ولَمّا تَكَرَّرَ ذِكْرُ الجَنَّةِ والنّارِ في هَذِهِ السُّورَةِ إلى أنْ خَتَمَ بِهَذِهِ الآيَةِ الَّتِي قَسَّمَ النّاسَ فِيها إلى أوْلِياءَ مُهْتَدِينَ وأعْداءٍ ضالِّينَ مُعْتَدِينَ، فَهَدى سِياقُها إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ أحْياهُ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ في الدّارَيْنِ، ومَن تَبِعَ هَواهُ أرْداهُ فِيها، أتْبَعَهُ وصْفَ الجَنَّةِ الَّتِي هي دارُ أوْلِيائِهِ قادَهم إلَيْها الهُدى، والنّارِ الَّتِي هي دارُ أعْدائِهِ ساقَهم إلَيْها الضَّلالُ المُحَتِّمُ لِلرَّدى، فَقالَ: ﴿ ﴾ أيِ: البَساتِينِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَسْتُرُ داخِلَها مِن كَثْرَةِ أشْجارِها.
ولَمّا تَكَرَّرَ وعْدُهُ سُبْحانَهُ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِالجَنَّةِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ الجامِعِ وبَعْضُها بِالضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ، صارَ الوَعْدُ بِها في غايَةِ التَّحَقُّقِ فَعَبَّرَ عَنْهُ هُنا بِالماضِي المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ إشارَةً إلى أنَّهُ أمْرٌ قَدْ تَحَقَّقَ بِأسْهَلِ أمْرٍ، وفُرِغَ مِنهُ إلى أنْ صارَ حاضِرًا لا مانِعَ مِنهُ إلّا الوَصْفُ الَّذِي عُلِّقَ بِهِ الوَعْدُ ووَصَفَها بِصِفاتٍ تُفِيدُ القَطْعَ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ فَصارَ مُجَرَّدُ (p-٢١٩)ذِكْرِها والإخْبارُ بِهِ عَنْها بِصِيغَةِ المَجْهُولِ أعْلى لِأمْرِهِ فَقالَ: ﴿ ﴾ أيِ الَّذِينَ حَمَلَتْهم تَقْواهم بَعْدَ الوُقُوفِ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلى أنِ اسْتَمَعُوا مِنكَ فانْتَفَعُوا بِما دَلَلْتَهم عَلَيْهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ حَتّى انْقَسَمَ النّاسُ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُقْبِلٍ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ فَهو مُتَّبِعٌ، ومُعْرِضٍ عَنْهُ جُمْلَةً، ومُسْتَمِعٍ غَيْرِ مُنْتَفِعٍ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: مِثْلَ بُسْتانٍ عَظِيمٍ لا يَسْقُطُ ورَقُهُ ولا يَنْقَطِعُ ثَمَرُهُ ولا يُتَفَطَّنُ نَعِيمُهُ لِما فِيهِ مِنَ الأنْهارِ المُتَنَوِّعَةِ، وكانَ ما هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ إنَّما هو مَوْهُومٌ لَنا لا مَعْلُومٌ، طَواهُ وذَكَرَهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ مِن صِفَةِ الجَنَّةِ المَوْعُودَةِ المَعْلُومَةِ بِوَعْدِ الصّادِقِ الَّذِي ثَبَتَ صِدْقُهُ بِالمُعْجِزاتِ فَقالَ اسْتِئْنافًا: ﴿﴾ أيِ: الجَنَّةِ المَوْعُودَةِ. ولَمّا كانَ ما يَعْهَدُونَهُ مِنَ الجِنانِ لا يَحْتَمِلُ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أنْهارٍ، عَبَّرَ بِالجَمْعِ الَّذِي يُسْتَعارُ لِلْكَثْرَةِ إذا دَلَّتْ قَرِينَةٌ، وهي هُنا المَدْحُ والِامْتِنانُ، فَقالَ: ﴿ ﴾ ولَمّا كانَ ماءُ الدُّنْيا مُخْتَلِفَ الطُّعُومِ عَلى ثَلاثَةٍ: حُلْوٍ وعَذْبٍ ومِلْحٍ، مَعَ اتِّحادِ الأرْضِ بِبَساطَتِها وشِدَّةِ اتِّصالِها لِلدَّلالَةِ عَلى [أنَّ] فاعِلَ ذَلِكَ [قادِرٌ] مُخْتارٌ، وقَدْ يَكُونُ آسِنًا أيْ مُتَغَيِّرًا عَنِ الماءِ الَّذِي يُشْرَبُ بِرِيحٍ مُنْتِنَةٍ مِن أصْلِ خَلْقِهِ أوْ مِن عارِضٍ عَرَضَ لَهُ مِن مَنبَعِهِ أوْ مَجْراهُ قالَ: ﴿ ﴾ أيْ: ثابِتٍ لَهُ في وقْتٍ ما شَيْءٌ مِنَ الطَّعْمِ أوِ الرِّيحِ (p-٢٢٠)أوِ اللَّوْنِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ وإنْ طالَتْ إقامَتُهُ وإنْ أُضِيفَ إلَيْهِ غَيْرُهُ؛ فَإنَّهُ لا يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ بِوَجْهٍ.
ولَمّا كانَ أكْثَرُ شَرابِهِمْ بَعْدَ الماءِ اللَّبَنَ، ثَنّى بِهِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ ﴾ ولَمّا كانَ التَّغَيُّرُ غَيْرَ مَحْمُودٍ، وكانُوا يَعْهَدُونَ في الدُّنْيا أنَّ اللَّبَنَ كُلَّهُ عَلى جَمِيعِ أنْواعِهِ طَيِّبٌ حالَ نُزُولِهِ مِنَ الضَّرْعِ مَعَ اخْتِلافِ ذَواتِ الدَّرِّ في الأشْكالِ والأنْواعِ والمَقادِيرِ والأمْزِجَةِ، ومَعَ انْفِصالِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها مِنَ الأُخْرى، وأنَّهُ إنَّما يَتَغَيَّرُ بَعْدَ حَلْبِهِ، عَبَّرَ بِما يَنْفِي التَّغَيُّرَ في الماضِي فَقالَ: ﴿ ﴾ أيْ: بِنَفْسِهِ عَنْ أصْلِ خِلْقَتِهِ وإنْ أقامَ مَدى الدَّهْرِ، وهَذا يُفْهِمُ أنَّهم لَوْ أرادُوا تَغْيِيرَهُ لِشَهْوَةٍ اشْتَهَوْها تَغَيَّرَ، وأنَّهُ مَعَ طِيبِهِ عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ كَما كانَ في الدُّنْيا مُتَنَوِّعًا.
ولَمّا كانَ أكْثَرُ ما بَعْدَ اللَّبَنِ الخَمْرَ قالَ: ﴿ ﴾ ولَمّا كانَتِ الخَمْرُ يَكْثُرُ طَعْمُها، وإنَّما يَشْرَبُها شارِبُوها لِأثَرِها، وأنَّهُ مَتى تَغَيَّرَ طَعْمُها زالَ اسْمُها، عُرِفَ أنَّ كُلَّ ما في خَمْرِ الجَنَّةِ في غايَةِ الحُسْنِ غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لِطَعْمٍ فَقالَ: ﴿﴾ أيْ: ثابِتَةٍ لَها اللَّذَّةُ ودائِمَةٍ حالَ شُرْبِها وبَعْدَهُ ﴿﴾ في طِيبِ الطَّعْمِ وحُسْنِ العاقِبَةِ.
(p-٢٢١)ولَمّا كانَ العَسَلُ أعَزَّها وأقَلَّها، أخَّرَهُ وإنْ كانَ أجَلَّها فَقالَ: ﴿ ﴾ ولَمّا كانَ عَسَلُ الدُّنْيا لا يُوجَدُ إلّا مَخْلُوطًا بِالشَّمْعِ وغَيْرِهِ مِنَ القَذى قالَ: ﴿﴾ أيْ: [هُوَ] صافٍ صَفاءَ ما اجْتُهِدَ في تَصْفِيَتِهِ مِن ذَلِكَ، وهَذا الوَصْفِ ثابِتٌ لَهُ دائِمًا لا انْفِكاكَ لَهُ عَنْهُ في وقْتٍ ما، فَقَدْ حَصَلَ بِهَذا غايَةُ التَّشْوِيقِ إلى الجَنَّةِ بِالتَّمْثِيلِ بِما يَسْتَلِذُّ بِهِ مِن أشْرِبَةِ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ غايَةُ ما نَعْلَمُ مِن ذَلِكَ مُجَرَّدًا عَمّا يَنْقُصُهُ أوْ يُنَغِّصُهُ مَعَ الوَصْفِ بِالغَزارَةِ والِاسْتِمْرارِ قالَ البَغَوِيُّ: قالَ كَعْبُ الأحْبارِ: نَهْرُ دِجْلَةَ نَهْرُ ماءِ أهْلِ الجَنَّةِ، ونَهْرُ الفُراتِ نَهْرُ لَبَنِهِمْ، ونَهْرُ مِصْرَ نَهْرُ خَمْرِهِمْ، ونَهْرُ سَيْحانَ نَهْرُ عَسَلِهِمْ. وهَذِهِ الأنْهارُ الأرْبَعَةُ تَخْرُجُ مِن نَهْرِ الكَوْثَرِ. وقالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ صالِحٍ [ثَنا] ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ [أبِي] حَبِيبٍ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما سَألَ كَعْبَ الأحْبارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ تَجِدُ لِهَذا النِّيلِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى خَبَرًا؟ قالَ: إي والَّذِي فَلَقَ البَحْرَ لِمُوسى، إنِّي لَأجِدُهُ في كِتابِ اللَّهِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يُوحِي إلَيْهِ في كُلِّ عامٍ مَرَّتَيْنِ، يُوحِي إلَيْهِ عَنْ جَرْيِهِ أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أنْ تُجْرِيَ، فَيَجْرِي ما كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثُمَّ يُوحِي إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ: يا نَيْلُ غُرْ حَمِيدًا. حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ حَدَّثَنا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الخَيْرِ (p-٢٢٢)عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: أرْبَعَةٌ أنْهارِ مِنَ الجَنَّةِ وضَعَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في الدُّنْيا. فالنِّيلُ نَهْرُ العَسَلِ في الجَنَّةِ، والفُراتُ نَهْرُ الخَمْرِ في الجَنَّةِ. وسَيْحانُ نَهْرُ الماءِ في الجَنَّةِ. وجَيْحانُ نَهْرُ اللَّبَنِ في الجَنَّةِ. حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ قالا حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الخَيْرِ عَنْ أبِي جُنادَةَ الكِنانِيِّ أنَّهُ سَمِعَ كَعْبًا يَقُولُ: النَّيْلُ في الآخِرَةِ عَسَلًا أغْزَرَ ما يَكُونُ مِنَ الأنْهارِ الَّتِي سَمّى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، ودِجْلَةُ في الآخِرَةِ لَبَنًا أغْزَرَ ما يَكُونُ مِنَ الأنْهارِ الَّتِي سَمّى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، [والفُراتُ خَمْرًا أغْزَرَ ما يَكُونُ مِنَ الأنْهارِ الَّتِي سَمّى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ]، وجَيْحانُ ماءً أغْزَرَ ما يَكُونُ مِنَ الأنْهارِ الَّتِي سَمّى اللَّهُ وأصْلُ هَذا كُلِّهِ ما في الصَّحِيحِ في صِفَةِ الجَنَّةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««سَيْحانُ وجَيْحانُ والنَّيْلُ والفُراتُ مِن أنْهارِ الجَنَّةِ»». وقالَ أبُو حَيّانَ في حِكْمَةِ تَرْتِيبِها غَيْرَ ما تَقَدَّمَ: إنَّهُ بُدِئَ بِالماءِ الَّذِي لا يُسْتَغْنى عَنْهُ في المَشْرُوباتِ، ثُمَّ بِاللَّبَنِ؛ إذْ كانَ يَجْرِي مَجْرى المَطْعُوماتِ في كَثِيرٍ مِن أقْواتِ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، ثُمَّ بِالخَمْرِ لِأنَّهُ إذا حَصَلَ الرَّيُّ والمَطْعُومُ تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى ما يُتَلَذَّذُ بِهِ، ثُمَّ بِالعَسَلِ؛ لِأنَّ فِيهِ الشِّفاءَ في الدُّنْيا مِمّا يَعْرِضُ مِنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ. انْتَهى. وأحْسَنُ مِنهُ أنَّهُ لَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّعَجُّبِ في ضَرْبِ المَثَلِ لِأنَّهُ قَوْلٌ (p-٢٢٣)لا يَنْفَكُّ عَنْ غَرابَةٍ بَدَأ بِأنْهارِ الماءِ لِغَرابَتِها في بِلادِهِمْ وشَدَّةِ حاجَتِهِمْ إلَيْها، ولَمّا كانَ خُلُوُّها عَنْ تَغَيُّرٍ أغْرَبَ نَفاهُ، ولَمّا كانَ اللَّبَنُ أقَلَّ فَكانَ جَرْيُهُ أنْهارًا [أغْرَبَ، ثَنّى] بِهِ، ولَمّا كانَ الخَمْرُ أعَزَّ ثَلَّثَ بِهِ، ولَمّا كانَ العَسَلُ أشْرَفَها وأقَلَّها خَتَمَ بِهِ، ونَبَّهَ - مَعَ هَذا التَّذْكِيرِ بِقُدْرَتِهِ تَعالى - عَلى ما يُرِيدُ بِسَبَبٍ وبِغَيْرِ سَبَبٍ؛ فَإنَّ هَذِهِ المَشْرُوباتِ الثَّلاثَةَ الَّتِي وبَعْضُها مُتَمَحِّضٌ لِلشَّرابِيَّةِ كالخَمْرِ وبَعْضُها في غِذائِيَّةٍ وهي فِيهِ أغْلَبُ، وهو العَسَلُ، وبَعْضُها يَنْزِعُ إلى كُلٍّ مِنهُما وهو اللَّبَنُ كُلُّها مِنَ الماءِ مَعَ تَمايُزِها مَذاقًا وأثَرًا في الغِذاءِ والدَّواءِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإنَّ الماءَ أصْلُ النَّباتِ، ومِنَ النَّباتِ يَكُونُ اللَّبَنُ والخَمْرُ والعَسَلُ بِما لا يَخْفى مِنَ الأسْبابِ، وأمّا الآخِرَةُ فَغَنِيَّةٌ عَنِ الأسْبابِ لِظُهُورِ اسْمِهِ الظّاهِرِ سُبْحانَهُ هُناكَ؛ لِأنَّهُ لا ابْتِلاءَ فِيها، وبِهَذا فُهِمَ لِلتَّرْتِيبِ سِرٌّ آخَرُ؛ وهو أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ الماءَ؛ لِأنَّهُ الأصْلُ لَها، وتَلاهُ بِأقْرَبِ الأشْياءِ إلَيْهِ في الشَّرابِيَّةِ والطَّبْعِ: اللَّبَنُ، [ثُمَّ] بِما هو أقْرَبُ إلى اللَّبَنِ مِن جِهَةِ أنَّهُ شَرابٌ فَقَطْ، ثُمَّ بِالعَسَلِ لِأنَّهُ أبْعَدُها مِنهُ.
ولَمّا كانَتِ الثِّمارُ ألَذَّ مُسْتَطابٍ بَعْدَ سائِغِ الشَّرابِ قالَ تَعالى: (p-٢٢٤)﴿ ﴾ ولَمّا كانَ أهْلُها مُتَفاوِتِينَ في الدَّرَجاتِ فَلا تَجْمَعُ جِنانُ أغْلَبِهِمْ جَمِيعَ ما في الجَنَّةِ مِنَ الثِّمارِ بَعَّضَ فَقالَ: ﴿ ﴾ أيْ: جَمِيعِ أصْنافِها عَلى وجْهٍ لا حاجَةَ مَعَهُ مِن قِلَّةٍ ولا انْقِطاعٍ.
ولَمّا كانَ العَيْشُ لا يَطِيبُ مَعَ الإنْصافِ بِما يُوجِبُ العَتَبَ، قالَ مُشِيرًا إلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُقَدِّرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، لِأنَّ الرُّتَبَ مُتَضائِلَةٌ عَنْ رُتْبَتِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِمَحْوِ ذُنُوبِهِمُ السّالِفَةِ أعْيانُها وآثارُها بِحَيْثُ لا يَخْشَوْنَ لَها عاقِبَةً بِعِقابٍ ولا عِتابٍ، وعَدَمِ بُلُوغِهِمْ إلى ما يَحِقُّ لَهُ مِنَ الشُّكْرِ سُبْحانَهُ.
ولَمّا أرْشَدَ هَذا السِّياقُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: أفَمَن هو في هَذا النَّعِيمِ الأكْبَرِ المُقِيمِ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ ﴾ أيْ: مُقِيمٌ إقامَةً لا انْقِطاعَ مَعَها، ووَحَّدَهُ؛ لِأنَّ الخُلُودَ يَعُمُّ مَن فِيها عَلى حَدٍّ سَواءٍ ﴿ ﴾ أيِ: الَّتِي لا يُطْفَأُ لَهِيبُها، لا يُفَكُّ أسِيرُها ولا يُؤْنَسُ عَرِيبُها. ولَمّا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِن داخِلِيها لَهُ سَقْيٌ يَخُصُّهُ عَلى حَسَبِ عَمَلِهِ ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا. كانَ المُؤَثِّرُ لِضُرِّهِمُ السَّقْيَ عَلى الكَيْفِيَّةِ الَّتِي تُذْكَرُ لا كَوْنَهُ مِن ساقٍ مُعَيَّنٍ، بَنى لِلْمَجْهُولِ قَوْلَهُ مُسْنِدًا إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ قَوْلَهُ تَعالى: (p-٢٢٥)﴿﴾ أيْ: عِوَضِ ما ذُكِرَ مِن شَرابِ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿ ﴾ أيْ: في غايَةِ الحَرارَةِ ﴿ ﴾ ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ أنَّ المُؤْمِنِينَ في جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، وأنَّ الكافِرِينَ مَأْواهُمُ النّارُ، وكانَ التَّقْدِيرُ إنْكارَهُ عَلى مَن لَمْ يَرْتَدِعْ لِلزَّواجِرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ عَمَلَهُ عَمَلُ مَن يُسَوِّي بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ لِأنَّ كَوْنَ النّارِ جَزاءً لِمِثْلِهِ والجَنَّةِ جَزاءَ المُؤْمِنِ صارَ في حَدٍّ لا يَسُوغُ إنْكارُهُ: أمِثْلَ الجَنَّةِ المَوْصُوفَةِ كَمِثْلِ النّارِ، ومَن هو خالِدٌ في الجَنَّةِ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.