَلِيّاتِ عَنْهم، فَأمّا مَراتِبُ العَطِيَّةِ والبَهْجَةِ فَمُتَفاوِتَةٌ مُخْتَلِفَةٌ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيِ القادِرُ عَلى كُلِّ ما يَشاءُ ﴿العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يُغالَبُ ولا يُدافَعُ.

The same ayah, in another commentary

Ash-Shūrā 42:14