All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

The whole tradition on a verse, closing with its spiritual reading.

Āl ʿImrān 3:16 Juzʾ 3 Page 52

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Those who say, "Our Lord, indeed we have believed, so forgive us our sins and protect us from the punishment of the Fire,"

Read in the muṣḥaf
روح المعاني Al-Ālūsī

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ مَن
صفحة 102
أُولَئِكَ المُتَّقُونَ؟ فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ الخ، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ، وأنْ يَكُونَ في حَيِّزِ الجَرِّ عَلى أنَّهُ تابِعٌ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ نَعْتًا أوْ بَدَلًا، أوِ العِبادُ كَذَلِكَ، واعْتُرِضَ كَوْنُهُ نَعْتًا لِلْعِبادِ بِأنَّ فِيهِ تَخْصِيصَ الإبْصارِ بِبَعْضِ العِبادِ، وفِيهِ أنَّ ذَلِكَ التَّخْصِيصَ لا يُوهِمُ الِاخْتِصاصَ لِظُهُورِ الأمْرِ بَلْ يُفِيدُ الِاهْتِمامَ بِشَأْنِهِمْ ورِفْعَةِ مَكانِهِمْ، واعْتُرِضَ أيْضًا كَوْنُهُ تابِعًا لِلْمُتَّقِينَ بِأنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا لا سِيَّما إذا جُعِلَتِ اللّامُ مُتَعَلِّقَةً بِخَيْرٍ لِكَثْرَةِ الفَواصِلِ بَيْنَ التّابِعِ والمَتْبُوعِ، وأُجِيبَ بِأنَّهُ لا بَأْسَ بِهَذا الفَصْلِ كَما لا بَأْسَ بِالفَصْلِ بَيْنَ المَمْدُوحِ والمَدْحِ إذِ الصِّفَةُ المادِحَةُ المَقْطُوعَةُ تابِعَةٌ في المَعْنى ولِهَذا يَلْزَمُ حَذْفُ النّاصِبِ أوِ المُبْتَدَأِ لِئَلّا يَخْرُجُ الكَلامُ عَنْ صُورَةِ التَّبَعِيَّةِ فالفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ وسائِرِ التَّوابِعِ في قُبْحِ الفَصْلِ وعَدَمِهِ خَفِيٌّ لا بُدَّ لَهُ مِن دَلِيلٍ نَبِيلٍ، وفِيهِ أنَّ قِياسَ التَّبَعِيَّةِ لَفْظًا ومَعْنًى عَلى التَّبَعِيَّةِ مَعْنًى فَقَطْ مِمّا لا يَنْبَغِي مِن جاهِلٍ فَضْلًا عَنْ عالِمٍ فاضِلٍ، والتِزامُ حَذْفِ النّاصِبِ أوِ المُبْتَدَأِ في صُورَةِ القَطْعِ لِلْمَدْحِ أوْ لِلذَّمِّ قَدْ يُقالُ: إنَّهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ الإخْبارِ، والمَقْصُودُ الإنْشاءُ لا لِئَلّا يَخْرُجُ الكَلامُ عَنْ صُورَةِ التَّبَعِيَّةِ، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِإظْهارِ أنَّ إيمانَهم ناشِئٌ مِن وُفُورِ الرَّغْبَةِ وكَمالِ النَّشاطِ، وفي تَرْتِيبِ طَلَبِ المَغْفِرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [ 16 ] عَلى مُجَرَّدِ الإيمانِ دَلِيلٌ عَلى كِفايَتِهِ في اِسْتِحْقاقِ المَغْفِرَةِ والوِقايَةِ مِنَ النّارِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى الطّاعاتِ، والمُرادُ مِنَ الذُّنُوبِ الكَبائِرُ والصَّغائِرُ.

‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

The patient, the true, the obedient, those who spend [in the way of Allah], and those who seek forgiveness before dawn.

روح المعانيAl-Ālūsī

‏‏‏‏‏‏‏ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا وأنْ يَكُونَ مَنصُوبًا صِفَةً لِلَّذِينِ إنْ جَعَلْتَهُ في مَوْضِعِ جَرٍّ أوْ نَصْبٍ وإذا جَعَلْتَهُ في مَحَلِّ رَفْعٍ كانَ هَذا مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، والمُرادُ بِالصَّبْرِ الصَّبْرُ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، والصَّبْرُ عَنْ مَحارِمِهِ قالَهُ قَتادَةُ، وحَذْفُ المُتَعَلِّقِ يُشْعِرُ بِالعُمُومِ فَيَشْمَلُ الصَّبْرَ عَلى البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ، ‏‏‏‏‏‏‏ في نِيّاتِهِمْ وأقْوالِهِمْ سِرًّا وعَلانِيَةً وهو المَرْوِيُّ عَنْ قَتادَةَ أيْضًا ‏‏‏‏‏‏‏ أيِ المُطِيعِينَ قالَهُ اِبْنُ جُبَيْرٍ، أوِ المُداوِمِينَ عَلى الطّاعَةِ والعِبادَةِ قالَهُ الزَّجّاجُ، أوِ القائِمَيْنِ بِالواجِباتِ قالَهُ القاضِي، ‏‏‏‏‏‏‏‏ مِن أمْوالِهِمْ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى قالَهُ اِبْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا، ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [ 17 ] قالَ مُجاهِدٌ والكَلْبِيُّ وغَيْرُهُما: أيِ المُصَلِّينَ بِالأسْحارِ، وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: هُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ صَلاةَ الصُّبْحِ، وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يُحْيِي اللَّيْلَ صَلاةً ثُمَّ يَقُولُ: يا نافِعُ أسَحَرَنا؟ فَيَقُولُ: لا، فَيُعاوِدُ الصَّلاةَ فَإذا قالَ: نَعَمْ، قَعَدَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعالى ويَدْعُو حَتّى يُصْبِحَ، وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «”أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَسْتَغْفِرَ بِالأسْحارِ سَبْعِينَ اِسْتِغْفارَةً“،» ورَوى الرِّضا عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ: «أنَّ مَنِ اِسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعالى في وقْتِ السَّحَرِ سَبْعِينَ مَرَّةً فَهو مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ» والباءُ في بِالأسْحارِ بِمَعْنى فِي، وهي جَمْعُ سَحَرٍ بِفَتْحِ الحاءِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِها سُمِّيَتْ أواخِرَ اللَّيالِي بِذَلِكَ لِما فِيها مِنَ الخَفاءِ كالسَّحَرِ لِلشَّيْءِ الخَفِيِّ، وقالَ بَعْضُهُمِ: السَّحَرُ مِن ثُلْثِ اللَّيْلِ الأخِيرِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ.

وتَخْصِيصُ الأسْحارِ بِالِاسْتِغْفارِ لِأنَّ الدُّعاءَ فِيها أقْرَبُ إلى الإجابَةِ إذِ العِبادَةُ حِينَئِذٍ أشَقُّ والنَّفْسُ أصْفى والرُّوعُ أجْمَعُ، وفي «اَلصَّحِيحِ»: «”أنَّهُ تَعالى وتَنَزَّهَ عَنْ سِماتِ الحُدُوثِ يَنْزِلُ إلى سَماءِ الدُّنْيا في ثُلْثِ اللَّيْلِ الأخِيرِ فَيَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبُ لَهُ، مَن يَسْألُنِي فَأُعْطِيهِ، مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرُ لَهُ، فَلا يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَطْلُعَ الفَجْرُ“،» وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ وأحْمَدُ عَنْ سَعِيدٍ الجَرِيرِيِّ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَألَ جِبْرِيلَ
صفحة 103
عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا جِبْرِيلُ أيُّ اللَّيْلِ أفْضَلُ قالَ: يا داوُدُ ما أدْرِي سِوى أنَّ العَرْشَ يَهْتَزُّ في السَّحَرِ».

وتَوْسِيطُ الواوِ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ إمّا لِأنَّ المَوْصُوفَ بِها مُتَعَدِّدٌ وإمّا لِلدَّلالَةِ عَلى اِسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنها وكَمالِهِمْ فِيها، وقَوْلُ أبِي حَيّانَ: لا نَعْلَمُ أنَّ العَطْفَ في الصِّفَةِ بِالواوِ يَدُلُّ عَلى الكَمالِ رَدَّهُ الحَلَبِيُّ بِأنَّ عُلَماءَ البَيانِ عَلِمُوهُ وهم هم.
* * *
هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ يا مَعْشَرَ السّالِكِينَ إلى مَقْصِدِ الكُلِّ (آيَةٌ) دالَّةٌ عَلى كَمالِكم وبُلُوغِكم إلى ذُرْوَةِ التَّوْحِيدِ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِلْحَرْبِ (فِئَةٌ) مِنهُما وهي فِئَةُ القُوى الرُّوحانِيَّةِ الَّتِي هي جُنْدُ اللَّهِ تَعالى ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ وطَرِيقِ الوُصُولِ إلَيْهِ ﴿وأُخْرى﴾ مِنهُما وهي جُنُودُ النَّفْسِ وأعْوانُ الشَّيْطانِ ﴿كافِرَةٌ﴾ ساتِرَةٌ لِلْحَقِّ مَحْجُوبَةٌ عَنْ حَظائِرِ الصِّدْقِ، تَرى الفِئَةُ الأخِيرَةُ الفِئَةَ الأُولى لِحَوَلِ عَيْنِ بَصِيرَتِها ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ عِنْدَ الِالتِقاءِ في مَعْرَكَةِ البَدَنِ رُؤْيَةً مَكْشُوفَةً ظاهِرَةً لا خَفاءَ فِيها مِثْلَ رُؤْيَةِ العَيْنِ، وذَلِكَ لِتَأْيِيدِ الفِئَةِ المُؤْمِنَةِ بِالأنْوارِ الإلَهِيَّةِ والإشْراقاتِ الجَبَرُوتِيَّةِ، وخِذْلانِ الفِئَةِ الكافِرَةِ بِما اِسْتَوْلى عَلَيْها مِن تَراكُمِ ظُلُماتِ الطَّبِيعَةِ وذُلِّ البُعْدِ عَنِ الحَضْرَةِ ﴿واللَّهُ﴾ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ تَأْيِيدَهُ لِقَبُولِ اِسْتِعْدادِهِ لِذَلِكَ ‏‏ ‏ ‏‏‏ التَّأْيِيدِ ﴿لَعِبْرَةً﴾ أيِ اِعْتِبارًا أوْ أمْرًا يُعْتَبَرُ بِهِ في الوُصُولِ إلى حَيْثُ المَأْمُولُ لِلْمُسْتَبْصِرِينَ الفاتِحِينَ أعْيُنَ بَصائِرِهِمْ لِمُشاهَدَةِ الأنْوارِ الأزَلِيَّةِ في آفاقِ المَظاهِرِ الإلَهِيَّةِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِسَبَبِ ما فِيهِمْ مِنَ العالَمِ السُّفْلِيِّ والغِشاوَةِ الطَّبِيعِيَّةِ والغَواشِي البَدَنِيَّةِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وهي النُّفُوسُ ﴿والبَنِينَ﴾ وهي الخَيالاتُ المُتَوَلِّدَةُ مِنها النّاشِئَةُ عَنْها ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وهي العُلُومُ المُتَداوَلَةُ وغَيْرُ المُتَداوَلَةِ، أوِ الأُصُولُ والفُرُوعُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وهي مَراكِبُ الهَوى وأفْراسُ اللَّهْوِ ﴿والأنْعامِ﴾ وهي رَواحِلُ جَمْعِ الحُطامِ وأسْبابُ جَلْبِ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿والحَرْثِ﴾ وهو زَرْعُ الحِرْصِ وطُولُ الأمَلِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ الزّائِلُ عَمّا قَلِيلٍ بِالرُّجُوعِ إلى المَبْدَأِ الأصْلِيِّ والمَوْطِنِ القَدِيمِ.

ولَكَ أنْ تُبْقِيَ هَذِهِ المَذْكُوراتِ عَلى ظَواهِرِها فَإنَّ النُّفُوسَ المُنْغَمِسَةَ في أوْحالِ الطَّبِيعَةِ لَها مَيْلٌ كُلِّيٌّ إلى ذَلِكَ أيْضًا ﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ المَذْكُورِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ النَّظَرَ إلى الأغْيارِ ﴿جَنّاتٌ﴾ جَنَّةُ يَقِينٍ وجَنَّةُ مُكاشَفَةٍ وجَنَّةُ مُشاهَدَةٍ وجَنَّةُ رِضًا وجَنَّةٌ لا أقُولُها وهي الَّتِي فِيها ما لا عَيْنَ رَأتْ ولا أُذُنَ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، ولَيْسَ في تِلْكَ الجَنَّةِ عِنْدَ العارِفِينَ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أنْهارُ التَّجَلِّياتِ المُتْرَعَةِ بِماءِ الغُيُوبِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ بِبَقائِهِمْ بَعْدَ فَنائِهِمْ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وهي الأرْواحُ المُقَدَّسَةُ عَنْ أدْناسِ الطَّبِيعَةِ المَقْصُورَةِ في خِيامِ الصِّفاتِ الإلَهِيَّةِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ لا يُقَدَّرُ قَدْرُهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ في تَقَلُّبِ أرْواحِهِمْ في عالَمِ المَلَكُوتِ، مُحْتَرِقاتٍ مِن سَطَواتِ أنْوارِ الجَبَرُوتِ حُبًّا لِجِوارِهِ وشَوْقًا إلى لِقائِهِ يُجازِيها بِقَدْرِ هُمُومِها في طَلَبِ وجْهِهِ الأزَلِيِّ وجَمالِهِ الأبَدِيِّ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بِأنْوارِ أفْعالِكَ وصِفاتِكَ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ذُنُوبَ وُجُوداتِنا بِذاتِكَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ نارِ الحِرْمانِ ووُجُودِ البَقِيَّةِ ‏‏‏‏‏‏‏ عَلى مَضَضِ المُجاهَدَةِ والرِّياضَةِ ‏‏‏‏‏‏‏ في المَحَبَّةِ والإرادَةِ ‏‏‏‏‏‏‏ في السُّلُوكِ إلَيْهِ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ما عَداهُ فِيهِ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏ مِن ذُنُوبِ تَلَوُّناتِهِمْ وتَعَيُّناتِهِمْ في أسْحارِ التَّجَلِّياتِ، ويُقالُ: (اَلصّابِرِينَ) الَّذِينَ صَبَرُوا عَلى الطَّلَبِ ولَمْ يَحْتَشِمُوا مِنَ التَّعَبِ وهَجَرُوا كُلَّ راحَةٍ وطَرَبٍ فَصَبَرُوا عَلى البَلْوى ورَفَضُوا الشَّكْوى حَتّى وصَلُوا إلى المَوْلى ولَمْ يَقْطَعْهم شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيا والعُقْبى، (والصّادِقِينَ) الَّذِينَ صَدَقُوا في الطَّلَبِ فَوَرَدُوا ثُمَّ صَدَقُوا فَشَهِدُوا ثُمَّ صَدَقُوا فَوَجَدُوا ثُمَّ صَدَقُوا فَفُقِدُوا، فَحالُهم قَصْدٌ ثُمَّ وُرُودٌ ثُمَّ شُهُودٌ ثُمَّ وُجُودٌ ثُمَّ خُمُودٌ، (والقانِتِينَ) الَّذِينَ لازَمُوا البابَ
صفحة 104
وداوَمُوا عَلى تَجَرُّعِ الِاكْتِئابِ وتَرْكِ المَحابِّ إلى أنْ تَحَقَّقُوا بِالِاقْتِرابِ، (والمُنْفِقِينَ) الَّذِينَ جادُوا بِنُفُوسِهِمْ مِن حَيْثُ الأعْمالُ ثُمَّ جادُوا بِمَيْسُورِهِمْ مِنَ الأمْوالِ ثُمَّ جادُوا بِقُلُوبِهِمْ لِصِدْقِ الأحْوالِ ثُمَّ جادُوا بِكُلِّ حَظٍّ لَهم في العاجِلِ والآجِلِ اِسْتِهْلاكًا في أنْوارِ الوِصالِ (والمُسْتَغْفِرِينَ) هُمُ الَّذِينَ يَسْتَغْفِرُونَ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ إذا رَجَعُوا إلى الصَّحْوِ وقْتَ نُزُولِ الرَّبِّ إلى السَّماءِ الدُّنْيا وإشْراقِ أنْوارِ جَمالِهِ عَلى آفاقِ النَّفْسِ ونِدائِهِ «هَلْ مِن سائِلٍ هَلْ مِن مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِن كَذا هَلْ مِن كَذا» ثُمَّ لَمّا مَدَحَ سُبْحانَهُ أحْبابَهُ أرْبابَ الدِّينِ وذَمَّ أعْداءَهُ الكافِرِينَ عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ الدِّينِ الحَقِّ والعُرْوَةِ الوُثْقى عَلى أتَمِّ وجْهٍ وآكِدِهِ فَقالَ سُبْحانَهُ:

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Allah witnesses that there is no deity except Him, and [so do] the angels and those of knowledge - [that He is] maintaining [creation] in justice. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.

روح المعانيAl-Ālūsī

‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ قالَ الكَلْبِيُّ: «لَمّا ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالمَدِينَةِ قَدِمَ عَلَيْهِ حَبْرانِ مِن أحْبارِ أهْلِ الشّامِ فَلَمّا أبْصَرا المَدِينَةَ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: ما أشْبَهَ هَذِهِ المَدِينَةُ بِصِفَةِ مَدِينَةِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، فَلَمّا دَخَلا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَرَفاهُ بِالصِّفَةِ والنَّعْتِ فَقالا لَهُ: أنْتَ مُحَمَّدٌ؟ قالَ: نَعَمْ، قالا. أنْتَ أحْمَدُ؟ قالَ: نَعَمْ، قالا: إنّا نَسْألُكَ عَنْ شَهادَةٍ فَإنْ أنْتَ أخْبَرْتَنا بِها آمَنّا بِكَ وصَدَّقْناكَ، فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: سَلانِي، فَقالا لَهُ: أخْبِرْنا عَنْ أعْظَمِ شَهادَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ وأسْلَما»، وقِيلَ: نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ لَمّا حاجُّوا في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو الَّذِي يُشْعِرُ بِهِ ما أشَرْنا إلَيْهِ قَبْلُ مِنَ الآثارِ، ويَمِيلُ إلَيْهِ كَلامُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ والنَّصارى لَمّا تَرَكُوا اِسْمَ الإسْلامِ وتَسَمَّوْا بِاليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّهم قالُوا: دِينُنا أفْضَلُ مِن دِينِكَ فَنَزَلَتْ.

والجُمْهُورُ عَلى قِراءَةِ (شَهِدَ) بِلَفْظِ الماضِي وفَتْحِ هَمْزَةِ ”أنَّهُ“ عَلى مَعْنى بِأنَّهُ أوْ عَلى أنَّهُ، وقُرِئَ إنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ إمّا بِإجْراءِ (شَهِدَ) مَجْرى قالَ، وإمّا بِجَعْلِ الجُمْلَةِ اِعْتِراضًا وإيقاعِ الفِعْلِ عَلى ‏‏ ‏‏‏‏ الخ عَلى قِراءَةِ مَن يَفْتَحُ الهَمْزَةَ كَما سَتَراهُ والضَّمِيرُ راجِعٌ إلَيْهِ تَعالى، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، وقُرِئَ (شُهَداءَ لِلَّهِ) بِالنَّصْبِ والرَّفْعِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ شَهِيدٍ كَظُرَفاءَ في جَمْعِ ظَرِيفٍ، أوْ جَمْعُ شاهِدٍ كَشُعَراءَ في جَمْعِ شاعِرٍ، والنَّصْبُ إمّا عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المَذْكُورَيْنِ وإمّا عَلى المَدْحِ، والرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ومَآلُهُ المَدْحُ أيْ هم شُهَداءُ، والِاسْمُ الجَلِيلُ في الوَجْهَيْنِ مَجْرُورٌ بِاللّامِ مُتَعَلِّقٌ بِما عِنْدَهُ، وقُرِئَ (شُهَداءُ اللَّهِ) بِالرَّفْعِ والإضافَةِ. وفي (شَهِدَ) مُسْنَدًا إلى اللَّهِ تَعالى اِسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ تَبَعِيَّةٌ لِأنَّ المُرادَ أنَّهُ سُبْحانَهُ دَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ بَلْ وسائِرِ كِمالاتِهِ بِأفْعالِهِ الخاصَّةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ وما نَصَّبَهُ مِنَ الدَّلائِلِ التَّكْوِينِيَّةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ وبِما أوْحى مِن آياتِهِ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ كَسُورَةِ الإخْلاصِ وآيَةِ الكُرْسِيِّ وغَيْرِهِما، فَشَبَّهَ سُبْحانِهِ تِلْكَ الدَّلالَةَ الواضِحَةَ بِشَهادَةِ الشّاهِدِ في البَيانِ والكَشْفِ ثُمَّ اُسْتُعِيرَ لَفْظُ المُشَبَّهِ بِهِ لِلْمُشَبِّهِ ثُمَّ سَرَتِ الِاسْتِعارَةُ مِنَ المَصْدَرِ إلى الفِعْلِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ مَجازٌ مُرْسَلٌ تَبَعِيٌّ لِما أنَّ البَيانَ لازِمٌ لِلشَّهادَةِ، وقَدْ ذُكِرَ اللَّفْظُ الدّالُّ عَنِ المَلْزُومِ وأُرِيدَ بِهِ اللّازِمُ، وهَذا الحَمْلُ ضَرُورِيٌّ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ دُونَ القِراءَةِ الشّاذَّةِ.

‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ ولا بُدَّ حِينَئِذٍ مِن حَمْلِ الشَّهادَةِ عَلى مَعْنًى مَجازِيٍّ شامِلٍ لِما يُسْنَدُ إلى هَذَيْنَ الجَمْعَيْنِ بِطَرِيقِ عُمُومِ المَجازِ أيْ أقَرَّ المَلائِكَةُ بِذَلِكَ وآمَنَ العُلَماءُ بِهِ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ، وبَعْضُهم قَدَّرَ في كُلٍّ مِنَ المَعْطُوفَيْنِ لَفْظَ (شَهِدَ) مُرادًا مِنهُ ما يَصِحُّ نِسْبَتُهُ إلى ما أُسْنِدَ إلَيْهِ، ولَعَلَّ القَوْلَ بِعُمُومِ المَجازِ أوْلى مِنهُ، قِيلَ: والمُرادُ بِأُولُو العِلْمِ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقِيلَ: المُهاجِرُونَ والأنْصارُ،
صفحة 105
وقِيلَ: عُلَماءُ مُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: جَمِيعُ عُلَماءِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عَرَفُوا وحْدانِيَّتَهُ تَعالى بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ والحُجَجِ الباهِرَةِ، وقَدَّمَ المَلائِكَةَ لِأنَّ فِيهِمْ مَن هو واسِطَةٌ لِإفادَةِ العِلْمِ لِذَوِيهِ، وقِيلَ: لِأنَّ عِلْمَهم كُلَّهُ ضَرُورِيٌّ بِخِلافِ البَشَرِ فَإنَّ عِلْمَهم ضَرُورِيٌّ واكْتِسابِيٌّ، ثُمَّ إنَّ اِرْتِفاعَ هَذَيْنِ المَرْفُوعَيْنِ عَلى ما شَذَّ مِنَ القِراءَةِ عَلى الِابْتِدائِيَّةِ والخَبَرِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، أيْ: والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ شُهَداءُ بِذَلِكَ، وقِيلَ: بِالعَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ في شُهَداءَ وصَحَّ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ، واعْتُرِضَ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى قِراءَةِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ يُؤَدِّي إلى تَقْيِيدِ حالِ المَذْكُورِينَ بِشَهادَةِ المَلائِكَةِ وأُولُو العِلْمَ ولَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ فائِدَةٍ كَما لا يَخْفى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ بَيانٌ لِكَمالِهِ تَعالى في أفْعالِهِ إثْرَ بَيانِ كَمالِهِ في ذاتِهِ، واَلْقِسْطُ العَدْلُ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ أيْ مُقِيمًا بِالعَدْلِ، وفي اِنْتِصابِ ‏‏‏‏‏ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ حالًا لازِمَةً مِن فاعِلِ (شَهِدَ) ويَجُوزُ إفْرادُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالحالِ دُونَ المَعْطُوفِ إذا قامَتْ قَرِينَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ أوْ لَفْظِيَّةٌ، ومِنهُ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وأُخِّرَتِ الحالُ عَنِ المَعْطُوفَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِما وقُرْبِ مَنزِلَتِهِما، والمُسارَعَةُ إلى إقامَةِ شُهُودِ التَّوْحِيدِ اِعْتِناءً بِشَأْنِهِ ولَعَلَّهُ السِّرُّ في تَقْدِيمِهِ عَلى المَعْطُوفَيْنِ مَعَ الإيذانِ بِأصالَتِهِ تَعالى في الشَّهادَةِ بِهِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ وهو وإنْ كانَ مَعْرُوفًا في المَعْرِفَةِ لَكِنَّهُ ثابِتٌ في غَيْرِها أيْضًا.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ وصْفًا لِاسْمِ لا المَبْنِيِّ، واسْتُبْعِدَ بِأنَّهم إنَّما يَتَّسِعُونَ بِالفَصْلِ بَيْنَ المَوْصُوفِ والصِّفَةِ بِفاصِلٍ لَيْسَ أجْنَبِيًّا مِن كُلِّ وجْهٍ، والمَعْطُوفُ عَلى فاعِلِ (شَهِدَ) أجْنَبِيٌّ مِمّا هو في صِلَةِ أنَّ لَفْظًا ومَعْنًى، وبِأنَّهُ مُتَلَبِّسٌ بِالحالِ فَيَنْبَغِي عَلى هَذا أنْ يُرْفَعَ حَمْلًا عَلى مَحَلِّ اِسْمِ لا رَفْعًا لِلِالتِباسِ.

والرّابِعُ: أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ العِلْمِ، أيْ: وأُولُو المَعْرِفَةِ قائِمًا بِالقِسْطِ ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

الخامِسُ: ولَعَلَّهُ الأوْجَهُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الجُمْلَةِ أيْ تَفَرَّدَ أوْ أحَقَّهُ لِأنَّها حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، ولا يَضُرُّ تَخَلُّلُ المَعْطُوفَيْنِ هُنا بِخِلافِهِ في الصِّفَةِ لِأنَّ الحالَ المُؤَكِّدَةَ في هَذا القِسْمِ جارِيَةٌ مَجْرى جُمْلَةٍ مُفَسِّرَةٍ نَوْعَ تَفْسِيرٍ فَناسَبَ أنْ يُقَدَّمَ المَعْطُوفانِ لِأنَّ المَشْهُودَ بِهِ واحِدٌ فَهو نَوْعٌ مِن تَأْكِيدِهِ تُمِّمَ بِالحالِ المُفَسِّرَةِ وعَلى تَقْدِيرِ الحالِيَّةِ مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِيَّةِ لِلْعِلْمِ لا يَنْدَرِجُ في المَشْهُودِ بِهِ وعَلى تَقْدِيرِ النَّصْبِ عَلى المَدْحِ يَحْتَمِلُ الِانْدِراجَ وعَدَمَهُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ الأخِيرَيْنِ يَنْدَرِجُ لا مَحالَةَ.

وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (اَلْقائِمُ بِالقِسْطِ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وكَوْنُهُ بَدَلًا مِن (هُوَ) لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ، وقَرَأ أبُو حَنِيفَةَ ( قَيِّمًا بِالقِسْطِ) .

‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ تَكْرِيرٌ لِلْمَشْهُودِ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِمَعْرِفَةِ أدِلَّتِهِ لِأنَّ تَثْبِيتَ المُدَّعى إنَّما يَكُونُ بِالدَّلِيلِ، والِاعْتِناءُ بِهِ يَقْتَضِي الِاعْتِناءَ بِأدِلَّتِهِ ولِيَنْبَنِيَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [ 18 ] فَيُعْلَمُ أنَّهُ المَنعُوتُ بِهِما، وقِيلَ: لا تَكْرارَ لِأنَّ الأوَّلَ شَهادَةُ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، والثّانِي شَهادَةُ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ، وهو ظاهِرٌ عِنْدَ مَن يَرْفَعُ المَلائِكَةَ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، ووَجْهُ التَّرْتِيبِ تَقَدَّمَ العِلْمُ بِقُدْرَتِهِ الَّتِي يُفْهِمُها (اَلْعَزِيزُ) عَلى العِلْمِ بِحِكْمَتِهِ تَعالى الَّتِي يُؤْذِنُ بِها (اَلْحَكِيمُ) وجَعَلَ بَعْضُهُمُ (اَلْعَزِيزُ) ناظِرًا إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ و(اَلْحَكِيمُ) ناظِرًا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ورَفْعُهُما عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوِ البَدَلِيَّةِ مِن (هُوَ) أوِ الوَصْفِيَّةِ لَهُ بِناءً عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ السَّكّاكِيُّ مِن جَوازِ وصْفِ ضَمِيرِ الغائِبِ، وجَعْلُهُما نَعْتًا لِفاعِلِ (شَهِدَ) بَعِيدٌ.

وقَدْ رُوِيَ في فَضْلِ الآيَةِ أخْبارٌ؛ أخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ مَرْفُوعًا: «”لَمّا نَزَلَتْ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾، وآيَةُ الكُرْسِيِّ، و‏‏‏ ‏‏،
صفحة 106
و‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إلى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ تَعَلَّقْنَ بِالعَرْشِ وقُلْنَ: أتُنْزِلُنا عَلى قَوْمٍ يَعْمَلُونَ بِمَعاصِيكَ؟ فَقالَ: وعِزَّتِي وجَلالِي وارْتِفاعِ مَكانِي لا يَتْلُوكُنَّ عَبْدٌ عِنْدَ دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ إلّا غَفَرْتُ لَهُ ما كانَ فِيهِ وأسْكَنْتُهُ جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ ونَظَرْتُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً وقَضَيْتُ لَهُ سَبْعِينَ حاجَةً أدْناها المَغْفِرَةُ“».

وأخْرَجَ اِبْنُ عَدِيٍّ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ والخَطِيبُ وابْنُ النَّجّارِ عَنْ غالِبٍ القَطّانِ قالَ: ««أتَيْتُ الكُوفَةَ فَنَزَلْتُ قَرِيبًا مِنَ الأعْمَشِ فَلَمّا كانَ لَيْلَةً أرَدْتُ أنْ أنْحَدِرَ قامَ فَتَهَجَّدَ مِنَ اللَّيْلِ فَمَرَّ بِهَذِهِ الآيَةِ ‏‏‏ ‏‏ الخ، فَقالَ: وأنا أشْهَدُ بِما شَهِدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ وأسْتَوْدِعُ اللَّهَ تَعالى هَذِهِ الشَّهادَةَ وهي لِي ودِيعَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى قالَها مِرارًا، فَقُلْتُ: لَقَدْ سَمِعَ فِيها شَيْئًا فَسَألْتُهُ، فَقالَ: حَدَّثَنِي أبُو وائِلِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”يُجاءُ بِصاحِبِها يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى عَبْدِي عَهِدَ إلَيَّ عَهْدًا وأنا أحَقُّ مَن وفى بِالعَهْدِ أدْخِلُوا عَبْدِي الجَنَّةَ“،» ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: «أنَّهُ كانَ حَوْلَ المَدِينَةِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ خَرَرْنَ سُجَّدًا لِلْكَعْبَةِ».

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Indeed, the religion in the sight of Allah is Islam. And those who were given the Scripture did not differ except after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. And whoever disbelieves in the verses of Allah, then indeed, Allah is swift in [taking] account.

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

So if they argue with you, say, "I have submitted myself to Allah [in Islam], and [so have] those who follow me." And say to those who were given the Scripture and [to] the unlearned, "Have you submitted yourselves?" And if they submit [in Islam], they are rightly guided; but if they turn away - then upon you is only the [duty of] notification. And Allah is Seeing of [His] servants.

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

Those who disbelieve in the signs of Allah and kill the prophets without right and kill those who order justice from among the people - give them tidings of a painful punishment.

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

They are the ones whose deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and for them there will be no helpers.

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Do you not consider, [O Muhammad], those who were given a portion of the Scripture? They are invited to the Scripture of Allah that it should arbitrate between them; then a party of them turns away, and they are refusing.

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

That is because they say, "Never will the Fire touch us except for [a few] numbered days," and [because] they were deluded in their religion by what they were inventing.

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

So how will it be when We assemble them for a Day about which there is no doubt? And each soul will be compensated [in full for] what it earned, and they will not be wronged.

روح المعانيAl-Ālūsī

Loading…

You read 3:16–25 Just this one The next passage

The same ayah, in another commentary

Āl ʿImrān 3:16