All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Al-Anfāl 8:75 Juzʾ 10 Page 186

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And those who believed after [the initial emigration] and emigrated and fought with you - they are of you. But those of [blood] relationship are more entitled [to inheritance] in the decree of Allah. Indeed, Allah is Knowing of all things.

Read in the muṣḥaf

صفحة ١٦٥
‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏
قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى قَسَّمَ المُؤْمِنِينَ في زَمانِ الرَّسُولِ ﷺ إلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ، وذَكَرَ حُكْمَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم، وتَقْرِيرُ هَذِهِ القِسْمَةِ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ظَهَرَتْ نُبُوَّتُهُ بِمَكَّةَ ودَعا النّاسَ هُناكَ إلى الدِّينِ، ثُمَّ انْتَقَلَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، فَحِينَ هاجَرَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ صارَ المُؤْمِنُونَ عَلى قِسْمَيْنِ مِنهم مَن وافَقَهُ في تِلْكَ الهِجْرَةِ، ومِنهم مَن لَمْ يُوافِقْهُ فِيها بَلْ بَقِيَ هُناكَ.

أمّا القِسْمُ الأوَّلُ: فَهُمُ المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ، وقَدْ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ وإنَّما قُلْنا إنَّ المُرادَ مِنهُمُ المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ في آخِرِ الآيَةِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ وإذا ثَبَتَ هَذا ظَهَرَ أنَّ هَؤُلاءِ مَوْصُوفُونَ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَةِ:

أوَّلُها: أنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ وقَبِلُوا جَمِيعَ التَّكالِيفِ الَّتِي بَلَّغَها مُحَمَّدٌ ﷺ ولَمْ يَتَمَرَّدُوا، فَقَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏‏ يُفِيدُ هَذا المَعْنى.

والصِّفَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي: فارَقُوا الأوْطانَ، وتَرَكُوا الأقارِبَ والجِيرانَ في طَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الحالَةَ حالَةٌ شَدِيدَةٌ، قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [ النِّساءِ: ٦٦] جَعَلَ مُفارَقَةَ الأوْطانِ مُعادِلَةً لِقَتْلِ النَّفْسِ، فَهَؤُلاءِ في المَرْتَبَةِ الأُولى تَرَكُوا الأدْيانَ القَدِيمَةَ لِطَلَبِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى، وفي المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ تَرَكُوا الأقارِبَ والخِلّانَ والأوْطانَ والجِيرانَ لِمَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى.

والصِّفَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ أمّا المُجاهَدَةُ بِالمالِ فَلِأنَّهم لَمّا فارَقُوا الأوْطانَ فَقَدْ ضاعَتْ دُورُهم ومَساكِنُهم وضِياعُهم ومَزارِعُهم، وبَقِيَتْ في أيْدِي الأعْداءِ، وأيْضًا فَقَدِ احْتاجُوا إلى الإنْفاقِ الكَثِيرِ بِسَبَبِ تِلْكَ العَزِيمَةِ، وأيْضًا كانُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم عَلى تِلْكَ الغَزَواتِ، وأمّا المُجاهَدَةُ بِالنَّفْسِ فَلِأنَّهم كانُوا أقْدَمُوا عَلى مُحارَبَةِ بَدْرٍ مِن غَيْرِ آلَةٍ ولا أُهْبَةٍ ولا عُدَّةٍ مَعَ الأعْداءِ المَوْصُوفِينَ بِالكَثْرَةِ والشِّدَّةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أزالُوا أطْماعَهم عَنِ الحَياةِ وبَذَلُوا أنْفُسَهم في سَبِيلِ اللَّهِ.

صفحة ١٦٦
وأمّا الصِّفَةُ الرّابِعَةُ: فَهي أنَّهم كانُوا أوَّلَ النّاسِ إقْدامًا عَلى هَذِهِ الأفْعالِ والتِزامًا لِهَذِهِ الأحْوالِ، ولِهَذِهِ المُسابَقَةِ أثَرٌ عَظِيمٌ في تَقْوِيَةِ الدِّينِ، قالَ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الحَدِيدِ: ١٠] وقالَ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [التوبة: ١٠٠] وإنَّما كانَ السَّبْقُ مُوجِبًا لِلْفَضِيلَةِ؛ لِأنَّ إقْدامَهم عَلى هَذِهِ الأفْعالِ يُوجِبُ اقْتِداءَ غَيْرِهِمْ بِهِمْ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْقُوَّةِ أوِ الكَمالِ، ولِهَذا المَعْنى قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [المائِدَةِ: ٣٢] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ ومِن عادَةِ النّاسِ أنَّ دَواعِيَهم تَقْوى بِما يَرَوْنَ مِن أمْثالِهِمْ في أحْوالِ الدِّينِ والدُّنْيا، كَما أنَّ المِحَنَ تَخِفُّ عَلى قُلُوبِهِمْ بِالمُشارَكَةِ فِيها، فَثَبَتَ أنَّ حُصُولَ هَذِهِ الصِّفاتِ الأرْبَعَةِ لِلْمُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ يَدُلُّ عَلى غايَةِ الفَضِيلَةِ ونِهايَةِ المَنقَبَةِ، وأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الِاعْتِرافَ بِكَوْنِهِمْ رُؤَساءَ المُسْلِمِينَ وسادَةً لَهم.
وأمّا القِسْمُ الثّانِي: مِنَ المُؤْمِنِينَ المَوْجُودِينَ في زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَهُمُ الأنْصارُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا هاجَرَ إلَيْهِمْ مَعَ طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ، فَلَوْلا أنَّهم آوَوْا ونَصَرُوا وبَذَلُوا النَّفْسَ والمالَ في خِدْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإصْلاحِ مُهِمّاتِ أصْحابِهِ لَما تَمَّ المَقْصُودُ البَتَّةَ، ويَجِبُ أنْ يَكُونَ حالُ المُهاجِرِينَ أعْلى في الفَضِيلَةِ مِن حالِ الأنْصارِ لِوُجُوهٍ:

أوَّلُها: أنَّهم هُمُ السّابِقُونَ في الإيمانِ الَّذِي هو رَئِيسُ الفَضائِلِ وعُنْوانُ المَناقِبِ.

وثانِيها: أنَّهم تَحَمَّلُوا العَناءَ والمَشَقَّةَ دَهْرًا دَهِيرًا، وزَمانًا مَدِيدًا مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وصَبَرُوا عَلَيْهِ، وهَذِهِ الحالُ ما حَصَلَتْ لِلْأنْصارِ.

وثالِثُها: أنَّهم تَحَمَّلُوا المَضارَّ النّاشِئَةَ مِن مُفارَقَةِ الأوْطانِ والأهْلِ والجِيرانِ، ولَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ لِلْأنْصارِ.

ورابِعُها: أنَّ فَتْحَ البابِ في قَبُولِ الدِّينِ والشَّرِيعَةِ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما حَصَلَ مِنَ المُهاجِرِينَ، والأنْصارُ اقْتَدَوْا بِهِمْ وتَشَبَّهُوا بِهِمْ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ”«مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ» “ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُقْتَدِي أقَلَّ مَرْتَبَةً مِنَ المُقْتَدى بِهِ، فَجُمْلَةُ هَذِهِ الأحْوالِ تُوجِبُ تَقْدِيمَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ عَلى الأنْصارِ في الفَضْلِ والدَّرَجَةِ والمَنقَبَةِ، فَلِهَذا السَّبَبِ أيْنَما ذَكَرَ اللَّهُ هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ قَدَّمَ المُهاجِرِينَ عَلى الأنْصارِ وعَلى هَذا التَّرْتِيبِ ورَدَ ذِكْرُهُما في هَذِهِ الآيَةِ.

واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ واخْتَلَفُوا في المُرادِ بِهَذِهِ الوِلايَةِ، فَنَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والمُفَسِّرِينَ كُلِّهِمْ، أنَّ المُرادَ هو الوِلايَةُ في المِيراثِ، وقالُوا: جَعَلَ اللَّهُ تَعالى سَبَبَ الإرْثِ الهِجْرَةَ والنُّصْرَةَ دُونَ القَرابَةِ، وكانَ القَرِيبُ الَّذِي آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ لَمْ يَرِثْ مِن أجْلِ أنَّهُ لَمْ يُهاجِرْ ولَمْ يَنْصُرْ، واعْلَمْ أنَّ لَفْظَ الوِلايَةِ غَيْرُ مُشْعِرٍ بِهَذا المَعْنى؛ لِأنَّ هَذا اللَّفْظَ مُشْعِرٌ بِالقُرْبِ عَلى ما قَرَّرْناهُ في مَواضِعَ مِن هَذا الكِتابِ، ويُقالُ: ”«السُّلْطانُ ولِيُّ مَن لا ولِيَّ لَهُ» “ ولا يُفِيدُ الإرْثَ، وقالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [يُونُسَ: ٦٢] ولا يُفِيدُ الإرْثَ بَلِ الوِلايَةُ تُفِيدُ القُرْبَ فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى غَيْرِ الإرْثِ، وهو كَوْنُ بَعْضِهِمْ مُعَظِّمًا لِلْبَعْضِ مُهْتَمًّا بِشَأْنِهِ مَخْصُوصًا بِمُعاوَنَتِهِ ومُناصَرَتِهِ، والمَقْصُودُ أنْ يَكُونُوا يَدًا واحِدَةً عَلى الأعْداءِ، وأنْ يَكُونَ حُبُّ كُلِّ واحِدٍ لِغَيْرِهِ جارِيًا مَجْرى حَبْسِهِ لِنَفْسِهِ، وإذا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِهَذا المَعْنى كانَ حَمْلُهُ عَلى الإرْثِ بَعِيدًا عَنْ دَلالَةِ اللَّفْظِ، لا سِيَّما وهم يَقُولُونَ إنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ صارَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ وأيُّ حاجَةٍ تَحْمِلُنا عَلى

صفحة ١٦٧
حَمْلِ اللَّفْظِ عَلى مَعْنى لا إشْعارَ لِذَلِكَ اللَّفْظِ بِهِ ! ثُمَّ الحُكْمُ بِأنَّهُ صارَ مَنسُوخًا بِآيَةٍ أُخْرى مَذْكُورَةٍ مَعَهُ، هَذا في غايَةِ البُعْدِ، اللَّهُمَّ إلّا إذا حَصَلَ إجْماعُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ إلّا أنَّ دَعْوى الإجْماعِ بَعِيدَةٌ.
* * *
القِسْمُ الثّالِثُ مِن أقْسامِ مُؤْمِنِي زَمانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وهُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ما وافَقُوا الرَّسُولَ في الهِجْرَةِ وبَقُوا في مَكَّةَ وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ فَبَيَّنَ تَعالى حُكْمَهم مِن وجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: قَوْلُهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ الوَلايَةَ المَنفِيَّةَ في هَذِهِ الصُّورَةِ، هي الوَلايَةُ المُثْبَتَةُ في القِسْمِ الَّذِي تَقَدَّمَ، فَمَن حَمَلَ تِلْكَ الوَلايَةَ عَلى الإرْثِ، زَعَمَ أنَّ الوَلايَةَ المَنفِيَّةَ هَهُنا هي الإرْثُ، ومَن حَمَلَ تِلْكَ الوَلايَةَ عَلى سائِرِ الِاعْتِباراتِ المَذْكُورَةِ، فَكَذا هَهُنا، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الوَلايَةِ الإرْثُ، بِأنْ قالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنها الوَلايَةَ بِمَعْنى النُّصْرَةِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَنِ المُوالاةِ في الدِّينِ والمَعْطُوفُ مُغايِرٌ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالوَلايَةِ المَذْكُورَةِ أمْرًا مُغايِرًا لِمَعْنى النُّصْرَةِ وهَذا الِاسْتِدْلالُ ضَعِيفٌ؛ لِأنّا حَمَلْنا تِلْكَ الوَلايَةَ عَلى التَّعْظِيمِ والإكْرامِ وهو أمْرٌ مُغايِرٌ لِلنُّصْرَةِ، ألا تَرى أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَنْصُرُ بَعْضَ أهْلِ الذِّمَّةِ في بَعْضِ المُهِمّاتِ وقَدْ يَنْصُرُ عَبْدَهُ وأمَتَهُ بِمَعْنى الإعانَةِ مَعَ أنَّهُ لا يُوالِيهِ بِمَعْنى التَّعْظِيمِ والإجْلالِ فَسَقَطَ هَذا الدَّلِيلُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ .

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ يُوهِمُ أنَّهم لَمّا لَمْ يُهاجِرُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَقَطَتْ وِلايَتُهم مُطْلَقًا، فَأزالَ اللَّهُ تَعالى هَذا الوَهْمَ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي أنَّهم لَوْ هاجَرُوا لَعادَتْ تِلْكَ الوَلايَةُ وحَصَلَتْ، والمَقْصُودُ مِنهُ الحَمْلُ عَلى المُهاجَرَةِ والتَّرْغِيبُ فِيها؛ لِأنَّ المُسْلِمَ مَتى سَمِعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: إنْ قَطَعَ المُهاجَرَةَ انْقَطَعَتِ الوِلايَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُسْلِمِينَ ولَوْ هاجَرَ حَصَلَتْ تِلْكَ الوِلايَةُ وعادَتْ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، فَلا شَكَّ أنَّ هَذا يَصِيرُ مُرَغِّبًا لَهُ في الهِجْرَةِ، والمَقْصُودُ مِنَ المُهاجَرَةِ كَثْرَةُ المُسْلِمِينَ واجْتِماعُهم وإعانَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وحُصُولُ الأُلْفَةِ والشَّوْكَةِ وعَدَمُ التَّفْرِقَةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ حَمْزَةُ ”مِن وِلايَتِهِمْ“ بِكَسْرِ الواوِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ، قالَ الزَّجّاجُ: مَن فَتَحَ جَعَلَها مِنَ النُّصْرَةِ والنَّسَبِ، وقالَ: والوِلايَةُ الَّتِي بِمَنزِلَةِ الإمارَةِ مَكْسُورَةٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ وقَدْ يَجُوزُ كَسْرُ الوَلايَةِ؛ لِأنَّ في تَوَلِّي بَعْضِ القَوْمِ بَعْضًا جِنْسًا مِنَ الصِّناعَةِ كالقِصارَةِ والخِياطَةِ فَهي مَكْسُورَةٌ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الفَتْحُ أجْوَدُ؛ لِأنَّ الوَلايَةَ هَهُنا مِنَ الدِّينِ والكَسْرُ في السُّلْطانِ.

والحُكْمُ الثّانِي: مِن أحْكامِ هَذا القِسْمِ الثّالِثِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ الحُكْمَ في قَطْعِ الوَلايَةِ بَيْنَ تِلْكَ الطّائِفَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنهُ المُقاطَعَةَ التّامَّةَ كَما في حَقِّ الكُفّارِ بَلْ هَؤُلاءِ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا لَوِ اسْتَنْصَرُوكم فانْصُرُوهم ولا تَخْذُلُوهم، رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ قامَ الزُّبَيْرُ وقالَ: فَهَلْ

صفحة ١٦٨
نُعِينُهم عَلى أمْرٍ إنِ اسْتَعانُوا بِنا ؟ فَنَزَلَ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والمَعْنى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَكم نَصْرُهم عَلَيْهِمْ إذِ المِيثاقُ مانِعٌ مِن ذَلِكَ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ الَّذِي اعْتَبَرَهُ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ في غايَةِ الحُسْنِ لِأنَّهُ ذَكَرَ هَهُنا أقْسامًا ثَلاثَةً:

فالأوَّلُ: المُؤْمِنُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وهم أفْضَلُ النّاسِ وبَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ أنْ يُوالِيَ بَعْضُهم بَعْضًا.

والقِسْمُ الثّانِي: المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا فَهَؤُلاءِ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ لَهم فَضْلٌ وكَرامَةٌ وبِسَبَبِ تَرْكِ الهِجْرَةِ لَهم حالَةٌ نازِلَةٌ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حُكْمُهم حُكْمًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الإجْلالِ والإذْلالِ وذَلِكَ هو أنَّ الوَلايَةَ المُثْبَتَةَ لِلْقِسْمِ الأوَّلِ، تَكُونُ مَنفِيَّةً عَنْ هَذا القِسْمِ، إلّا أنَّهم يَكُونُونَ بِحَيْثُ لَوِ اسْتَنْصَرُوا المُؤْمِنِينَ واسْتَعانُوا بِهِمْ نَصَرُوهم وأعانُوهم، فَهَذا الحُكْمُ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الإجْلالِ والإذْلالِ، وأمّا الكُفّارُ فَلَيْسَ لَهُمُ البَتَّةَ ما يُوجِبُ شَيْئًا مِن أسْبابِ الفَضِيلَةِ، فَوَجَبَ كَوْنُ المُسْلِمِينَ مُنْقَطِعِينَ عَنْهم مِن كُلِّ الوُجُوهِ فَلا يَكُونُ بَيْنَهم ولايَةٌ ولا مُناصَرَةٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَظَهَرَ أنَّ هَذا التَّرْتِيبَ في غايَةِ الحُسْنِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ في المُوارَثَةِ مَعَ اخْتِلافِ مِلَلِهِمْ كَأهْلِ مِلَّةٍ واحِدَةٍ، فالمَجُوسِيُّ يَرِثُ الوَثَنِيَّ، والنَّصْرانِيُّ يَرِثُ المَجُوسِيَّ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .

واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ إنَّما يَسْتَقِيمُ إذا حَمَلْنا الوَلايَةَ عَلى الإرْثِ وقَدْ سَبَقَ القَوْلُ فِيهِ، بَلِ الحَقُّ أنْ يُقالَ: إنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ كانُوا في غايَةِ العَداوَةِ لِلْيَهُودِ فَلَمّا ظَهَرَتْ دَعْوَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ تَناصَرُوا وتَعاوَنُوا عَلى إيذائِهِ ومُحارَبَتِهِ، فَكانَ المُرادُ مِنَ الآيَةِ ذَلِكَ، وتَمامُ التَّحْقِيقِ فِيهِ أنَّ الجِنْسِيَّةَ عِلَّةُ الضَّمِّ وشَبِيهُ الشَّيْءِ مُنْجَذِبٌ إلَيْهِ، والمُشْرِكُونَ واليَهُودُ والنَّصارى لَمّا اشْتَرَكُوا في عَداوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ صارَتْ هَذِهِ الجِهَةُ مُوجِبَةً لِانْضِمامِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ وقُرْبِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم ما أقْدَمُوا عَلى تِلْكَ العَداوَةِ لِأجْلِ الدِّينِ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم كانَ في نِهايَةِ الإنْكارِ لِدِينِ صاحِبِهِ، بَلْ كانَ ذَلِكَ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ تِلْكَ العَداوَةَ لِمَحْضِ الحَسَدِ والبَغْيِ والعِنادِ.

ثُمَّ إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ هَذِهِ الأحْكامَ قالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ والمَعْنى: إنْ لَمْ تَفْعَلُوا ما أمَرْتُكم بِهِ في هَذِهِ التَّفاصِيلِ المَذْكُورَةِ المُتَقَدِّمَةِ تَحْصُلُ فِتْنَةٌ في الأرْضِ ومَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ، وبَيانُ هَذِهِ الفِتْنَةِ والفَسادِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ المُسْلِمِينَ لَوِ اخْتَلَطُوا بِالكُفّارِ في زَمانِ ضَعْفِ المُسْلِمِينَ وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، وزَمانِ قُوَّةِ الكُفّارِ وكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ، فَرُبَّما صارَتْ تِلْكَ المُخالَطَةُ سَبَبًا لِالتِحاقِ المُسْلِمِ بِالكُفّارِ.

الثّانِي: أنَّ المُسْلِمِينَ لَوْ كانُوا مُتَفَرِّقِينَ لَمْ يَظْهَرْ مِنهم جَمْعٌ عَظِيمٌ، فَيَصِيرُ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَراءَةِ الكُفّارِ عَلَيْهِمْ.

الثّالِثُ: أنَّهُ إذا كانَ جَمْعُ المُسْلِمِينَ كُلَّ يَوْمٍ في الزِّيادَةِ في العَدَدِ والعُدَّةِ، صارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَزِيدِ رَغْبَتِهِمْ فِيما هم فِيهِ ورَغْبَةِ المُخالِفِ في الِالتِحاقِ بِهِمْ.

صفحة ١٦٩
واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذا القِسْمَ الثّالِثَ، عادَ إلى ذِكْرِ القِسْمِ الأوَّلِ والثّانِي مَرَّةً أُخْرى فَقالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ .
واعْلَمْ أنَّ هَذا لَيْسَ بِتَكْرارٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَهم أوَّلًا لِيُبَيِّنَ حُكْمَهم وهو ولايَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى ذَكَرَهم هَهُنا لِبَيانِ تَعْظِيمِ شَأْنِهِمْ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ، وبَيانُهُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الإعادَةَ تَدُلُّ عَلى مَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِحالِهِمْ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى الشَّرَفِ والتَّعْظِيمِ.

والثّانِي: وهو أنَّهُ تَعالى أثْنى عَلَيْهِمْ هَهُنا مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أوَّلُها: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فَقَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ يُفِيدُ الحَصْرَ وقَوْلُهُ: ﴿حَقًّا﴾ يُفِيدُ المُبالَغَةَ في وصْفِهِمْ بِكَوْنِهِمْ مُحِقِّينَ مُحَقِّقِينَ في طَرِيقِ الدِّينِ، والأمْرُ في الحَقِيقَةِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَكُنْ مُحِقًّا في دِينِهِ لَمْ يَتَحَمَّلْ تَرْكَ الأدْيانِ السّالِفَةِ، ولَمْ يُفارِقِ الأهْلَ والوَطَنَ ولَمْ يَبْذُلِ النَّفْسَ والمالَ ولَمْ يَكُنْ في هَذِهِ الأحْوالِ مِنَ المُتَسارِعِينَ المُتَسابِقِينَ.

وثانِيها: قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وتَنْكِيرُ لَفْظِ المَغْفِرَةِ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ كَما أنَّ التَّنْكِيرَ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٩٦] يَدُلُّ عَلى كَمالِ تِلْكَ الحَياةِ، والمَعْنى: لَهم مَغْفِرَةٌ تامَّةٌ كامِلَةٌ عَنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ والتَّبِعاتِ.

وثالِثُها: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ والمُرادُ مِنهُ الثَّوابُ الرَّفِيعُ الشَّرِيفُ. والحاصِلُ: أنَّهُ تَعالى شَرَحَ حالَهم في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، أمّا في الدُّنْيا فَقَدْ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وأمّا في الآخِرَةِ فالمَقْصُودُ إمّا دَفْعُ العِقابِ، وإمّا جَلْبُ الثَّوابِ، أمّا دَفْعُ العِقابِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وأمّا جَلْبُ الثَّوابِ فَهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وهَذِهِ السَّعاداتُ العالِيَةُ إنَّما حَصَلَتْ لِأنَّهم أعْرَضُوا عَنِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، فَتَرَكُوا الأهْلَ والوَطَنَ وبَذَلُوا النَّفْسَ والمالَ، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لا طَرِيقَ إلى تَحْصِيلِ السَّعاداتِ إلّا بِالإعْراضِ عَنْ هَذِهِ الجُسْمانِيّاتِ.

* * *
القِسْمُ الرّابِعُ مِن مُؤْمِنِي زَمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ هُمُ الَّذِينَ لَمْ يُوافِقُوا الرَّسُولَ في الهِجْرَةِ إلّا أنَّهم بَعْدَ ذَلِكَ هاجَرُوا إلَيْهِ، وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اخْتَلَفُوا في المُرادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ نَقَلَ الواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ وهي الهِجْرَةُ الثّانِيَةُ، وقِيلَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وقِيلَ: بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ، والأصَحُّ أنَّ المُرادَ والَّذِينَ هاجَرُوا بَعْدَ الهِجْرَةِ الأُولى، وهَؤُلاءِ هُمُ التّابِعُونَ بِإحْسانٍ كَما قالَ: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [التَّوْبَةِ: ١٠٠] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الأصَحُّ أنَّ الهِجْرَةَ انْقَطَعَتْ بِفَتْحِ مَكَّةَ؛ لِأنَّ عِنْدَهُ صارَتْ مَكَّةُ بَلَدَ الإسْلامِ وقالَ الحَسَنُ: الهِجْرَةُ غَيْرُ مُنْقَطِعَةٍ أبَدًا، وأمّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ» “ فالمُرادُ الهِجْرَةُ المَخْصُوصَةُ، فَإنَّها انْقَطَعَتْ بِالفَتْحِ وبِقُوَّةِ الإسْلامِ، أمّا لَوِ اتَّفَقَ في بَعْضِ الأزْمانِ كَوْنُ المُؤْمِنِينَ في بَلَدٍ وفي عَدَدِهِمْ قِلَّةٌ، ويَحْصُلُ لِلْكُفّارِ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ مَعَهم شَوْكَةٌ وإنْ هاجَرَ المُسْلِمُونَ مِن تِلْكَ البَلْدَةِ وانْتَقَلُوا إلى بَلْدَةٍ أُخْرى ضَعُفَتْ شَوْكَةُ الكُفّارِ، فَهَهُنا تَلْزَمُهُمُ الهِجْرَةُ عَلى ما قالَهُ الحَسَنُ؛ لِأنَّهُ قَدْ حَصَلَ فِيهِمْ مِثْلُ العِلَّةِ في الهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَرْتَبَةَ هَؤُلاءِ دُونَ مَرْتَبَةِ المُهاجِرِينَ السّابِقِينَ؛ لِأنَّهُ

صفحة ١٧٠
ألْحَقَ هَؤُلاءِ بِهِمْ وجَعَلَهم مِنهم في مَعْرِضِ التَّشْرِيفِ، ولَوْلا كَوْنُ القِسْمِ الأوَّلِ أشْرَفَ وإلّا لَما صَحَّ هَذا المَعْنى، فَهَذا شَرْحُ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: الَّذِينَ قالُوا المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وِلايَةُ المِيراثِ قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ ناسِخَةٌ لَهُ، فَإنَّهُ تَعالى بَيَّنَ أنَّ الإرْثَ كانَ بِسَبَبِ النُّصْرَةِ والهِجْرَةِ، والآنَ قَدْ صارَ ذَلِكَ مَنسُوخًا فَلا يَحْصُلُ الإرْثُ إلّا بِسَبَبِ القَرابَةِ، وقَوْلُهُ: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ المُرادُ مِنهُ السِّهامُ المَذْكُورَةُ في سُورَةِ النِّساءِ، وأمّا الَّذِينَ فَسَّرُوا تِلْكَ الآيَةَ بِالنُّصْرَةِ والمَحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ قالُوا: إنَّ تِلْكَ الوِلايَةَ لَمّا كانَتْ مُحْتَمِلَةً لِلْوِلايَةِ بِسَبَبِ المِيراثِ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ وِلايَةَ الإرْثِ إنَّما تَحْصُلُ بِسَبَبِ القَرابَةِ، إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ إزالَةَ هَذا الوَهْمِ، وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ تَكْثِيرَ النَّسْخِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ ولا حاجَةٍ لا يَجُوزُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَمَسَّكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في كِتابِهِ إلى أبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ بِهَذِهِ الآيَةِ في أنَّ الإمامَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هو عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ فَقالَ: قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الوِلايَةِ ولَيْسَ في الآيَةِ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ في ثُبُوتِ هَذِهِ الأوْلَوِيَّةِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى الكُلِّ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وحِينَئِذٍ يَنْدَرِجُ فِيهِ الإمامَةُ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ أبا بَكْرٍ كانَ مِن أُولِي الأرْحامِ لِما نُقِلَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أعْطاهُ سُورَةَ بَراءَةَ لِيُبَلِّغَها إلى القَوْمِ، ثُمَّ بَعَثَ عَلِيًّا خَلْفَهُ وأمَرَ بِأنْ يَكُونَ المُبَلِّغَ هو عَلِيٌّ، وقالَ: ”لا يُؤَدِّيها إلّا رَجُلٌ مِنِّي» “ وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ أبا بَكْرٍ ما كانَ مِنهُ، فَهَذا هو وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ.

والجَوابُ: إنْ صَحَّتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ كانَ العَبّاسُ أوْلى بِالإمامَةِ؛ لِأنَّهُ كانَ أقْرَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ مِن عَلِيٍّ، وبِهَذا الوَجْهِ أجابَ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ عَنْهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: تَمَسَّكَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، في تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ، وأجابَ أصْحابُنا عَنْهُ بِأنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ مُجْمَلٌ في الشَّيْءِ الَّذِي حَصَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الأوْلَوِيَّةُ، فَلَمّا قالَ: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ كانَ مَعْناهُ في الحُكْمِ الَّذِي بَيَّنَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ، فَصارَتْ هَذِهِ الأوْلَوِيَّةُ مُقَيَّدَةً بِالأحْكامِ الَّتِي بَيَّنَها اللَّهُ في كِتابِهِ، وتِلْكَ الأحْكامُ لَيْسَتْ إلّا مِيراثَ العَصَباتِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا المُجْمَلِ هو ذَلِكَ فَقَطْ فَلا يَتَعَدّى إلى تَوْرِيثِ ذَوِي الأرْحامِ.

ثُمَّ قالَ في خَتْمِ السُّورَةِ: ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ والمُرادُ أنَّ هَذِهِ الأحْكامَ الَّتِي ذَكَرْتُها وفَصَّلْتُها كُلُّها حِكْمَةٌ وصَوابٌ وصَلاحٌ، ولَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ العَبَثِ والباطِلِ؛ لِأنَّ العالِمَ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ لا يَحْكُمُ إلّا بِالصَّوابِ، ونَظِيرُهُ أنَّ المَلائِكَةَ لَمّا قالُوا: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [البقرة: ٣٠] قالَ مُجِيبًا لَهم: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [البَقَرَةِ: ٣٠] يَعْنِي لَمّا عَلِمْتُمْ كَوْنِي عالِمًا بِكُلِّ المَعْلُوماتِ، فاعْلَمُوا أنَّ حُكْمِي يَكُونُ مُنَزَّهًا عَنِ الغَلَطِ كَذا هَهُنا، واللَّهُ أعْلَمُ.

تَمَّ تَفْسِيرُ هَذِهِ السُّورَةِ ولِلَّهِ الحَمْدُ والشُّكْرُ، كَما هو أهْلُهُ ومُسْتَحِقُّهُ. يَوْمَ الأحَدِ في رَمَضانَ سَنَةَ إحْدى

صفحة ١٧١
وسِتِّمِائَةٍ في قَرْيَةٍ يُقالُ لَها بَغْدانُ. ونَسْألُ اللَّهَ الخَلاصَ مِنَ الأهْوالِ وشِدَّةِ الزَّمانِ، وكَيْدِ أهْلِ البَغْيِ والخِذْلانِ، إنَّهُ المَلِكُ الدَّيّانُ. وصَلاتُهُ وسَلامُهُ عَلى حَبِيبِ الرَّحْمَنِ، مُحَمَّدٍ المُصْطَفى صاحِبِ المُعْجِزاتِ والبُرْهانِ.

The same ayah, in another commentary

Al-Anfāl 8:75