All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

The whole tradition on a verse, closing with its spiritual reading.

Al-Muddaththir 74:31 Juzʾ 29 Page 576

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And We have not made the keepers of the Fire except angels. And We have not made their number except as a trial for those who disbelieve - that those who were given the Scripture will be convinced and those who have believed will increase in faith and those who were given the Scripture and the believers will not doubt and that those in whose hearts is hypocrisy and the disbelievers will say, "What does Allah intend by this as an example?" Thus does Allah leave astray whom He wills and guides whom He wills. And none knows the soldiers of your Lord except Him. And mention of the Fire is not but a reminder to humanity.

Read in the muṣḥaf
روح المعاني Al-Ālūsī

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ الظّاهِرُ مَلَكًا ألا تَرى العَرَبَ وهُمُ
صفحة 126
الفُصَحاءُ كَيْفَ فَهِمُوا مِنهُ ذَلِكَ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ قالَ أبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ ثَكِلَتْكم أُمَّهاتُكم أسْمَعُ أنَّ ابْنَ أبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكم أنَّ خَزَنَةَ النّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ وأنْتُمُ الدَّهْمُ أيَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنكم أنْ يَبْطِشُوا بِرَجُلٍ مِنهُمْ، فَقالَ لَهُ أبُو الأشَدِّ بْنُ أُسَيْدِ بْنِ كَلِدَةَ الجُمَحِيُّ وكانَ شَدِيدَ البَطْشِ: أنا أكْفِيكم سَبْعَةَ عَشَرَ فاكْفُونِي أنْتُمُ اثْنَيْنِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ ما جَعَلْناهم رِجالًا مِن جِنْسِكم يُطاقُونَ وأنْزَلَ سُبْحانَهُ في أبِي جَهْلٍ ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [اَلْقِيامَةِ: 34، 35] والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِأصْحابِ النّارِ هُمُ التِّسْعَةُ عَشَرَ فَفِيهِ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ وكَأنَّ ذَلِكَ لِما في هَذا الظّاهِرِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّهُمِ المُدَبِّرُونَ لِأمْرِها القائِمُونَ بِتَعْذِيبِ أهْلِها ما لَيْسَ في الضَّمِيرِ. وفي ذَلِكَ إيذانٌ بِأنَّ المُرادَ بِسَقَرَ النّارُ مُطْلَقًا لا طَبَقَةً خاصَّةً مِنها والجُمْهُورُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِمُ النُّقَباءُ فَمَعْنى كَوْنِهِمْ ﴿عَلَيْها﴾ أنَّهم يَتَوَلَّوْنَ أمْرَها وإلَيْهِمْ جِماعُ زَبانِيَتِها وإلّا

فَقَدْ جاءَ: «يُؤْتى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَها سَبْعُونَ ألْفَ زِمامٍ مَعَ كُلِّ زِمامٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَها» .

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ التَّمْيِيزَ المَحْذُوفَ صِنْفٌّ وقِيلَ صَفٌّ والأصْلُ عَلَيْها ‏‏‏‏ ‏‏‏ صِنْفًا أوْ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ صَفًّا ويُبْعِدُهُ ما تَقَدَّمَ في رِوايَةِ الحَبْرِ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَإنَّ المُتَبادِرَ أنَّ افْتِتانَهم بِاسْتِقْلالِهِمْ لَهم واسْتِبْعادِهِمْ تَوَلِّي تِسْعَةَ عَشَرَ لِتَعْذِيبِ أكْثَرِ الثَّقَلَيْنِ واسْتِهْزائِهِمْ بِذَلِكَ، ومَعَ تَقْدِيرِ الصِّنْفِ أوِ الصَّفِّ لا يَتَسَنّى ذَلِكَ وقالَ غَيْرُ واحِدٍ في تَعْلِيلِ جَعْلِهِمْ مَلائِكَةً لِيُخالِفُوا جِنْسَ المُعَذَّبِينَ فَلا يَرِقُّوا لَهم ولا يَسْتَرْوِحُوا إلَيْهِمْ ولِأنَّهم أقْوى الخَلْقِ وأقْوَمُهم بِحَقِّ اللَّهِ تَعالى وبِالغَضَبِ لَهُ سُبْحانَهُ وأشَدُّهم بَأْسًا.

وفِي الحَدِيثِ: «كَأنَّ أعْيُنَهُمُ البَرْقُ وكَأنَّ أقْوالَهُمُ الصَّياصِيُّ يَجُرُّونَ أشْعارَهم لَهم مِثْلَ قُوَّةٍ الثَّقَلَيْنِ يُقْبَلُ أحَدُهم بِالأُمَّةِ مِنَ النّاسِ يَسُوقُهم عَلى رَقَبَتِهِ جَبَلٌ حَتّى يَرْمِيَ بِهِمْ في النّارِ فَيَرْمِي بِالجَبَلِ عَلَيْهِمْ» .

ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في التَّنْوِينِ إشْعارٌ إلى عِظَمِ أمْرِهِمْ ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إلى آخِرِهِ عَلى ما اخْتارَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ وما جَعَلْنا عَدَدَ أصْحابِ النّارِ ( إلّا ) العَدَدَ الَّذِي اقْتَضى فِتْنَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالِاسْتِقْلالِ والِاسْتِهْزاءِ وهو التِّسْعَةُ عَشَرَ فَكَأنَّ الأصْلَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ تِسْعَةَ عَشَرَ فَعَبَّرَ بِالأثَرِ وهو فِتْنَةُ الَّذِينَ كَفَّرُوا عَنِ المُؤَثِّرِ وهو خُصُوصُ التِّسْعَةِ عَشَرَ لِأنَّهُ كَما عُلِمَ السَّبَبُ في افْتِتانِهِمْ وقِيلَ ( إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ )تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأثَرَ هُنا لِعَدَمِ انْفِكاكِهِ عَنْ مُؤْثِّرِهِ لِتَلازُمِهِما كانا كَشَيْءٍ واحِدٍ يُعَبَّرُ بِاسْمِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ ومَعْنى جَعَلَ عِدَّتَهُمُ المُطْلَقَةَ العِدَّةَ المَخْصُوصَةَ أنْ يُخْبِرَ عَنْ عَدَدِهِمْ بِأنَّهُ كَذا إذِ الجَعْلُ لا يَتَعَلَّقُ بِالعُدَّةِ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالمَعْدُودِ، فالمَعْنى أخْبَرَنا أنَّ عِدَّتَهم تِسْعَةَ عَشَرَ دُونَ غَيْرِها.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ لِيَكْتَسِبُوا اليَقِينَ بِنُبُوَّتِهِ ﷺ وصَدَقَ القُرْآنُ لِأجْلِ مُوافَقَةِ المَذْكُورِينَ ذِكْرَهم في القُرْآنِ بِهَذا العَدَدِ وفي الكِتابَيْنِ كَذَلِكَ وهَذا غَيْرُ جَعْلِ المَلائِكَةِ عَلى العَدَدِ المَخْصُوصِ لِأنَّهُ إيجادٌ ولا يَصِحُّ عَلى ما قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنْ يَجْعَلَ إيجادَهم عَلى الوَصْفِ عِلَّةً لِلِاسْتِيقانِ المَذْكُورِ لِأنَّهُ لَيْسَ ( إلّا ) لِلْمُوافَقَةِ وتَكَلَّفَ بَعْضُهم لِتَصْحِيحِهِ بِأنَّ الإيجادَ سَبَبٌ لِلْإخْبارِ والإخْبارَ سَبَبٌ لِلِاسْتِيقانِ فَهو سَبَبٌ بَعِيدٌ لَهُ والشَّيْءُ كَما يُسْنَدُ لِسَبَبِهِ البَعِيدِ يُسْنَدُ لِسَبَبِهِ القَرِيبِ لَكِنَّهُ كَما قالَ لا يَحْسُنُ ذَلِكَ وإنَّما احْتِيجَ إلى التَّأْوِيلِ بِالتَّعْبِيرِ بِالأثَرِ عَنِ المُؤَثِّرِ ولَمْ يَبْقَ الكَلامُ عَلى ظاهِرِهِ لِأنَّ الجَعْلَ مِن دَواخِلِ المُبْتَدَأِ والخَبَرِ فَما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ يَتَرَتَّبُ بِاعْتِبارِ نِسْبَةِ أحَدِ المَفْعُولَيْنِ إلى الآخَرِ كَقَوْلِكَ جَعَلْتُ الفِضَّةَ خاتَمًا لِتَزَيُّنٍ بِهِ، وكَذَلِكَ ما جَعَلْتُ الفِضَّةَ ( إلّا ) خاتَمًا لِكَذا ولا مَعْنى لِتُرَتِّبِ الِاسْتِيقانِ وما بَعْدَهُ عَلى جَعْلِ عِدَّتِهِمْ فِتْنَةً لِلْكَفّارِ ولا مَدْخَلَ لِافْتِتانِهِمْ بِالعَدَدِ المَخْصُوصِ في ذَلِكَ، وإنَّما الَّذِي لَهُ مَدْخَلٌ العِدَّةُ بِنَفْسِها أيِ العِدَّةُ بِاعْتِبارِ أنَّها العِدَّةُ المَخْصُوصَةُ والإخْبارُ بِها كَما سَمِعْتَ ولَيْسَ ذَلِكَ تَحْرِيفًا لِكِتابِ اللَّهِ تَعالى ولا مَبْنِيًّا عَلى رِعايَةِ مَذْهَبٍ باطِلٍ كَما تَوَهَّمَ. ومِنهم مَن تَكَلَّفَ لِأمْرِ السَّبَبِيَّةِ عَلى الظّاهِرِ بِما تَمُجُّهُ
صفحة 127
الأسْماعُ فَلا نُسَوِّدُ بِهِ الرِّقاعَ.

وفِي البَحْرِ ‏‏‏‏‏‏ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ ‏‏‏‏‏ لا بِـ ‏‏‏‏ فَلَيْسَتِ الفِتْنَةُ مَعْلُولَةً لِلِاسْتِيقانِ بَلِ المَعْلُولُ جَعْلُ العِدَّةِ سَبَبَ الفِتْنَةِ. وفي الِانْتِصافِ يَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ قَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏‏‏‏ إلى ما قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ أيْ جَعَلْنا عِدَّتَهم سَبَبًا لِفِتْنَةِ الكُفّارِ ويَقِينِ المُؤْمِنِينَ وذَكَرَ الإمامُ في ذَلِكَ وجْهَيْنِ الثّانِي ما قَدَّمْناهُ مِمّا اخْتارَهُ بَعْضُ الأجِلَّةِ والأوَّلُ أنَّ التَّقْدِيرَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ لِلْكافِرِينَ وإلّا ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قالَ: وهَذا كَما يُقالُ فَعَلْتُ كَذا لِتَعْظِيمِكَ ولِتَحْقِيرِ عَدُوِّكَ فالواوُ العاطِفَةُ قَدْ تُذْكَرُ في هَذا المَوْضِعِ تارَةً وقَدْ تُحْذَفُ أُخْرى. وقالَ بَعْضٌ أنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ لِيَسْتَيْقِنَ إلَخِ والكُلُّ كَما تَرى وحَمَلَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عَلى أهْلِ الكِتابَيْنِ مِمّا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ وقِيلَ المُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في البَعْثِ «عَنِ البَراءِ أنَّ رَهْطًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا رَجُلًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ فَقالَ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ ﷺ أعْلَمُ فَجاءَ فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَ عَلَيْهِ ساعَتَئِذٍ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ» .

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ قالَ: «قالَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ لِأُناسٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: هَلْ يَعْلَمُ نَبِيُّكم عَدَدَ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ؟ فَأخْبَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: هَكَذا وهَكَذا في مَرَّةٍ عَشَرَةٌ وفي مَرَّةٍ تِسْعَةٌ» .

واسْتَشْعَرَ مِن هَذا أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ لِأنَّ اليَهُودَ إنَّما كانُوا فِيها وهو اسْتِشْعارٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ السُّؤالَ لِصَحابِيٍّ فَلَعَلَّهُ كانَ مُسافِرًا فاجْتَمَعَ بِيَهُودِيٍّ حَيْثُ كانَ وأيْضًا لا مانِعَ إذْ ذاكَ مِن إتْيانِ بَعْضِ اليَهُودِ نَحْوَ مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ ثُمَّ إنَّ الخَبَرَيْنِ لا يُعِينانِ حَمْلَ المَوْصُولِ عَلى اليَهُودِ كَما يَخْفى فالأوْلى إبْقاءُ التَّعْرِيفِ عَلى الجِنْسِ وشُمُولُ المَوْصُولِ لِلْفَرِيقَيْنِ أيْ ‏‏‏‏‏‏ أهْلُ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ يَزْدادُ إيمانُهم كَيْفِيَّةً بِما رَأوْا مِن تَسْلِيمِ أهْلِ الكِتابِ وتَصْدِيقِهِمْ أنَّهُ كَذَلِكَ أوْ كَمِّيَّةً بِانْضِمامِ إيمانِهِمْ بِذَلِكَ إلى إيمانِهِمْ بِسائِرِ ما أنْزَلَ.

‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الِاسْتِيقانِ وازْدِيادِ الإيمانِ ونَفْيٌ لِما قَدْ يَعْتَرِي المُسْتَيْقِنَ مِن شُبْهَةٍ ما لِلْغَفْلَةِ عَنْ بَعْضِ المُقَدِّماتِ أوْ طَرَيانِ ما تَوَهَّمَ كَوْنَهُ مُعارِضًا في أوَّلِ وهْلَةٍ ولِما فِيهِ مِن هَذِهِ الزِّيادَةِ جازَ عَطْفُهُ عَلى المُؤَكَّدِ بِالواوِ لِتَغايُرِهِما في الجُمْلَةِ، وإنَّما لَمْ يُنْظَمِ المُؤْمِنُونَ في سِلْكِ أهْلِ الكِتابِ في نَفْيِ الِارْتِيابِ حَيْثُ لَمَّ يَقُلْ ولا يَرْتابُوا لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَبايُنِ النَّفِيَّيْنِ حالًا فَإنَّ انْتِفاءَ الِارْتِيابِ مِن أهْلِ الكِتابِ مُقارِنٌ لِما يُنافِيهِ مِنَ الجُحُودِ ومِنَ المُؤْمِنِينَ مُقارِنٌ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الإيمانِ وكَمْ بَيْنَهُما وقِيلَ إنَّما لَمْ يَقُلْ ولا يَرْتابُوا بَلْ قِيلَ ‏‏ ‏‏‏‏‏ إلَخِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى تَأْكِيدِ الأمْرَيْنِ لِاحْتِمالِ عَوْدِ الضَّمِيرِ في ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ فَقَطْ والتَّعْبِيرُ عَنِ المُؤْمِنِينَ بِاسْمِ الفاعِلِ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ الحُدُوثِ لِلْإيذانِ بِثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ بَعْدَ ازْدِيادِهِمْ ورُسُوخِهِمْ في ذَلِكَ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ شَكٌّ أوْ نِفاقٌ فَيَكُونُ بِناءً عَلى أنِ السُّورَةِ بِتَمامِها مَكِّيَّةٌ، والنِّفاقُ إنَّما حَدَثَ بِالمَدِينَةِ إخْبارًا عَمّا سَيَحْدُثُ مِنَ المُغَيَّباتِ بَعْدَ الهِجْرَةِ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ المُصِرُّونَ عَلى التَّكْذِيبِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ أيُّ شَيْءٍ أرادَ اللَّهُ تَعالى أوْ ما الَّذِي أرادَ اللَّهُ تَعالى بِهَذا العَدَدِ المُسْتَغْرَبِ اسْتِغْرابَ المَثَلِ وعَلى الأوَّلِ ماذا مُنَزَّلَةٌ مَنزِلَةَ اسْمٍ واحِدٍ لِلِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ( أرادَ ) وعَلى الثّانِي هي مُؤَلَّفَةٌ مِن كَلِمَةٍ ما اسْمُ اسْتِفْهامٍ مُبْتَدَأٌ وذا اسْمُ مَوْصُولٍ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ بَعْدُ صِلَةٌ والعائِدُ فِيها مَحْذُوفٌ ( ومَثَلًا ) نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ أوْ عَلى الحالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ( هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَة) [اَلْأعْرافِ: 73، هُودٍ: 64] .

والظّاهِرُ أنَّ ألْفاظَ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ المَحْكِيِّ وعَنَوْا بِالإشارَةِ التَّحْقِيرَ وغَرَضُهم نَفْيُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ لا
صفحة 128
الِاسْتِفْهامُ حَقِيقَةً عَنِ الحِكْمَةِ ولا القَدْحُ في اشْتِمالِهِ عَلَيْها مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِصُدُورِ الأخْبارِ بِذَلِكَ عَنْهُ تَعالى، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ أرادَ اللَّهُ مِنَ الحِكايَةِ وهم قالُوا ماذا أُرِيدَ ونَحْوُهُ وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَثَلُ بِمَعْناهُ الآخَرُ وهو ما شُبِّهَ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ بِأنْ يَكُونُوا قَدْ عَدُّوهُ لِاسْتِغْرابِهِ مَثَلًا مَضْرُوبًا ونَسَبُوهُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ اسْتِهْزاءً وتَهَكُّمًا.

وإفْرادُ قَوْلِهِ بِهَذا التَّعْلِيلِ مَعَ كَوْنِهِ مِن بابِ فِتْنَتِهِمْ قِيلَ لِلْإشْعارِ بِاسْتِقْلالِهِ في الشَّناعَةِ وفي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ إنَّما أُعِيدُ اللّامَ فِيهِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ العِلَّتَيْنِ إذْ مَرْجِعُ الأُولى الهِدايَةُ المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ ومَرْجِعُ هَذِهِ الضَّلالُ المَقْصُودُ بِالعَرْضِ النّاشِئِ مِن سُوءِ صَنِيعِ الضّالِّينَ وتَعْلِيلُ أفْعالِهِ تَعالى بِالحِكَمِ والمَصالِحِ جائِزٌ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ وجَوَّزَ في هَذِهِ اللّامِ وكَذا الأُولى كَوْنَها لِلْعاقِبَةِ.

‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما قَبْلَهُ مِن مَعْنى الإضْلالِ والهِدايَةِ ومَحَلُّ الكافِ في الأصْلِ النَّصْبُ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ وأصْلُ التَّقْدِيرِ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ إضْلالًا وهِدايَةً كائِنَيْنِ مِثْلَ ما ذَكَرَ مِنَ الإضْلالِ والهِدايَةِ فَحُذِفَ المَصْدَرُ وأُقِيمَ وصْفُهُ مَقامَهُ ثُمَّ قُدِّمَ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ فَصارَ النَّظْمُ مِثْلَ ذَلِكَ الإضْلالِ وتِلْكَ الهِدايَةِ ‏‏‏ ‏‏ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏ إضْلالَهُ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ السَّيْءِ إلى جانِبِ الضَّلالِ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ لِآياتِ اللَّهِ تَعالى النّاطِقَةِ بِالهُدى.

‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ هِدايَتَهُ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ الحَسَنِ عِنْدَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ الآياتِ إلى جانِبِ الهُدى لا إضْلالًا وهِدايَةً أدْنى مِنهُما، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى ما بَعْدُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [اَلْبَقَرَةِ: 143] عَلى ما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ جَمْعُ جُنْدٍ اشْتَهَرَ في العَسْكَرِ اعْتِبارًا بِالغِلْظَةِ مِنَ الجُنْدِ أيِ الأرْضِ الغَلِيظَةِ الَّتِي فِيها حِجارَةٌ. ويُقالُ لِكُلِّ جَمْعٍ أيْ وما يَعْلَمُ جُمُوعَ خَلْقِهِ تَعالى الَّتِي مِن جُمْلَتِها المَلائِكَةُ المَذْكُورُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ ‏‏ ‏‏‏ عَزَّ وجَلَّ إذْ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى حَصْرِ المُمْكِناتِ

والوُقُوفِ عَلى حَقائِقِها وصِفاتِها ولَوْ إجْمالًا فَضْلًا عَنِ الِاطِّلاعِ عَلى تَفاصِيلِ أحْوالِها مِن كَمْ وكَيْفَ ونِسْبَةٍ. ( وهو ) رَدٌّ لِاسْتِهْزائِهِمْ يَكُونُ الخَزَنَةُ تِسْعَةَ عَشَرَ لِجَهْلِهِمْ وجْهَ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ. وقالَ مُقاتِلٌ هو جَوابٌ لِقَوْلِ أبِي جَهْلٍ أما لِرَبِّ مُحَمَّدٍ أعْوانٌ ( إلّا ) تِسْعَةَ عَشَرَ وحاصِلُهُ أنَّهُ لَمّا قَلَّلَ الأعْوانَ أُجِيبَ بِأنَّهم لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً إنَّما المُوَكَّلُونَ عَلى النّارِ هَؤُلاءِ المَخْصُوصُونَ لا أنَّ المَعْنى ما يَعْلَمُ بِقُوَّةِ بَطْشِ المَلائِكَةِ ( إلّا ) هو خِلافًا لِلطِّيبِي فَإنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ ظاهِرِ الدَّلالَةِ عَلى هَذا المَعْنى واخْتَلَفَ في أكْثَرِ جُنُودِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقِيلَ المَلائِكَةُ لِخَبَرِ: «أطَّتِ السَّماءُ وحَقَّ لَها أنْ تَئِطَّ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ ( إلّا ) وفِيهِ مَلَكٌ قائِمٌ أوْ راكِعٌ أوْ ساجِدٌ» . .

وفِي بَعْضِ الأخْبارِ «أنَّ مَخْلُوقاتِ البَرِّ عُشْرُ مَخْلُوقاتِ البَحْرِ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَخْلُوقاتِ الجَوِّ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الدُّنْيا والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الثّانِيَةِ وهَكَذا إلى السَّماءِ السّابِعَةِ والمَجْمُوعُ عُشْرُ مَلائِكَةِ الكُرْسِيِّ والمَجْمُوعُ عُشْرُ المَلائِكَةِ الحافِّينَ بِالعَرْشِ والمَجْمُوعُ أقَلُّ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما لا يَعْلَمُهُ ( إلّا ) اللَّهُ، وقِيلَ المَجْمُوعُ أقَلُّ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى المَلائِكَةِ المُهَيْمِنِينَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُ أحَدُهم أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ أحَدًا سِواهُ والمَجْمُوعُ أقَلُّ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَعْلَمُهُ سُبْحانَهُ مِن مَخْلُوقاتِهِ» .

وعَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: يا رَبِّ مَن مَعَكَ في السَّماءِ؟ قالَ: مَلائِكَتِي، قالَ: كَمْ عِدَتُهُمْ؟ قالَ: اثْنا عَشَرَ سِبْطًا، قالَ: كَمْ عِدَةُ كُلِّ سِبْطٍ؟ قالَ: عَدَدُ التُّرابِ

وفِي صِحَّةِ هَذا نَظَرٌ وإنْ صَحَّ فَصَدْرُهُ مِنَ المُتَشابِهِ وأنا لا أجْزِمُ بِأكْثَرِيَّةِ صِنْفٍ فَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ ( إلّا ) هو ولَمْ يَصِحَّ عِنْدِي نَصٌّ في ذَلِكَ بَيْدَ أنَّهُ يَغْلِبُ عَلى الظَّنِّ أنَّ الأكْثَرَ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمْ السَّلامُ، وهَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها مِنَ الآياتِ والأخْبارِ تُشَجِّعُ عَلى القَوْلِ بِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ في الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ جُنُودٌ مِن جُنُودِ اللَّهِ تَعالى لا يَعْلَمُ حَقائِقَها وأحْوالَها ( إلّا ) هو عَزَّ وجَلَّ ودائِرَةُ مُلْكِ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ أعْظَمُ مِن أنْ يُحِيطَ بِها نِطاقُ الحَصْرِ أوْ يَصِلَ إلى مَرْكَزِها طائِرُ الفِكْرِ ( فَأنّى ) وهَيْهاتَ ولَوِ اسْتَغْرَقَتِ القُوى والأوْقاتُ هَذا واخْتَلَفَ في المُخَصَّصِ لِهَذا العَدَدِ
صفحة 129
أعْنِي تِسْعَةَ عَشَرَ فَقِيلَ إنَّ اخْتِلافَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ في النَّظَرِ والعَمَلِ بِسَبَبِ القُوى الحَيَوانِيَّةِ الِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ يَعْنِي الحَواسَّ الخَمْسَةَ الباطِنَةَ والحَواسَّ الخَمْسَةَ الظّاهِرَةَ والقُوَّةَ الباعِثَةَ كالغَضَبِيَّةِ والشَّهْوِيَّةَ والقُوَّةَ المُحَرِّكَةَ فَهَذِهِ اثْنَتا عَشْرَةَ والطَّبِيعِيَّةَ السَّبْعَ الَّتِي ثَلاثٌ مِنها مَخْدُومَةٌ وهي القُوَّةُ النّامِيَةُ والغادِيَةُ والمُوَلِّدَةُ وأرْبَعٌ مِنها خادِمَةٌ وهي الهاضِمَةُ والجاذِبَةُ والدّافِعَةُ والماسِكَةُ وهَذا مَعَ ابْتِنائِهِ عَلى الفَلْسَفَةِ لا يَكادُ يَتِمُّ كَما لا يَخْفى عَلى مَن وقَفَ عَلى كُتُبِها.

وقِيلَ: إنَّ لِجَهَنَّمَ سَبْعَ دِرْكاتٍ سِتٌّ مِنها لِأصْنافِ الكُفّارِ وكُلُّ صِنْفٍ يُعَذَّبُ بِتَرْكِ الِاعْتِقادِ والإقْرارِ والعَمَلِ أنْواعًا مِنَ العَذابِ تُناسِبُها فَيَضْرِبُ السِّتَّ في الثَّلاثَةِ يَحْصُلُ ثَمانِيَةَ عَشَرَ وعَلى كُلِّ نَوْعِ مَلَكٌ أوْ صِنْفٌ يَتَوَلّاهُ وواحِدَةٌ لِعُصاةِ الأُمَّةِ يُعَذَّبُونَ فِيها بِتَرْكِ العَمَلِ نَوْعًا يُناسِبُهُ ويَتَوَلّاهُ مَلَكٌ أوْ صِنْفٌ وبِذَلِكَ تَتِمُّ التِّسْعَةُ عَشَرَ. وخُصَّتْ سِتٌّ مِنها بِأصْنافِ الكُفّارِ وواحِدَةٌ بِأصْنافِ الأُمَّةِ، ولَمْ يُجْعَلْ تَعْذِيبُ الكُفّارِ في خَمْسٍ مِنها فَيَبْقى لِلْمُؤْمِنِينَ اثْنَتانِ إحْداهُما لِأهْلِ الكَبائِرِ والأُخْرى لِأهْلِ الصَّغائِرِ أوْ إحْداهُما لِلْعُصاةِ مِنهم والأُخْرى لِلْعاصِياتِ لِأنَّهُ حَيْثُ أُعِدَّتِ النّارُ لِلْكافِرِينَ أوَّلًا وبِالذّاتِ ناسَبَ أنْ يَسْتَغْرِقُوها كُلِّيَّةً ويُوَزَّعُوا عَلى جَمِيعِ أماكِنِها بِقَدْرِ ما يُمْكِنُ لَكِنْ لَمّا تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ سُبْحانَهُ بِتَعْذِيبِ عُصاةِ الأُمَّةِ بِها أفْرَزَتْ واحِدَةً مِنها لَهم.

وقِيلَ: إنَّ السّاعاتِ أرْبَعٌ وعِشْرُونَ خَمْسَةٌ مِنها مَصْرُوفَةٌ لِلصَّلاةِ فَلَمْ يَخْلُقْ في مُقابَلَتِها زَبانِيَةٌ لِبَرَكَةِ الصَّلاةِ الشّامِلَةِ لِمَن لَمْ يُصَلِّ فَيَبْقى تِسْعَ عَشَرَةَ، وقِيلَ إنَّ لِجَهَنَّمَ سَبْعَ دَرَكاتٍ سِتٌّ مِنها لِأصْنافِ الكُفّارِ ولِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ عَذابِهِمْ واسْتِمْرارِهِ ناسَبَ أنْ يَقُومَ عَلَيْهِ ثَلاثَةٌ واحِدٌ في الوَسَطِ واثْنانِ في الطَّرَفَيْنِ فَهَذِهِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ وواحِدَةٌ مِنها لِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ ناسَبَ أمْرَ عَذابِهِمْ أنْ يَقُومَ عَلَيْهِ واحِدٌ وبِهِ تَتِمُّ التِّسْعَةُ عَشَرَ وقِيلَ إنَّ العَدَدَ عَلى وجْهَيْنِ قَلِيلٌ وهو مِنَ الواحِدِ إلى التِّسْعَةِ وكَثِيرٌ وهو مِنَ العَشْرَةِ ( إلّا ) ما لا نِهايَةَ لَهُ فَجَمَعَ بَيْنَ نِهايَةِ القَلِيلِ وبِدايَةِ الكَثِيرِ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ واَلَّذِي مالَ إلَيْهِ أكْثَرُ العُلَماءِ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَعْلَمُ حِكْمَتَهُ عَلى التَّحْقِيقِ ( إلّا ) اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وهو كالمُتَشابِهِ يُؤْمَنُ بِهِ ويُفَوَّضُ عِلْمُهُ إلى اللَّهِ تَعالى وكُلُّ ما ذَكَرَ مِمّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن وجَّهَ أدْنى نَظَرِهِ إلَيْهِ واَللَّهُ تَعالى الهادِي لِصَوْبِ الصَّوابِ والمُتَفَضِّلُ عَلى مَن شاءَ يَعْلَمُ لا شَكَّ مَعَهُ ولا ارْتِيابَ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ ‏‏‏‏ ‏‏‏ بِإسْكانِ العَيْنِ وهو لُغَةٌ فِيهِ كَراهَةَ تَوالِي الحَرَكاتِ فِيما هو كاسْمٍ واحِدٍ. وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ قُطْبِ وإبْراهِيمُ بْنُ قَتَّةَ «تُسْعَةَ» بِضَمِّ التّاءِ وهي حَرَكَةُ بِناءٍ عَدَلَ إلَيْها عَنِ الفَتْحِ لِتَوالِي خَمْسِ فَتَحاتٍ ولا يُتَوَهَّمَ أنَّها حَرَكَةُ إعْرابٍ وإلّا أعْرَبَ عَشَرَ.

وقَرَأ أنَسٌ أيْضًا «تُسْعَةَ» بِالضَّمِّ «أعْشَرَ» بِالفَتْحِ قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ فَيَجُوزُ أنَّهُ جَمَعَ العَشْرَةَ عَلى أعْشُرٍ ثُمَّ أجْراهُ مَجْرى تِسْعَةَ عَشَرَ وعَنْهُ أيْضًا «تُسْعَةَ» و«عُشَرَ» بِالضَّمِّ وقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا خالِصَةً تَخْفِيفًا والتّاءُ فِيهِما مَضْمُومَةٌ ضَمَّةَ بِناءٍ لِما سَمِعْتَ آنِفًا. وعَنْ سُلَيْمانَ بْنِ قَتَّةَ وهو أخُو إبْراهِيمَ أنَّهُ قَرَأ «تِسْعَةَ أعْشُرٍ» بِضَمِّ التّاءِ ضَمَّةَ إعْرابِ والإضافَةِ إلى أعُشْرٍ وجَرِّهِ مُنَوَّنًا وهو عَلى ما قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ جَمْعُ عَشْرَةَ وقَدْ صَرَّحَ بِأنَّ المَلائِكَةَ عَلى القِراءَةِ بِهَذا الجَمْعِ مُعْرَبًا أوْ مَبْنِيًّا تِسْعُونَ مَلَكًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ جَمْعُ عَشِيرٍ مِثْلُ يَمِينٍ وأيْمَنُ.

ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ أيْ تِسْعَةً مِنَ المَلائِكَةِ كُلُّ واحِدٍ مِنهم عَشِيرٌ فَهم مَعَ أشْياعِهِمْ تِسْعُونَ والعَشِيرُ بِمَعْنى العَشْرِ فَدَلَّ عَلى أنَّ النُّقَباءَ تِسْعَةٌ وتُعُقِّبَ بِأنَّ دَلالَتَهُ عَلى هَذا المَعْنى غَيْرُ واضِحَةٍ ولِهَذا قالَ ابْنُ جِنِّي لا وجْهَ لِتِلْكَ القِراءَةِ ( إلّا ) أنْ يَعْنِيَ تِسْعَةَ أعْشُرٍ جَمْعُ العَشِيرِ وهم الأصْدِقاءُ فَلْيُراجَعْ.

( وما هي ) أيْ سَقَرُ كَما يَقْتَضِيهِ كَلامُ مُجاهِدٍ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إلّا تَذْكِرَةٌ لَهم والعَطْفُ قِيلَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ إلى هُنا اعْتِراضٌ ووَجْهُهُ أنَّهُ لَمّا قِيلَ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ زِيادَةً في تَهْوِيلِ أمْرِ جَهَنَّمَ عَقَّبَ بِما يُؤَكِّدُ قُوَّتَهم وتَسَلُّطَهم وتَبايُنَهم بِالشِّدَّةِ عَنْ سائِرِ المَخْلُوقاتِ ﴿ثُمَّ﴾ بِما يُؤَكِّدُ الكَمِّيَّةَ وما أكَّدَ المُؤَكَّدَ فَهو مُؤَكَّدٌ أيْضًا. وقِيلَ
صفحة 130
الضَّمِيرُ لِلْآياتِ النّاطِقَةِ بِأحْوالِ سَقَرَ، وقِيلَ لِعِدَّةِ خَزَنَتِها والتَّذْكِيرِ والعِظَةِ فِيها مِن جِهَةِ أنَّ في خَلْقِهِ تَعالى ما هو في غايَةِ العَظَمَةِ حَتّى يَكُونَ لِقَلِيلٍ مِنهم مُعَذَّبًا ومُهْلَكًا لِما لا يُحْصى دَلالَةً عَلى أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يُقَدَّرُ حَقَّ قَدْرِهِ ولا تُوصَفُ عَظَمَتُهُ ولا تَصِلُ الأفْكارُ إلى حَرَمِ جَلالِهِ.

وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْجُنُودِ وقِيلَ لِنارِ الدُّنْيا وهَذا أضْعَفُ الأقْوالِ وأقْواها عَلى ما قِيلَ ما تَقَدَّمَ. وبَيْنَ «البَشَرِ» هاهُنا و«البَشَرِ» فِيما سَبَقَ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عَلى تَفْسِيرِ الجُمْهُورِ تَجْنِيسٌ تامٌّ لَفْظِيٌّ وخَطِّيٌّ وقَلَّ مَن تَذَكَّرَ لَهُ.

The same ayah, in another commentary

Al-Muddaththir 74:31