All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

Gathers the whole tradition on a verse, then closes with its spiritual reading.

Aṣ-Ṣāffāt 37:182 Juzʾ 23 Page 452

‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And praise to Allah, Lord of the worlds.

Read in the muṣḥaf

وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ تَشْرِيفٌ لِلرُّسُلِ كُلِّهِمْ بَعْدَ تَنْزِيهِهِ تَعالى عَمّا ذُكِرَ، وتَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِمْ، وإيذانٌ بِأنَّهم سالِمُونَ عَنْ كُلِّ المَكارِهِ، فائِزُونَ بِكُلِّ المَآرِبِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى وصْفِهِ تَعالى بِصِفاتِهِ الكَرِيمَةِ الثُّبُوتِيَّةِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى اتِّصافِهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِجَمِيعِ صِفاتِهِ السَّلْبِيَّةِ، وإيذانٌ بِاسْتِتْباعِها لِلْأفْعالِ الحَمِيدَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إفاضَتُهُ تَعالى عَلى المُرْسَلِينَ مِن فُنُونِ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ، والكَمالاتِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، وإسْباغِهِ - جَلَّ وعَلا - عَلَيْهِمْ وعَلى مَن تَبِعَهم مِن صُنُوفِ النَّعْماءِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ المُوجِبَةِ لِحَمْدِهِ تَعالى، وإشْعارٌ بِأنَّ ما وُعِدَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ النُّصْرَةِ والغَلَبَةِ قَدْ تَحَقَّقَ، والمُرادُ تَنْبِيهُ المُؤْمِنِينَ عَلى كَيْفِيَّةِ تَسْبِيحِهِ سُبْحانَهُ وتَحْمِيدِهِ، والتَّسْلِيمِ عَلى رُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - الَّذِينَ هم وسائِطُ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَهم في فَيَضانِ الكَمالاتِ مُطْلَقًا عَلَيْهِمْ. وهو ظاهِرٌ في عَدَمِ كَراهَةِ إفْرادِ السَّلامِ عَلَيْهِمْ، ولَعَلَّ تَوْسِيطَ التَّسْلِيمِ عَلى المُرْسَلِينَ بَيْنَ تَسْبِيحِهِ تَعالى وتَحْمِيدِهِ لِخَتْمِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِحَمْدِهِ تَعالى مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِأنَّ تَوْفِيقَهُ تَعالى لِلتَّسْلِيمِ مِن جُمْلَةِ نِعَمِهِ تَعالى المُوجِبَةِ لِلْحَمْدِ، كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ. وقَدْ يُقالُ: تَقْدِيمُ التَّنْزِيهِ لِأهَمِّيَّتِهِ ذاتًا ومَقامًا، ولَمّا كانَ التَّنْزِيهُ عَمّا يَصِفُ المُشْرِكُونَ، وقَدْ ذَكَرَ - عَزَّ وجَلَّ - إرْشادَ الرُّسُلِ إيّاهم وتَحْذِيرَهم لَهم مِن أنْ يَصِفُوهُ سُبْحانَهُ بِما لا يَلِيقُ بِهِ تَعالى، وضَمَّنَ ذَلِكَ الإشارَةَ إلى سُوءِ حالِهِمْ وفَظاعَةِ مُنْقَلَبِهِمْ، أرْدَفَ جَلَّ وعَلا ذَلِكَ بِالإشارَةِ إلى حُسْنِ حالِ المُرْسَلِينَ الدّاعِينَ إلى تَنْزِيهِهِ تَعالى عَمّا يَصِفُهُ بِهِ المُشْرِكُونَ، وفِيهِ مِنَ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ التَّنْزِيهِ ما فِيهِ، وأتى - عَزَّ وجَلَّ - بِالحَمْدِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَّصِفٌ بِالصِّفاتِ الثُّبُوتِيَّةِ كَما أنَّهُ سُبْحانَهُ مُتَّصِفٌ بِالصِّفاتِ السَّلْبِيَّةِ، وهَذا وإنِ اسْتَدْعى إيقاعَ الحَمْدِ بَعْدَ التَّسْبِيحِ بِلا فَصْلٍ كَما في قَوْلِهِمْ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ، وهو المَذْكُورُ في الأخْبارِ، والمَشْهُورُ في الأذْكارِ، إلّا أنَّ الفَصْلَ بَيْنَهُما هُنا بِالسَّلامِ عَلى المُرْسَلِينَ مِمّا اقْتَضاهُ مَقامُ ذِكْرِهِمْ، فِيما مَرَّ، وجَدَّدَ الِالتِفاتَ إلَيْهِمْ تَقْدِيمُ التَّنْزِيهِ عَمّا يَصِفُهُ بِهِ مَن يُرْسَلُونَ إلَيْهِ، ولَعَلَّ مَن يُدَقِّقُ النَّظَرَ يَرى أنَّ السَّلامَ هُنا أهَمُّ مِنَ الحَمْدِ، نَظَرًا لِلْمَقامِ، وإنْ كانَ هو أهَمَّ مِنهُ ذاتًا، والأهَمِّيَّةُ بِالنَّظَرِ لِلْمَقامِ أوْلى بِالِاعْتِبارِ عِنْدَهُمْ، ولِذا تَراهم يُقَدِّمُونَ المَفْضُولَ عَلى الفاضِلِ، إذا اقْتَضى المَقامُ الِاعْتِناءَ بِهِ، ولَعَلَّهُ مِن تَتِمَّةِ جُمْلَةِ التَّسْبِيحِ، وبِهَذا يَنْحَلُّ ما يُقالُ مِن أنَّ حَمْدَهُ تَعالى أجَلُّ مِنَ السَّلامِ عَلى الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - فَكانَ يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ عَلى ما هو المَنهَجُ المَعْرُوفُ في الكُتُبِ والخُطَبِ، ولا يَحْتاجُ إلى ما قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالحَمْدِ هُنا الشُّكْرُ عَلى النِّعَمِ، وهي الباعِثَةُ عَلَيْهِ، ومِن أجْلِها إرْسالُ الرُّسُلِ الَّذِي هو وسِيلَةٌ لِخَيْرَيِ الدّارَيْنِ، فَقُدِّمَ عَلَيْهِ لِأنَّ الباعِثَ عَلى الشَّيْءِ يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ في الوُجُودِ، وإنْ كانَ هو مُتَقَدِّمًا عَلى الباعِثِ في الرُّتْبَةِ، فَتَدَبَّرْ.

وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الجَوامِعِ، والكَوامِلِ، ووُقُوعُها في مَوْقِعِها هَذا يُنادِي بِلِسانٍ ذَلِقٍ أنَّهُ كَلامُ مَن لَهُ الكِبْرِياءُ، ومِنهُ العِزَّةُ جَلَّ جَلالُهُ، وعَمَّ نَوالُهُ.

وقَدْ أخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ بَعْدَ أنْ يُسَلِّمَ: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ، وسَلامٌ عَلى
صفحة 159
المُرْسَلِينَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ».

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَن قالَ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: ”سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ، وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقَدِ اكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ)».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن سَرَّهُ أنْ يَكْتالَ بِالمِكْيالِ الأوْفى مِنَ الأجْرِ يَوْمَ القِيامَةِ فَلْيَقُلْ آخِرَ مَجْلِسِهِ حِينَ يُرِيدُ أنْ يَقُومَ: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ» إلى آخِرِ السُّورَةِ، وأخْرَجَهُ البَغْوِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ مُتَّصِلٍ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ مَوْقُوفًا.

وجاءَ في خَتْمِ المَجْلِسِ بِالتَّسْبِيحِ غَيْرُ هَذا، ولَعَلَّهُ أصَحُّ مِنهُ.

فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، قالَ: «“قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَلِماتٌ لا يَتَكَلَّمُ بِهِنَّ أحَدٌ في مَجْلِسِهِ عِنْدَ قِيامِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ إلّا كُفِّرَ بِهِنَّ عَنْهُ، ولا يَقُولُهُنَّ في مَجْلِسِ خَيْرٍ وذِكْرٍ إلّا خُتِمَ لَهُ بِهِنَّ عَلَيْهِ، كَما يُخْتَمُ بِخاتَمٍ عَلى الصَّحِيفَةِ، سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ"».

لَكِنَّ المَشْهُورَ اليَوْمَ بَيْنَ النّاسِ أنَّهم يَقْرَؤُونَ عِنْدَ خَتْمِ مَجْلِسِ القِراءَةِ، أوِ الذِّكْرِ، أوْ نَحْوِهِما، الآيَةُ المَذْكُورَةُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .
* * *
(ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ) ما قالُوا: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ هي الأرْواحُ الكامِلَةُ المُكَمَّلَةُ مِنَ الصَّفِّ الأوَّلِ، وهو صَفُّ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - والصَّفِّ الثّانِي وهو صَفُّ الأصْفِياءِ، ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ عَنِ الكُفْرِ والفُسُوقِ بِالحُجَجِ والنَّصائِحِ والهِمَمِ القُدْسِيَّةِ، ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ آياتِ اللَّهِ تَعالى وشَرائِعَهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: الصّافّاتُ جَماعَةُ المَلائِكَةِ المُهِيمِينَ، والزّاجِراتُ جَماعَةُ المَلائِكَةِ الزّاجِرِينَ لِلْأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والأجْسامِ السُّفْلِيَّةِ بِالتَّدْبِيرِ، والتّالِياتُ جَماعَةُ المَلائِكَةِ التّالِيَةُ آياتِ اللَّهِ تَعالى وجَلايا قُدْسِهِ عَلى أنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ، وتَنَزُّلُ المَلائِكَةِ عَلى الأوْلِياءِ مِمّا قالَ بِهِ الصُّوفِيَّةُ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهُمْ، وقَدْ نَطَقَ بِأصْلِ التَّنَزُّلِ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وقَدْ يُطْلِقُونَ عَلى بَعْضِ الأوْلِياءِ أنْبِياءَ الأوْلِياءِ.

قالَ الشَّعْراوِيُّ في رِسالَةِ الفَتْحِ في تَأْوِيلِ ما صَدَرَ عَنِ الكُمَّلِ مِنَ الشَّطْحِ: أنْبِياءُ الأوْلِياءِ هم كُلُّ ولِيٍّ أقامَهُ الحَقُّ تَعالى في تَجَلٍّ مِن مَظْهَرِ تَجَلِّياتِهِ، وأقامَ لَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ ومَظْهَرُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأسْمَعَهُ ذَلِكَ المَظْهَرُ الرُّوحانِيُّ خِطابَ الأحْكامِ المَشْرُوعَةِ لِمَظْهَرِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَتّى إذا فَرَغَ مِن خِطابِهِ وفُزِّعَ عَنْ قَلْبِ هَذا الوَلِيِّ عَقِلَ صاحِبُ هَذا المَشْهَدِ جَمِيعَ ما تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ الخِطابُ مِنَ الأحْكامِ المَشْرُوعَةِ الظّاهِرَةِ في هَذِهِ الأُمَّةِ المُحَمَّدِيَّةِ، فَيَأْخُذُها هَذا الوَلِيُّ كَما أخَذَها المَظْهَرُ المُحَمَّدِيُّ، فَيُرَدُّ إلى حِسِّهِ، وقَدْ وعى ما خاطَبَ الرَّوْحَ بِهِ مَظْهَرُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعَلِمَ صِحَّتَهُ عِلْمَ يَقِينٍ، بَلْ عَيْنَ يَقِينٍ، فَمِثْلُ هَذا يَعْمَلُ بِما شاءَ مِنَ الأحادِيثِ لا التِفاتَ لَهُ إلى تَصْحِيحِ غَيْرِهِ، أوْ تَضْعِيفِهِ، فَقَدْ يَكُونُ ما قالَ بَعْضُ المُحَدِّثِينَ بِأنَّهُ صَحِيحٌ لَمْ يَقُلْهُ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقَدْ يَكُونُ ما قالُوا فِيهِ: إنَّهُ ضَعِيفُ سَمِعَهُ هَذا الوَلِيُّ مِنَ الرُّوحِ الأمِينِ يُلْقِيهِ عَلى حَقِيقَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كَما سَمِعَ بَعْضُ الصَّحابَةِ حَدِيثَ جِبْرِيلَ في بَيانِ الإسْلامِ والإيمانِ والإحْسانِ، فَهَؤُلاءِ هم أنْبِياءُ الأوْلِياءِ، ولا يَنْفَرِدُونَ قَطُّ بِشَرِيعَةٍ، ولا يَكُونُ لَهم خِطابٌ بِها إلّا بِتَعْرِيفِ أنَّ هَذا هو شَرْعُ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوْ يُشاهِدُونَ المُنَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ ﷺ في حَضْرَةِ التَّمَثُّلِ الخارِجِ عَنْ ذاتِهِمْ، والدّاخِلِ المُعَبَّرِ
صفحة 160
عَنْهُ بِالمُبَشِّراتِ في حَقِّ النّائِمِ، غَيْرَ أنَّ الوَلِيَّ يَشْتَرِكُ مَعَ النَّبِيِّ في إدْراكِ ما تُدْرِكُهُ العامَّةُ في النَّوْمِ في حالِ اليَقَظَةِ، فَهَؤُلاءِ في هَذِهِ الأُمَّةِ كالأنْبِياءِ في بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مَرْتَبَةِ تَعَبُّدِ هارُونَ بِشَرِيعَةِ مُوسى مَعَ كَوْنِهِ نَبِيًّا، وهُمُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ الشَّرِيعَةَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي لا شَكَّ فِيها عَلى أنْفُسِهِمْ، وعَلى هَذِهِ الأُمَّةِ، فَهم أعْلَمُ النّاسِ بِالشَّرْعِ، غَيْرَ أنَّ غالِبَ عُلَماءِ الشَّرِيعَةِ لا يُسَلِّمُونَ لَهم ذَلِكَ، وهم لا يَلْزَمُهم إقامَةُ الدَّلِيلِ عَلى صِدْقِهِمْ، لِأنَّهم لَيْسُوا مُشَرِّعِينَ، فَهم حُفّاظُ الحالِ النَّبَوِيِّ، والعِلْمِ اللَّدُنِّيِّ، والسِّرِّ الإلَهِيِّ، وغَيْرُهم حُفّاظُ الأحْكامِ الظّاهِرَةِ، وقَدْ بَسَطْنا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في المِيزانِ اهـ. وقالَ بُعَيْدَ هَذا في رِسالَتِهِ المَذْكُورَةِ: اعْلَمْ أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ أنْكَرُوا نُزُولَ المَلَكِ عَلى قَلْبِ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَدَمِ ذَوْقِهِ لَهُ، والحَقُّ أنَّهُ يَنْزِلُ، ولَكِنْ بِشَرِيعَةِ نَبِيِّهِ ﷺ، فالخِلافُ إنَّما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ فِيما يَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ، لا في نُزُولِ المَلَكِ، وإذا نَزَلَ عَلى غَيْرِ نَبِيٍّ لا يَظْهَرُ لَهُ حالَ الكَلامِ أبَدًا، إنَّما يَسْمَعُ كَلامَهُ، ولا يَرى شَخْصَهُ أوْ يَرى شَخْصَهُ مِن غَيْرِ كَلامٍ، فَلا يَجْمَعُ بَيْنَ الكَلامِ والرُّؤْيَةِ إلّا نَبِيٌّ، والسَّلامُ اهـ. وقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ طَرَفٌ مِنَ الكَلامِ في رُؤْيَةِ المَلَكِ فَتَذَكَّرْ.

‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ إخْبارٌ بِذَلِكَ لِيَعْلَمُوهُ، ولا يَتَّخِذُوا مِن دُونِهِ تَعالى آلِهَةً مِنَ الدُّنْيا، والهَوى، والشَّيْطانِ، ومَعْنى كَوْنِهِ - عَزَّ وجَلَّ - واحِدًا تَفَرُّدُهُ في الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ، وعَدَمُ شَرِكَةِ أحَدٍ مَعَهُ سُبْحانَهُ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، وطَبَّقُوا أكْثَرَ الآياتِ بَعْدُ عَلى ما في الأنْفُسِ، وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ لِلسّالِكِ في كُلِّ مَقامٍ وقْفَةٌ تُناسِبُ ذَلِكَ المَقامِ، وهو مَسْؤُولٌ عَنْ أداءِ حُقُوقِ ذَلِكَ المَقامِ، فَإنْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ جَوابِهِ أُذِنَ لَهُ بِالعُبُورِ، وإلّا بَقِيَ مَوْقُوفًا رَهِينًا بِأحْوالِهِ إلى أنْ يُؤَدِّيَ حُقُوقَهُ، وكَذا طَبَّقُوا ما جاءَ مِن قِصَصِ المُرْسَلِينَ بَعْدُ عَلى ما في الأنْفُسِ، وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ يُشِيرُ إلى أنَّ المَلَكَ لا يَتَعَدّى مَقامَهُ إلى ما فَوْقَهُ، ولا يَهْبِطُ عَنْهُ إلى ما دُونَهُ، وهَذا بِخِلافِ نَوْعِ الإنْسانِ، فَإنَّ مِن أفْرادِهِ مَن سارَ إلى مَقامِ (قابَ قَوْسَيْنِ)، بَلْ طارَ إلى مَنزِلٍ أوْ أدْنى، وجَرَّ هُناكَ مَطارِفَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏

ومِنها مَن هَوى إلى أسْفَلِ سافِلِينَ، وانْحَطَّ إلى قَعْرِ سِجِّينٍ، ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَتَرَقّى حَتّى يَصِلَ إلى مَقامِ المَلَكِ، فَيَعْبُرُهُ إلى مَقامٍ قُرْبَ النَّوافِلِ ومَقامٍ قُرْبَ الفَرائِضِ، وقَدْ يَهْبِطُ إلى دَرَكِ البَهِيمِيَّةِ فَما دُونَها، ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُرَقِّيَنا إلى مَقامٍ يَرْضاهُ، ويَرْزُقَنا رِضاهُ يَوْمَ لِقاهُ، وأنْ يَجْعَلَنا مِن جُنْدِهِ الغالِبِينَ، وعِبادِهِ المُخْلِصِينَ بِحُرْمَةِ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ ﷺ، وعَلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ، سَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.

The same ayah, in another commentary

Aṣ-Ṣāffāt 37:182