All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Muḥammad 47:12 Juzʾ 26 Page 508

‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

Indeed, Allah will admit those who have believed and done righteous deeds to gardens beneath which rivers flow, but those who disbelieve enjoy themselves and eat as grazing livestock eat, and the Fire will be a residence for them.

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ .

صفحة ٤٥
لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى حالَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ في الدُّنْيا بَيَّنَ حالَهم في الآخِرَةِ وقالَ: إنَّهُ يُدْخِلُ المُؤْمِنَ الجَنَّةَ والكافِرَ النّارَ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: كَثِيرًا ما يَقْتَصِرُ اللَّهُ عَلى ذِكْرِ الأنْهارِ في وصْفِ الجَنَّةِ؛ لِأنَّ الأنْهارَ يَتْبَعُها الأشْجارُ، والأشْجارُ تَتْبَعُها الثِّمارُ ولِأنَّهُ سَبَبُ حَياةِ العالَمِ، والنّارُ سَبَبُ الإعْدامِ، ولِلْمُؤْمِنِ الماءُ يَنْظُرُ إلَيْهِ ويَنْتَفِعُ بِهِ، ولِلْكافِرِ النّارُ يَتَقَلَّبُ فِيها ويَتَضَرَّرُ بِها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ صِلَةً مَعْناهُ تَجْرِي تَحْتَها الأنْهارُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ ماءَها مِنها لا يَجْرِي إلَيْها مِن مَوْضِعٍ آخَرَ، فَيُقالُ: هَذا النَّهْرُ مَنبَعُهُ مِن أيْنَ ؟ يُقالُ: مِن عَيْنِ كَذا مِن تَحْتِ جَبَلِ كَذا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ خَصَّهم بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ المُؤْمِنَ أيْضًا لَهُ التَّمَتُّعُ بِالدُّنْيا وطَيِّباتِها، نَقُولُ: مَن يَكُونُ لَهُ مُلْكٌ عَظِيمٌ ويَمْلِكُ شَيْئًا يَسِيرًا أيْضًا لا يُذْكَرُ إلّا بِالمُلْكِ العَظِيمِ، يُقالُ في حَقِّ المَلِكِ العَظِيمِ صاحِبُ الضَّيْعَةِ الفُلانِيَّةِ ومَن لا يَمْلِكُ إلّا شَيْئًا يَسِيرًا فَلا يُذْكَرُ إلّا بِهِ، فالمُؤْمِنُ لَهُ مُلْكُ الجَنَّةِ فَمَتاعُ الدُّنْيا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ في حَقِّهِ والكافِرُ لَيْسَ لَهُ إلّا الدُّنْيا.

ووَجْهٌ آخَرُ: الدُّنْيا لِلْمُؤْمِنِ سِجْنٌ كَيْفَ كانَ، ومَن يَأْكُلُ في السِّجْنِ لا يُقالُ إنَّهُ يَتَمَتَّعُ، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ تَكُونُ الدُّنْيا سِجْنًا مَعَ ما فِيها مِنَ الطَّيِّباتِ ؟ نَقُولُ لِلْمُؤْمِنِ في الآخِرَةِ طَيِّباتٌ مُعَدَّةٌ وإخْوانٌ مُكْرَمُونَ نِسْبَتُها ونِسْبَتُهم إلى الدُّنْيا ومَن فِيها تَتَبَيَّنُ بِمِثالٍ، وهو أنَّ مَن يَكُونُ لَهُ بُسْتانٌ فِيهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ الطَّيِّبَةِ في غايَةِ اللَّذَّةِ وأنْهارٌ جارِيَةٌ في غايَةِ الصَّفاءِ ودُورٌ وغُرَفٌ في غايَةِ الرِّفْعَةِ وأوْلادُهُ فِيها، وهو قَدْ غابَ عَنْهم سِنِينَ ثُمَّ تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ وهم فِيها، فَلَمّا قَرُبَ مِنهم عُوِّقَ في أجَمَةٍ فِيها مِن بَعْضِ الثِّمارِ العَفْصَةِ والمِياهِ الكَدِرَةِ، وفِيها سِباعٌ وحَشَراتٌ كَثِيرَةٌ، فَهَلْ يَكُونُ حالُهُ فِيها كَحالِ مَسْجُونٍ في بِئْرٍ مُظْلِمَةٍ وفي بَيْتٍ خَرابٍ أمْ لا ؟ وهَلْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لَهُ: اتْرُكْ ما هو لَكَ وتَعَلَّلْ بِهَذِهِ الثِّمارِ وهَذِهِ الأنْهارِ أمْ لا ؟

كَذَلِكَ حالُ المُؤْمِنِ، وأمّا الكافِرُ فَحالُهُ كَحالِ مَن يُقَدَّمُ إلى القَتْلِ فَيَصْبِرُ عَلَيْهِ أيّامًا في مِثْلِ تِلْكَ الأجَمَةِ الَّتِي ذَكَرْناها، يَكُونُ في جَنَّةٍ ؟ ونِسْبَةُ الدُّنْيا إلى الجَنَّةِ والنّارِ دُونَ ما ذَكَرْنا مِنَ المِثالِ، لَكِنَّهُ يُنْبِئُ ذا البالِ عَنْ حَقِيقَةِ الحالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحُدُها: أنَّ الأنْعامَ يُهِمُّها الأكْلُ لا غَيْرُ، والكافِرُ كَذَلِكَ والمُؤْمِنُ يَأْكُلُ لِيَعْمَلَ صالِحًا ويَقْوى عَلَيْهِ.

وثانِيها: الأنْعامُ لا تَسْتَدِلُّ بِالمَأْكُولِ عَلى خالِقِها والكافِرُ كَذَلِكَ.

وثالِثُها: الأنْعامُ تُعْلَفُ لِتَسْمُنَ وهي غافِلَةٌ عَنِ الأمْرِ، لا تَعْلَمُ أنَّها كُلَّما كانَتْ أسْمَنَ كانَتْ أقْرَبَ إلى الذَّبْحِ والهَلاكِ، وكَذَلِكَ الكافِرُ، ويُناسِبُ ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ .

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ في حَقِّ المُؤْمِنِ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ بِصِيغَةِ الوَعْدِ، وقالَ في حَقِّ الكافِرِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ بِصِيغَةٍ تُنْبِئُ عَنِ الِاسْتِحْقاقِ، لِما ذَكَرْنا أنَّ الإحْسانَ لا يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ عَنِ اسْتِحْقاقٍ، فالمُحْسِنُ إلى مَن لَمْ يُوجَدْ مِنهُ ما يُوجِبُ الإحْسانَ كَرِيمٌ، والمُعَذِّبُ مِن غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ ظالِمٌ.

* * *

صفحة ٤٦
: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏
لَمّا ضَرَبَ اللَّهُ تَعالى لَهم مَثَلًا بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ولَمْ يَنْفَعْهم مَعَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلائِلِ ضَرَبَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ مَثَلًا تَسْلِيَةً لَهُ فَقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وكانُوا أشَدَّ مِن أهْلِ مَكَّةَ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِهِمْ، فاصْبِرْ كَما صَبَرَ رُسُلُهم، وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَيْفَ قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ مَعَ أنَّ الإهْلاكَ ماضٍ، وقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ لِلْحالِ والِاسْتِقْبالِ ؟ والجَوابُ أنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى الحِكايَةِ والحِكايَةُ كالحالِ الحاضِرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: أهْلَكْناهم في الدُّنْيا فَلا ناصِرَ لَهم يَنْصُرُهم ويُخَلِّصُهم مِنَ العَذابِ الَّذِي هم فِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ عائِدٌ إلى أهْلِ قَرْيَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ كَأنَّهُ قالَ: أهْلَكْنا مَن تَقَدَّمَ أهْلَ قَرْيَتِكَ ولا ناصِرَ لِأهْلِ قَرْيَتِكَ يَنْصُرُهم ويُخَلِّصُهم مِمّا جَرى عَلى الأوَّلِينَ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى الفَرْقِ بَيْنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ والكُفّارِ لِيَعْلَمَ أنَّ إهْلاكَ الكُفّارِ ونُصْرَةَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ في الدُّنْيا مُحَقَّقٌ، وأنَّ الحالَ يُناسِبُ تَعْذِيبَ الكافِرِ وإثابَةَ المُؤْمِنِ، وقَوْلُهُ: ‏ ‏‏‏‏ فَرْقٌ فارِقٌ، وقَوْلُهُ: (مِن رَبِّهِ) مُكَمِّلٌ لَهُ، وذَلِكَ أنَّ البَيِّنَةَ إذا كانَتْ نَظَرِيَّةً تَكُونُ كافِيَةً لِلْفَرْقِ بَيْنَ المُتَمَسِّكِ بِها وبَيْنَ القائِلِ قَوْلًا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، فَإذا كانَتِ البَيِّنَةُ مُنَزَّلَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى تَكُونُ أقْوى وأظْهَرَ فَتَكُونُ أعْلى وأبْهَرَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ قَوْلُهُ: (مِن رَبِّهِ) لَيْسَ المُرادُ إنْزالَها مِنهُ بَلِ المُرادُ كَوْنُها مِنَ الرَّبِّ بِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٢] وقَوْلُنا الهِدايَةُ مِنَ اللَّهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَرْقٌ فارِقٌ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ تَكْمِلَةٌ. وذَلِكَ أنَّ مَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وراجَتِ الشُّبْهَةُ عَلَيْهِ في مُقابَلَةِ مَن يَتَبَيَّنُ لَهُ البُرْهانُ وقَبِلَهُ، لَكِنَّ مَن راجَتِ الشُّبْهَةُ عَلَيْهِ قَدْ يَتَفَكَّرُ في الأمْرِ ويَرْجِعُ إلى الحَقِّ، فَيَكُونُ أقْرَبَ إلى مَن هو عَلى البُرْهانِ، وقَدْ يَتَّبِعُ هَواهُ ولا يَتَدَبَّرُ في البُرْهانِ ولا يَتَفَكَّرُ في البَيانِ فَيَكُونُ في غايَةِ البُعْدِ، فَإذَنْ حَصَلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُؤْمِنُ مَعَ الكافِرِ في طَرَفَيِ التَّضادِّ وغايَةِ التَّباعُدِ حَتّى مَدَّهم بِالبَيِّنَةِ، والكافِرُ لَهُ الشُّبْهَةُ وهو مَعَ اللَّهِ وأُولَئِكَ مَعَ الهَوى وعَلى قَوْلِنا: (مِن رَبِّهِ) مَعْناهُ الإضافَةُ إلى اللَّهِ، كَقَوْلِنا الهِدايَةُ مِنَ اللَّهِ، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ مَعَ ذَلِكَ القَوْلِ يُفِيدُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النِّساءِ: ٧٩] وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بِصِيغَةِ التَّوْحِيدِ مَحْمُولٌ عَلى لَفْظَةِ مَن، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ مَحْمُولٌ عَلى مَعْناهُ فَإنَّها لِلْجَمِيعِ والعُمُومِ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّزْيِينَ لِلْكُلِّ عَلى حَدٍّ واحِدٍ فَحُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لِقُرْبِهِ مِنهُ في الحِسِّ والذِّكْرِ، وعِنْدَ اتِّباعِ الهَوى كُلُّ أحَدٍ يَتَّبِعُ هَوى نَفْسِهِ، فَظَهَرَ التَّعَدُّدُ فَحُمِلَ عَلى المَعْنى.

The same ayah, in another commentary

Muḥammad 47:12