All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Muḥammad 47:15 Juzʾ 26 Page 508

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Is the description of Paradise, which the righteous are promised, wherein are rivers of water unaltered, rivers of milk the taste of which never changes, rivers of wine delicious to those who drink, and rivers of purified honey, in which they will have from all [kinds of] fruits and forgiveness from their Lord, like [that of] those who abide eternally in the Fire and are given to drink scalding water that will sever their intestines?

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ .

لَمّا بَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في الِاهْتِداءِ والضَّلالِ بَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَهُما في مَرْجِعِهِما ومَآلِهِما، وكَما قَدَّمَ ”مَن“ عَلى ”البَيِّنَةِ“ في الذِّكْرِ عَلى مَنِ اتَّبَعَ هَواهُ، قَدَّمَ حالَهُ في مَآلِهِ عَلى حالِ مَن هو بِخِلافِ حالِهِ، وفي التَّفْسِيرِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ يَسْتَدْعِي أمْرًا يُمَثِّلُ بِهِ فَما هو ؟ نَقُولُ فِيهِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: قَوْلُ سِيبَوَيْهِ حَيْثُ قالَ: المَثَلُ هو الوَصْفُ مَعْناهُ وصْفُ الجَنَّةِ، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي مُمَثَّلًا بِهِ، وعَلى هَذا فَفِيهِ احْتِمالانِ أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَحْذُوفًا ويَكُونَ ”مَثَلُ الجَنَّةِ“ مُبْتَدَأً تَقْدِيرُهُ فِيما قَصَصْناهُ مَثَلُ الجَنَّةِ، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ ويَقُولُ: ”فِيها أنْهارٌ“، وكَذَلِكَ القَوْلُ في سُورَةِ الرَّعْدِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٢٥] ابْتِداءَ بَيانٍ.

والِاحْتِمالُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ ”فِيها أنْهارٌ“ وقَوْلُهُ: ”تَجْرِي مِن تَحْتِها“ خَبَرًا، كَما يُقالُ: صِفْ لِي زَيْدًا، فَيَقُولُ القائِلُ: زَيْدٌ أحْمَرُ قَصِيرٌ، والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المَثَلَ زِيادَةٌ والتَّقْدِيرُ: الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أنْهارٌ.

الوَجْهُ الثّانِي: هَهُنا المُمَثَّلُ بِهِ مَحْذُوفٌ غَيْرُ مَذْكُورٍ وهو يَحْتَمِلُ قَوْلَيْنِ أحَدُهُما: قالَ الزَّجّاجُ حَيْثُ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ جَنَّةٌ تَجْرِي: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ كَما يُقالُ مَثَلُ زَيْدٍ رَجُلٌ طَوِيلٌ أسْمَرُ فَيَذْكُرُ عَيْنَ صِفاتِ زَيْدٍ في رَجُلٍ مُنْكَرٍ لا يَكُونُ هو في الحَقِيقَةِ إلّا زَيْدًا.

الثّانِي: مِنَ القَوْلَيْنِ هو أنْ يُقالَ مَعْناهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ مَثَلٌ عَجِيبٌ، أوْ شَيْءٌ عَظِيمٌ أوْ مِثْلُ ذَلِكَ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا مُحَقِّقًا لِقَوْلِنا: مَثَلٌ عَجِيبٌ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: المُمَثَّلُ بِهِ مَذْكُورٌ وهو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ حَيْثُ قالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [مُحَمَّدٍ: ١٥] مُشَبَّهٌ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ، وحِينَئِذٍ فَهَذا كَقَوْلِ القائِلِ حَرَكاتُ زَيْدٍ أوْ أخْلاقُهُ كَعَمْرٍو، وكَذَلِكَ عَلى أحَدِ التَّأْوِيلَيْنِ، إمّا عَلى تَأْوِيلِ كَحَرَكاتِ عَمْرٍو أوْ عَلى تَأْوِيلِ زَيْدٌ في حَرَكاتِهِ كَعَمْرٍو، وكَذَلِكَ هَهُنا كَأنَّهُ تَعالى قالَ: مَثَلُ الجَنَّةِ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ، وهَذا أقْصى ما يُمْكِنُ أنْ يُقَرَّرُ بِهِ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وما بَعْدَ هَذا جُمَلٌ اعْتِراضِيَّةٌ وقَعَتْ بَيْنَ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ كَما يُقالُ: نَظِيرُ زَيْدٍ فِيهِ مُرُوءَةٌ وعِنْدَهُ عِلْمٌ ولَهُ أصْلُ عَمْرٍو.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ .
اخْتارَ الأنْهارَ مِنَ الأجْناسِ الأرْبَعَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ المَشْرُوبَ إمّا أنْ يُشْرَبَ لِطَعْمِهِ، وإمّا أنْ يُشْرَبَ لِأمْرٍ غَيْرِ عائِدٍ إلى الطَّعْمِ، فَإنْ كانَ لِلطَّعْمِ فالطُّعُومُ تِسْعَةٌ: المُرُّ والمالِحُ والحِرِّيفُ والحامِضُ والعَفِصُ والقابِضُ والتَّفِهُ والحُلْوُ والدَّسِمُ؛ ألَذُّها الحُلْوُ والدَّسِمُ، لَكِنْ أحْلى الأشْياءِ العَسَلُ فَذَكَرَهُ، وأمّا أدْسَمُ الأشْياءِ فالدُّهْنُ، لَكِنَّ الدُّسُومَةَ إذا تَمَحَّضَتْ لا تَطِيبُ لِلْأكْلِ ولا لِلشُّرْبِ، فَإنَّ الدُّهْنَ لا يُؤْكَلُ ولا يُشْرَبُ كَما هو في الغالِبِ وأمّا اللَّبَنُ فِيهِ الدَّسَمُ الكائِنُ في غَيْرِهِ وهو طَيِّبٌ لِلْأكْلِ وبِهِ تَغْذِيَةُ الحَيَوانِ أوَّلًا فَذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، وأمّا ما يُشْرَبُ لا

صفحة ٤٨
لِأمْرٍ عائِدٍ إلى الطَّعْمِ فالماءُ والخَمْرُ فَإنَّ الخَمْرَ فِيها أمْرٌ يَشْرَبُها الشّارِبُ لِأجْلِهِ، وهي كَرِيهَةُ الطَّعْمِ بِاتِّفاقِ مَن يَشْرَبُها وحُصُولِ التَّواتُرِ بِهِ، ثُمَّ عَرّى كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأشْياءِ الأرْبَعَةِ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ الَّتِي هي فِيها وتَتَغَيَّرُ بِها الدُّنْيا، فالماءُ يَتَغَيَّرُ، يُقالُ: أسِنَ الماءُ يَأْسَنُ عَلى وزْنِ أمِنَ يَأْمَنُ فَهو آسِنٌ، وأسِنَ اللَّبَنُ إذا بَقِيَ زَمانًا تَغَيَّرَ طَعْمُهُ، والخَمْرُ يَكْرَهُهُ الشّارِبُ عِنْدَ الشُّرْبِ، والعَسَلُ يَشُوبُهُ أجْزاءٌ مِنَ الشَّمْعِ ومِنَ النَّحْلِ يَمُوتُ فِيهِ كَثِيرًا، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَطَ الجِنْسَيْنِ فَذَكَرَ الماءَ الَّذِي يُشْرَبُ لا لِلطَّعْمِ وهو عامُّ الشُّرْبِ، وقَرَنَ بِهِ اللَّبَنَ الَّذِي يُشْرَبُ لِطَعْمِهِ وهو عامُّ الشُّرْبِ إذْ ما مِن أحَدٍ إلّا وكانَ شُرْبُهُ اللَّبَنَ، ثُمَّ ذَكَرَ الخَمْرَ الَّذِي يُشْرَبُ لا لِلطَّعْمِ وهو قَلِيلُ الشُّرْبِ، وقَرَنَ بِهِ العَسَلَ الَّذِي يُشْرَبُ لِلطَّعْمِ وهو قَلِيلُ الشُّرْبِ، فَإنْ قِيلَ: العَسَلُ لا يُشْرَبُ، نَقُولُ شَرابُ الجُلّابِ لَمْ يَكُنْ إلّا مِنَ العَسَلِ والسُّكَّرِ قَرِيبُ الزَّمانِ، ألا تَرى أنِ السَّكَنْجَبِينَ مِن ”سركه وانكبين“ وهو الخَلُّ والعَسَلُ بِالفارِسِيَّةِ كَما أنَّ اسْتِخْراجَهُ كانَ أوَّلًا مِنَ الخَلِّ والعَسَلِ ولَمْ يُعْرَفِ السُّكَّرُ إلّا في زَمانٍ مُتَأخِّرٍ، ولِأنَّ العَسَلَ اسْمٌ يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ عَسَلِ النَّحْلِ حَتّى يُقالَ: عَسَلُ النَّحْلِ لِلتَّمْيِيزِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في الخَمْرِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ولَمْ يَقُلْ في اللَّبَنِ: لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ لِلطّاعِمِينَ، ولا قالَ في العَسَلِ: مُصَفًّى لِلنّاظِرِينَ؛ لِأنَّ اللَّذَّةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأشْخاصِ فَرُبَّ طَعامٍ يَلْتَذُّ بِهِ شَخْصٌ ويَعافُهُ الآخَرُ، فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِأسْرِهِمْ ولِأنَّ الخَمْرَ كَرِيهَةُ الطَّعْمِ فَقالَ: (لَذَّةٍ) أيْ لا يَكُونُ في خَمْرِ الآخِرَةِ كَراهَةُ الطَّعْمِ، وأمّا الطَّعْمُ واللَّوْنُ فَلا يَخْتَلِفانِ بِاخْتِلافِ النّاسِ، فَإنَّ الحُلْوَ والحامِضَ وغَيْرُهُما يُدْرِكُهُ كُلُّ أحَدٍ كَذَلِكَ، لَكِنَّهُ قَدْ يَعافُهُ بَعْضُ النّاسِ ويَلْتَذُّ بِهِ البَعْضُ مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ لَهُ طَعْمًا واحِدًا وكَذَلِكَ اللَّوْنُ فَلَمْ يَكُنْ إلى التَّصْرِيحِ بِالتَّعْمِيمِ حاجَةٌ، وقَوْلُهُ: (لَذَّةٍ) يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ تَأْنِيثُ ”لَذَّ“ يُقالُ: طَعامٌ لَذَّ ولَذِيذٌ وأطْعِمَةٌ لَذَّةٌ ولَذِيذَةٌ.

وثانِيهِما: أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وصْفًا بِنَفْسِ المَعْنى لا بِالمُشْتَقِّ مِنهُ كَما يُقالُ لِلْحَلِيمِ هو حِلْمٌ كُلُّهُ وهو عاقِلٌ كُلُّهُ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ .
بَعْدَ ذِكْرِ المَشْرُوبِ أشارَ إلى المَأْكُولِ، ولَمّا كانَ في الجَنَّةِ الأكْلُ لِلَذَّةٍ لا لِلْحاجَةِ ذَكَرَ الثِّمارَ فَإنَّها تُؤْكَلُ لِلَذَّةِ بِخِلافِ الخُبْزِ واللَّحْمِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الرَّعْدِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الرَّعْدِ: ٣٥] حَيْثُ أشارَ إلى المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ، وهَهُنا لَطِيفَةٌ وهي أنَّهُ تَعالى قالَ فِيها: ﴿وظِلُّها﴾ ولَمْ يَقُلْ هَهُنا ذَلِكَ، نَقُولُ: قالَ هَهُنا: (ومَغْفِرَةٌ) والظِّلُّ فِيهِ مَعْنى السَّتْرِ والمَغْفِرَةِ كَذَلِكَ، ولِأنَّ المَغْفُورَ تَحْتَ نَظَرٍ مِن رَحْمَةِ الغافِرِ يُقالُ: نَحْنُ تَحْتَ ظِلِّ الأمِيرِ، وظِلُّها هو رَحْمَةُ اللَّهِ ومَغْفِرَتُهُ حَيْثُ لا يَمَسُّهم حَرٌّ ولا بَرْدٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: المُتَّقِي لا يَدْخُلُ إلّا بَعْدَ المَغْفِرَةِ فَكَيْفَ يَكُونُ لَهم فِيها مَغْفِرَةٌ ؟ فَنَقُولُ: الجَوابُ عَنْهُ مِن وجْهَيْنِ: الأوَّلُ: لَيْسَ بِلازِمٍ أنْ يَكُونَ المَعْنى لَهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ فِيها، بَلْ يَكُونُ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: (لَهم) كَأنَّهُ تَعالى قالَ لَهم: الثَّمَراتُ فِيها ولَهُمُ المَغْفِرَةُ قَبْلَ دُخُولِها.

والثّانِي: هو أنْ يَكُونَ المَعْنى لَهم فِيها مَغْفِرَةٌ أيْ

صفحة ٤٩
رَفَعَ التَّكْلِيفَ عَنْهم فَيَأْكُلُونَ مِن غَيْرِ حِسابٍ بِخِلافِ الدُّنْيا فَإنَّ الثِّمارَ فِيها عَلى حِسابٍ أوْ عِقابٍ، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الآكِلَ في الدُّنْيا لا يَخْلُو عَنِ اسْتِنْتاجٍ قَبِيحٍ أوْ مَكْرُوهٍ كَمَرَضٍ أوْ حاجَةٍ إلى تَبَرُّزٍ، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لا قَبِيحَ عَلى الآكِلِ بَلْ مَسْتُورُ القَبائِحِ مَغْفُورٌ، وهَذا اسْتَفَدْتُهُ مِنَ المُعَلِّمِينَ في بِلادِنا فَإنَّهم يُعَوِّدُونَ الصِّبْيانَ بِأنْ يَقُولُونَ وقْتَ حاجَتِهِمْ إلى إراقَةِ البَوْلِ وغَيْرِهِ: يا مُعَلِّمُ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، فَيَفْهَمُ المُعَلِّمُ أنَّهم يَطْلُبُونَ الإذْنَ في الخُرُوجِ لِقَضاءِ الحاجَةِ فَيَأْذَنُ لَهم، فَقُلْتُ في نَفْسِي: مَعْناهُ هو أنَّ اللَّهَ تَعالى في الجَنَّةِ غَفَرَ لِمَن أكَلَ، وأمّا في الدُّنْيا، فَلِأنَّ لِلْأكْلِ تَوابِعُ ولَوازِمُ لا بُدَّ مِنها فَيَفْهَمُ مِن قَوْلِهِمْ حاجَتَهم.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ أيْضًا مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: عَلى قَوْلِ مَن قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ مَعْناهُ وصْفُ الجَنَّةِ، فَقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏ بِماذا يَتَعَلَّقُ ؟ نَقُولُ قَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ يَتَضَمَّنُ كَوْنَهم فِيها فَكَأنَّهُ قالَ: هو فِيها كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ، فالمُشَبَّهُ يَكُونُ مَحْذُوفًا مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِما سَبَقَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ ما قِيلَ في تَقْرِيرِ قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ المُرادَ هَذِهِ الجَنَّةُ الَّتِي مَثَّلَها ما ذَكَرْنا كَمَقامِ مَن هو خالِدٌ في النّارِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الزَّجّاجُ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ راجِعٌ إلى ما تَقَدَّمَ كَأنَّهُ تَعالى قالَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وهو خالِدٌ في النّارِ فَهَلْ هو صَحِيحٌ أمْ لا ؟ نَقُولُ لَنا نَظَرٌ إلى اللَّفْظِ فَيُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ بِتَعَسُّفٍ ونَظَرٍ إلى المَعْنى لا يَصِحُّ إلّا بِأنْ يَعُودَ إلى ما ذَكَرْناهُ، أمّا التَّصْحِيحُ فَبِحَذْفِ كَمَن في المَرَّةِ الثّانِيَةِ أوْ جَعْلِهِ بَدَلًا عَنِ المُتَقَدِّمِ أوْ بِإضْمارِ عاطِفٍ يَعْطِفُ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ عَلى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أوْ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏، وأمّا التَّعَسُّفُ فَبَيِّنٌ نَظَرًا إلى الحَذْفِ وإلى الإضْمارِ مَعَ الفاصِلِ الطَّوِيلِ بَيْنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ، وأمّا طَرِيقَةُ البَدَلِ فَفاسِدَةٌ وإلّا لَكانَ الِاعْتِمادُ عَلى الثّانِي فَيَكُونُ كَأنَّهُ قالَ: أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ كَمَن هو خالِدٌ ؟ وهو سَمِجٌ في التَّشْبِيهِ تَعالى كَلامُ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، والقَوْلُ في إضْمارِ العاطِفِ كَذَلِكَ لِأنَّ المَعْطُوفَ أيْضًا يَصِيرُ مُسْتَقِلًّا في التَّشْبِيهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: المَجْمُوعُ بِالمَجْمُوعِ كَأنَّهُ يَقُولُ: أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، وهو في الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ فِيها أنْهارٌ، كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمِلِهِ وهو خالِدٌ في النّارِ ؟ وعَلى هَذا تَقَعُ المُقابَلَةُ بَيْنَ مَن هو عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، وبَيْنَ مَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، وبَيْنَ مَن في الجَنَّةِ وبَيْنَ مَن هو خالِدٌ في النّارِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ فَلا حاجَةَ إلى خَلْطِ الآيَةِ بِالآيَةِ، وكَيْفَ وعَلى ما قالَهُ تَقَعُ المُقابَلَةُ بَيْنَ مَن هو في النّارِ وسُقُوا ماءً حَمِيمًا وبَيْنَ مَن هو عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وأيَّةُ مُناسَبَةٍ بَيْنَهُما، بِخِلافِ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الوُجُوهِ الأُخَرِ، فَإنَّ المُقابَلَةَ بَيْنَ الجَنَّةِ الَّتِي فِيها الأنْهارُ وبَيْنَ النّارِ الَّتِي فِيها الماءُ الحَمِيمُ وذَلِكَ تَشْبِيهُ إنْكارٍ مُناسِبٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ حَمْلًا عَلى اللَّفْظِ الواحِدِ وقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ عَلى المَعْنى وهو جَمْعٌ وكَذَلِكَ قالَ مِن قَبْلُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عَلى التَّوْحِيدِ والإفْرادِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ عَلى الجَمْعِ فَما الوَجْهُ فِيهِ ؟ نَقُولُ: المُسْنَدُ إلى ”مَن“ إذا كانَ مُتَّصِلًا فَرِعايَةُ اللَّفْظِ أوْلى لِأنَّهُ هو المَسْمُوعُ، إذا كانَ مَعَ انْفِصالٍ فالعَوْدُ إلى المَعْنى أوْلى، لِأنَّ اللَّفْظَ لا يَبْقى في السَّمْعِ، والمَعْنى يَبْقى في ذِهْنِ السّامِعِ فالحَمْلُ في الثّانِي عَلى المَعْنى أوْلى، وحَمْلُ الأوَّلِ عَلى اللَّفْظِ أوْلى، فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قالَ في سائِرِ المَواضِعِ: ﴿مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ [الكَهْفِ: ٨٨] وفَمَن تابَ وأصْلَحَ ؟ نَقُولُ: إذا كانَ المَعْطُوفُ مُفْرَدًا أوْ شَبِيهًا

صفحة ٥٠
بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ في المَعْنى فالأوْلى أنْ يَخْتَلِفا كَما ذَكَرْتُ فَإنَّهُ عَطْفُ مُفْرَدٍ عَلى مُفْرَدٍ وكَذَلِكَ لَوْ قالَ: كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ ومُعَذَّبٌ فِيها لِأنَّ المُشابَهَةَ تُنافِي المُخالَفَةَ، وأمّا إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَما في هَذا المَوْضِعِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿سُقُوا ماءً﴾ جُمْلَةٌ غَيْرُ مُشابِهَةٍ لِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏، وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ بَيانٌ لِمُخالَفَتِهِمْ في سائِرِ أحْوالِ أهْلِ الجَنَّةِ فَلَهم أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ ولَهم ماءٌ حَمِيمٌ، فَإنْ قِيلَ: المُشابَهَةُ الإنْكارِيَّةُ بِالمُخالَفَةِ عَلى ما ثَبَتَ، وقَدْ ذَكَرْتُ البَعْضَ وقُلْتُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ‏ ‏‏‏‏ في مُقابَلَةِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ و(مِن رَبِّهِ) في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ والجَنَّةُ في مُقابَلَةِ النّارِ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ والماءُ الحَمِيمُ في مُقابَلَةِ الأنْهارِ، فَأيْنَ ما يُقابِلُ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَنَقُولُ: تَقَطُّعُ الأمْعاءِ في مُقابَلَةِ مَغْفِرَةٍ؛ لِأنّا بَيَّنّا عَلى أحَدِ الوُجُوهِ أنَّ المَغْفِرَةَ الَّتِي في الجَنَّةِ هي تَعْرِيَةٌ أكْلِ الثَّمَراتِ عَمّا يَلْزَمُهُ مِن قَضاءِ الحاجَةِ والأمْراضِ وغَيْرِها، كَأنَّهُ قالَ: لِلْمُؤْمِنِ أكْلٌ وشُرْبٌ مُطَهَّرٌ طاهِرٌ لا يَجْتَمِعُ في جَوْفِهِمْ فَيُؤْذِيهِمْ ويُحْوِجُهم إلى قَضاءِ حاجَةٍ، ولِلْكافِرِ ماءٌ حَمِيمٌ في أوَّلِ ما يَصِلُ إلى جَوْفِهِمْ يَقْطَعُ أمْعاءَهم ويَشْتَهُونَ خُرُوجَهُ مِن جَوْفِهِمْ، وأمّا الثِّمارُ فَلَمْ يَذْكُرْ مُقابِلَها؛ لِأنَّ في الجَنَّةِ زِيادَةٌ مَذْكُورَةٌ فَحَقَّقَها بِذِكْرِ أمْرٍ زايِدٍ.
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: الماءُ الحارُّ يَقْطَعُ أمْعاءَهم لِأمْرٍ آخَرَ غَيْرَ الحَرارَةِ، وهي الحِدَّةُ الَّتِي تَكُونُ في السُّمُومِ المَدُوفَةِ، وإلّا فَمُجَرَّدُ الحَرارَةِ لا يَقْطَعُ، فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ بِالفاءِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ القَطْعُ بِما ذُكِرَ، نَقُولُ: نَعَمْ، لَكِنَّهُ لا يَقْتَضِي أنْ يُقالَ: يَقْطَعُ، لِأنَّهُ ماءٌ حَمِيمٌ فَحَسْبُ، بَلْ ماءٌ حَمِيمٌ مَخْصُوصٌ يَقْطَعُ.

The same ayah, in another commentary

Muḥammad 47:15