All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

Gathers the whole tradition on a verse, then closes with its spiritual reading.

Al-Muʾminūn 23:118 Juzʾ 18 Page 349

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And, [O Muhammad], say, "My Lord, forgive and have mercy, and You are the best of the merciful."

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ «( رَبّ)» بِالضَّمِّ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ والظّاهِرُ أنَّ طَلَبَ كُلٍّ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ عَلى وجْهِ العُمُومِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِمُتَّبِعِيهِ وهو أيْضًا أعَمُّ مِن طَلَبِ أصْلِ الفِعْلِ والمُداوَمَةِ عَلَيْهِ فَلا إشْكالَ، وقَدْ يُقالُ في دَفْعِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وفي تَخْصِيصِ هَذا الدُّعاءِ بِالذِّكْرِ ما يَدُلُّ عَلى أهَمِّيَّةِ ما فِيهِ، وقَدْ عَلَّمَ ﷺ أبا بَكْرٍ الصَّدِيقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنْ يَقُولَ نَحْوَهُ في صِلاتِهِ.

فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَّةَ وابْنُ حِبّانَ وجَماعَةٌ «عَنْ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي دُعاءً أدْعُو بِهِ في صَلاتِي قالَ: قُلِ اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وأنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أنْتَ فاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِن عِنْدِكَ وارْحَمْنِي إنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ». ولِقِراءَةِ هَذِهِ الآياتِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ﴾ إلى آخَرِ السُّورَةِ عَلى المُصابِ نَفْعٌ عَظِيمٌ وكَذا المُداوَمَةُ عَلى قِراءَةِ بَعْضِها في السَّفَرِ.

أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو نَعِيمٍ في الحِلْيَةِ وآخَرُونَ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ في أُذُنٍ مُصابٍ ﴿أفَحَسِبْتُمْ﴾ حَتّى خَتَمَ السُّورَةَ فَبَرَّأ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَّ رَجُلًا مُوقِنًا قَرَأ بِها عَلى جَبَلٍ لَزالَ»».

وأخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ وابْنُ مِندَهٍ وأبُو نَعِيمٍ في المَعْرِفَةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ بْنِ الحارِثِ التَّمِيمِيِّ عَنْ أبِيهِ قالَ: ««بَعَثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سِرِّيَّةِ وأمَرَنا أنْ نَقُولَ إذا أمْسَيْنا وأصْبَحْنا ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ فَقَرَأْناها فَغَنَمْنا وسَلِمْنا»»

هَذا واللَّهُ تَعالى المَسْؤُولُ لِكُلِّ خَيْرٍ.
* * *

صفحة 73
ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ قِيلَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ وصَلُوا إلى المَحَلِّ الأعْلى والقِرْبَةِ والسَّعادَةِ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ظاهِرًا وباطِنًا، والخُشُوعِ في الظّاهِرِ انْتِكاسُ الرَّأْسِ والنَّظَرِ إلى مَوْضِعِ السُّجُودِ وإلى ما بَيْنَ يَدَيْهِ وتَرَكَ الِالتِفاتَ والطُّمَأْنِينَةَ في الأرْكانِ ونَحْوِ ذَلِكَ، والخُشُوعُ في الباطِنِ سُكُونُ النَّفْسِ عَنِ الخَواطِرِ والهَواجِسِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ أوْ تَرْكِ الِاسْتِرْسالِ مَعَها وحُضُورِ القَلْبِ لِمَعانِي القِراءَةِ والأذْكارِ ومُراقَبَةِ السِّرِّ بِتَرْكِ الِالتِفاتِ إلى المُكَوِّناتِ واسْتِغْراقِ الرُّوحِ في بَحْرِ المَحَبَّةِ، والخُشُوعُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلاةِ عِنْدَ بَعْضِ الخَواصِّ نَقَلَ الغَزّالِيُّ عَنْ أبِي طالِبٍ المَكِّيِّ عَنْ بِشْرِ الحافِيِّ مَن لَمْ يَخْشَعْ فَسَدَتْ صَلاتُهُ وهو قَوْلٌ لِبَعْضِ الفُقَهاءِ وتَفْصِيلُهُ في كُتُبِهِمْ، ولا خِلافَ في أنَّهُ لا ثَوابَ في قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ مِن أقْوالٍ أوْ أفْعالِ الصَّلاةِ أدّى مَعَ الغَفْلَةِ وما أقْبَحَ مُصَلٍّ يَقُولُ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتِحَةُ: 2] وهو غافِلٌ عَنِ الرَّبِّ جَلَّ شَأْنُهُ مُتَوَجِّهٌ بِشَراشِرِهِ إلى الدِّرْهَمِ والدِّينارِ ثُمَّ يَقُولُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الفاتِحَةُ: 5] ولَيْسَ في قَلْبِهِ وفِكْرِهِ غَيْرُهُما ونَحْوُ هَذا كَثِيرٌ، ومِن هُنا قالَ الحَسَنُ: كُلُّ صَلاةٍ لا يَحْضُرُ فِيها القَلْبُ فَهي إلى العُقُوبَةِ أسْرَعُ.

وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ الصَّلاةَ مِعْراجُ المُؤْمِنِ افْتَرى مِثْلَ صَلاةِ هَذا تَصْلُحُ لِذَلِكَ حاشَ لِلَّهِ تَعالى مَن زَعَمَ ذَلِكَ فَقَدِ افْتَرى ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالَ بَعْضُهُمُ: اللَّغْوُ كُلُّ ما يَشْغَلُ عَنِ الحَقِّ عَزَّ وجَلَّ.

وقالَ أبُو عُثْمانَ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ لِلنَّفْسِ حَظٌّ فَهو لَغْوٌ، وقالَ أبُو بَكْرٍ بْنُ طاهِرٍ: كُلُّ ما سِوى اللَّهِ تَعالى فَهو لَغْوٌ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ هي تَزْكِيَةُ النَّفْسِ عَنِ الأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى اسْتِيلائِهِمْ عَلى القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ فَلا يَتَجاوَزُونَ فِيها ما حَدَّ لَهُمْ، وقِيلَ: الإشارَةُ فِيهِ إلى حِفْظِ الأسْرارِ أيْ والَّذِينَ هم ساتِرُونَ لِما يَقْبَحُ كَشْفُهُ مِنَ الأسْرارِ عَنِ الأغْيارِ إلّا عَلى أقْرانِهِمْ ومَنِ ازْدَوَجَ مَعَهم أوْ عَلى مُرِيدِيهِمُ الَّذِينَ هم كالعَبِيدِ لَهم ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ: سائِرُ جَوارِحِهِمُ ﴿وعَهْدِهِمْ﴾ المِيثاقُ الأزَلِيُّ ﴿راعُونَ﴾ فَهم حَسَنُو الأفْعالِ والأقْوالِ والِاعْتِقاداتِ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَيُؤَدُّونَها بِشَرائِطِها ولا يَفْعَلُونَ فِيها وبَعْدَها ما يُضَيِّعُها كالرِّياءِ والعَجَبِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ قِيلَ المَخْلُوقُ مِن ذَلِكَ هو الهَيْكَلُ المَحْسُوسُ وأمّا الرُّوحُ فَهي مَخْلُوقَةٌ مِن نُورٍ إلَهِيٍّ يَعِزُّ عَلى العُقُولِ إدْراكُ حَقِيقَتِهِ، وفي قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى نَفْخِ تِلْكَ الرُّوحِ المَخْلُوقَةِ مِن ذَلِكَ النُّورِ وهي الحَقِيقَةُ الآدَمِيَّةُ المُرادَّةُ فِي

قَوْلِهِ ﷺ ««خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلى صُورَتِهِ»»

أيْ عَلى صِفَتِهِ سُبْحانَهُ مِن كَوْنِهِ حَيًّا عالِمًا مُرِيدًا قادِرًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصِّفاتِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى مَراتِبِ النَّفْسِ الَّتِي بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ وكُلُّ مَرْتَبَةٍ سُفْلى مِنها تَحْجُبُ العُلْيا أوْ إشارَةٌ إلى حَجْبِ الحَواسِّ الخَمْسِ الظّاهِرَةِ وحاسَّتَيِّ الوَهْمِ والخَيالِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قِيلَ أيْ سَماءِ العِنايَةِ ماءً أيْ ماءِ الرَّحْمَةِ ﴿بِقَدَرٍ﴾ أيْ بِمِقْدارِ اسْتِعْدادِ السّالِكِ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ أيْ أرْضِ وُجُودِهِ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ أيْ نَخِيلِ المَعارِفِ ﴿وأعْنابٍ﴾ أيْ أعْنابِ الكُشُوفِ، وقِيلَ النَّخِيلُ إشارَةٌ إلى عُلُومِ الشَّرِيعَةِ والأعْنابِ إشارَةٌ إلى عُلُومِ الطَّرِيقَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ هي ما كانَ مِنها زائِدًا عَلى الواجِبِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى ما كانَ واجِبًا لا يَتِمُّ قِوامُ الشَّرِيعَةِ والطَّرِيقَةِ بِدُونِهِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى النُّورِ الَّذِي يُشْرِقُ مِن طَوْرِ القَلْبِ بِواسِطَةِ ما حَصَلَ لَهُ مِنَ
صفحة 74
التَّجَلِّي الإلَهِيِّ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ تَنْبُتُ بِالجامِعِ لِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ وهو الِاسْتِعْدادُ، والآكِلِينَ إشارَةٌ إلى المُتَغَذِّينَ بِأطْعِمَةِ المَعارِفِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فِيهِ مِنَ الأمْرِ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ ما فِيهِ.

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِالأعْمالِ وإرْشادِ إلى التَّشَبُّثِ بِرَحْمَةِ المَلِكِ المُتَعالِ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَنا لِطاعَتِهِ ويَغْفِرَ لَنا ما ارْتَكَبْناهُ مِن مُخالَفَتِهِ ويَتَفَضَّلُ عَلَيْنا بِأعْظَمِ مِمّا نُؤَمِّلُهُ مِن رَحْمَتِهِ كَرامَةٍ لِنَبِيِّهِ الكَرِيمِ وحَبِيبِهِ الَّذِي هو بِالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ وسَلَّمَ وشَرِّفْ وعَظِّمْ وكَرِّمْ.

The same ayah, in another commentary

Al-Muʾminūn 23:118