All commentaries

روح المعاني

Al-Ālūsī

شهاب الدين الآلوسي (ت ١٢٧٠ هـ)

Gathers the whole tradition on a verse, then closes with its spiritual reading.

At-Tawbah 9:129 Juzʾ 11 Page 207

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

But if they turn away, [O Muhammad], say, "Sufficient for me is Allah; there is no deity except Him. On Him I have relied, and He is the Lord of the Great Throne."

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ تَلْوِينٌ لِلْخُطّابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ تَسْلِيَةً لَهُ، أيْ فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ بِكَ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ فَإنَّهُ يَكْفِيكَ مَعَرَّتُهم ويُعِينُكَ عَلَيْهِمْ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ اسْتِئْنافٌ كالدَّلِيلِ لِما قَبْلَهُ لِأنَّ المُتَوَحِّدَ بِالأُلُوهِيَّةِ هو الكافِي المُعِينُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فَلا أرْجُو ولا أخافُ إلّا مِنهُ سُبْحانَهُ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيِ الجِسْمِ المُحِيطِ بِسائِرِ الأجْسامِ ويُسَمّى بِفَلَكِ الأفْلاكِ وهو مُحَدِّدُ الجِهاتِ ‏‏‏‏‏‏ الَّذِي لا يَعْلَمُ مِقْدارَ عَظَمَتِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى وفي الخَبَرِ «أنَّ الأرْضَ بِالنِّسْبَةِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ وكَذا السَّماءُ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلى السَّماءِ الَّتِي فَوْقَها وهَكَذا إلى السَّماءِ السّابِعَةِ وهي بِالنِّسْبَةِ إلى الكُرْسِيِّ كَحَلْقَةٍ في فَلاةٍ وهو بِالنِّسْبَةِ إلى العَرْشِ كَذَلِكَ» . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ لا يَقْدُرُ قَدْرَهُ أحَدٌ وذَكَرَ أهْلُ الإرْصادِ أنَّ بُعْدَ مُقَعَّرِ الفَلَكِ الأعْظَمِ مِن مَرْكَزِ العالَمِ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ ألْفَ ألْفٍ وخَمْسُمِائَةٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا وسِتُّمِائَةٍ وتِسْعُ فَراسِخَ وأنَّ بُعْدَ مُحَدَّبِهِ مِنهُ قَدْ بَلَغَ مَرْتَبَةً لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ الَّذِي لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وقَدْ يُفَسَّرُ العَرْشُ هُنا بِالمُلْكِ وهو أحَدُ مَعانِيهِ كَما في القامُوسِ وقُرِئَ (العَظِيمُ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ الرَّبِّ وخَتَمَ سُبْحانَهُ هَذِهِ السُّورَةَ بِما ذَكَرَ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ فِيها التَّكالِيفَ الشّاقَّةَ والزَّواجِرَ الصَّعْبَةَ فَأرادَ جَلَّ شَأْنُهُ أنْ يُسَهِّلَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ ويُشَجِّعَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى تَبْلِيغِهِ وقَدْ تَضَمَّنَ مِن أوْصافِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الكَرِيمَةِ ما تَضَمَّنَ وقَدْ بَدَأ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مِن أنْفُسِهِمْ لِأنَّهُ كالأُمِّ في هَذا البابِ ولا يُنافِي وصْفُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ بِالمُؤْمِنِينَ تَكْلِيفَهُ إيّاهم في هَذِهِ السُّورَةِ بِأنْواعٍ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ لِأنَّ هَذا التَّكْلِيفَ أيْضًا مِن كَمالِ ذَلِكَ الوَصْفِ مِن حَيْثُ إنَّهُ سَبَبٌ لِلتَّخَلُّصِ مِنَ العِقابِ المُؤَبَّدِ والفَوْزِ بِالثَّوابِ المُخَلَّدِ ومِن هَذا القَبِيلِ مُعامَلَتُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا كَما عَلِمْتَ وما أحْسَنَ ما قِيلَ:

فَقَسا لِيَزْدَجِرُوا ومَن يَكُ حازِمًا فَلْيُقَسْ أحْيانًا عَلى مَن يَرْحَمُ
وهاتانِ الآيَتانِ عَلى ما رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ آخِرُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ لَكِنْ رَوى الشَّيْخانِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَراءَةُ

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ وكانَ بَيْنَ نُزُولِها ومَوْتِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ثَمانُونَ يَوْمًا وقِيلَ: تِسْعُ لَيالٍ وحاوَلَ بَعْضُهُمُ التَّوْفِيقَ بَيْنَ الرِّواياتِ في هَذا الشَّأْنِ بِما لا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ ويَبْعُدُ ما رُوِيَ عَنْ أُبَيٍّ ما أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ جاءَتْهُ جُهَيْنَةُ فَقالُوا لَهُ: إنَّكَ نَزَلْتَ بَيْنَ أظْهُرِنا فَأوْثِقْ لَنا نَأْمَنُكَ وتَأْمَنّا. قالَ: ولِمَ سَألْتُمْ هَذا؟ قالُوا: نَطْلُبُ الأمْنَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏» إلَخْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الحالِ

وقَدْ ذَكَرُوا لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ الآيَةَ ما ذَكَرُوا مِنَ الخَواصِّ وقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مَوْقُوفًا وابْنُ السُّنِّيِّ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «مَن قالَ حِينَ أصْبَحَ وحِينَ يُمْسِي: حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ سَبْعَ مَرّاتٍ كَفاهُ اللَّهُ تَعالى ما أهَمَّهُ مِن أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ». وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ عَنِ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ سَبْعَ مَرّاتٍ: حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو إلَخْ لَمْ
صفحة 54
يُصِبْهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ولا تِلْكَ اللَّيْلَةِ كَرْبٌ ولا نَكْبٌ ولا غَرَقٌ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: خَرَجَتْ سَرِيَّةٌ إلى أرْضِ الرُّومِ فَسَقَطَ رَجُلٌ مِنهم فانْكَسَرَتْ فَخِذُهُ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أنْ يَحْمِلُوهُ فَرَبَطُوا فَرَسَهُ عِنْدَهُ ووَضَعُوا عِنْدَهُ شَيْئًا مِن ماءٍ وزادٍ فَلَمّا ولَّوْا أتاهُ آتٍ فَقالَ لَهُ: ما لَكَ هَهُنا؟ قالَ: انْكَسَرَتْ فَخِذِي فَتَرَكَنِي أصْحابِي. فَقالَ: ضَعْ يَدَكَ حَيْثُ تَجِدُ الألَمَ وقُلْ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ الآيَةَ فَوَضَعَ يَدَهُ فَقَرَأها فَصَحَّ ورَكِبَ فَرَسَهُ وأدْرَكَ أصْحابَهُ وهَذِهِ الآيَةُ وِرْدُ هَذا الفَقِيرِ ولِلَّهِ الحَمْدُ مُنْذُ سِنِينَ نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُوَفِّقَ لَنا الخَيْرَ بِبَرَكَتِها إنَّهُ خَيْرُ المُوَفِّقِينَ
* * *
هَذا ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لَمّا هَداهم سُبْحانَهُ إلى الإيمانِ العِلْمِيِّ وهم مَفْتُونُونَ بِمَحَبَّةِ الأنْفُسِ والأمْوالِ اسْتَنْزَلَهم لِغايَةِ عِنايَتِهِ سُبْحانَهُ بِهِمْ عَنْ ذَلِكَ بِالمُعامَلَةِ الرّابِحَةِ بِأنْ أعْطاهم بَدَلَ ذَلِكَ الجَنَّةَ ولَعَلَّ المُرادَ بِها جَنَّةُ النَّفْسِ لِيَكُونَ الثَّمَنُ مِن جِنْسِ المُثَمِّنِ الَّذِي هو مَأْلُوفُهم ولَكِنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ قالَ ابْنُ عَطاءٍ: نَفْسُكَ مَوْضِعُ كُلِّ شَهْوَةٍ وبَلِيَّةٍ ومالُكَ مَحَلُّ كُلِّ إثْمٍ ومَعْصِيَةٍ فاشْتَرى مَوْلاكَ ذَلِكَ مِنكَ لِيُزِيلَ ما يَضُرُّكَ ويُعَوِّضُكَ عَلَيْهِ ما يَنْفَعُكَ ولِهَذا اشْتَرى سُبْحانَهُ النَّفْسَ ولَمْ يَشْتَرِ القَلْبَ وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الأكابِرِ في ذَلِكَ أيْضًا أنَّ النَّفْسَ مَحَلُّ العَيْبِ والكِرِيمُ يَرْغَبُ في شِراءِ ما يَزْهَدُ فِيهِ غَيْرُهُ فَشِراءُ اللَّهِ تَعالى ذَلِكَ مَعَ اطِّلاعِهِ سُبْحانَهُ عَلى العَيْبِ بِالجَنَّةِ الَّتِي لا عَيْبَ فِيها نِهايَةُ الكَرَمِ ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ قَوْلُ القائِلِ:

ولِي كَبِدٌ مَقْرُوحَةٌ مَن يَبِيعُنِي بِها كَبِدًا لَيْسَتْ بِذاتِ قُرُوحِ

أباها جَمِيعُ النّاسِ لا يَشْتَرُونَها ∗∗∗ ومَن يَشْتَرِي ذا عِلَّةٍ بِصَحِيحِ
وعَنِ الجُنَيْدِ قُدِّسَ سِرُّهُ قالَ: إنَّهُ سُبْحانَهُ اشْتَرى مِنكَ ما هو صِفَتُكَ وتَحْتَ تَصَرُّفِكَ والقَلْبُ تَحْتَ صِفَتِهِ وتَصَرُّفِهِ لَمْ تَقَعِ المُبايَعَةُ عَلَيْهِ ويُشِيرُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «قَلْبُ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ» . وذَكَرَ بَعْضُ أرْبابِ التَّأْوِيلِ أنَّهُ تَعالى لَمّا اشْتَرى الأنْفُسَ مِنهم فَذاقُوا بِالتَّجَرُّدِ عَنْها حَلاوَةَ اليَقِينِ ولَذَّةَ التَّرْكِ ورَجَعُوا عَنْ مَقامِ لَذَّةِ النَّفْسِ وتابُوا عَنْ هَواها ولَمْ يَبْقَ عِنْدَهم لِجَنَّةِ النَّفْسِ الَّتِي كانَتْ ثَمَنًا قَدْرٌ وصَفَهم بِالتّائِبِينَ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿التّائِبُونَ﴾ أيِ الرّاجِعُونَ عَنْ طَلَبِ مَلاذِّ النَّفْسِ وتَوَقُّعِ الأجْرِ إلَيْهِ تَعالى وبِلَفْظٍ آخَرَ هم قَوْمٌ رَجَعُوا مِن غَيْرِ اللَّهِ إلى اللَّهِ واسْتَقامُوا بِاللَّهِ تَعالى مَعَ اللَّهِ تَعالى ﴿العابِدُونَ﴾ أيِ الخاضِعُونَ المُتَذَلِّلُونَ لِعَظَمَتِهِ وكِبْرِيائِهِ تَعالى تَعْظِيمًا وإجْلالًا لَهُ جَلَّ شَأْنُهُ لا رَغْبَةً في ثَوابٍ ولا رَهْبَةً مِن عِقابٍ وهَذِهِ أقْصى دَرَجاتِ العِبادَةِ ويُسَمِّيها بَعْضُهم عُبُودَةَ ﴿الحامِدُونَ﴾ بِإظْهارِ الكَمالاتِ العَمَلِيَّةِ والعِلْمِيَّةِ حَمَدًا فِعْلِيًّا حالِيًّا وأقْصى مَراتِبِ الحَمْدِ إظْهارُ العَجْزِ عَنْهُ. يُرْوى أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا رَبِّ كَيْفَ أحْمَدُكَ والحَمْدُ مِن آلائِكَ. فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ. الآنَ حَمَدْتَنِي يا داوُدُ وما أعْلى كَلِمَةَ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ» .

﴿السّائِحُونَ﴾ إلَيْهِ تَعالى بِالهِجْرَةِ عَنْ مَقامِ الفِطْرَةِ ورُؤْيَةِ الكَمالاتِ الثّابِتَةِ لَهم في مَفاوِزِ الصِّفاتِ ومَنازِلِ السَّبَحاتِ وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: السّائِحُونَ هُمُ السَّيّارُونَ بِقُلُوبِهِمْ في المَلَكُوتِ الطّائِرُونَ بِأجْنِحَةِ المَحَبَّةِ في هَواءِ الجَبَرُوتِ وقَدْ يُقالُ: هُمُ الَّذِينَ صامُوا عَنِ المَأْلُوفاتِ حِينَ عايَنُوا هِلالَ جَمالِهِ تَعالى في هَذِهِ النَّشْأةِ ولا يُفْطِرُونَ حَتّى يُعايِنُوهُ مَرَّةً أُخْرى في النَّشْأةِ الأُخْرى وقَدِ امْتَثَلُوا ما أشارَ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» .

﴿الرّاكِعُونَ﴾ في مَقامِ مَحْوِ الصِّفاتِ ﴿السّاجِدُونَ﴾ بِفَناءِ الذّاتِ وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: الرّاكِعُونَ هُمُ العاشِقُونَ المُنْحَنُونَ مِن ثِقَلِ أوَقارِ المَعْرِفَةِ عَلى بابِ العَظَمَةِ ورُؤْيَةِ الهَيْبَةِ والسّاجِدُونَ هُمُ الطّالِبُونَ
صفحة 55
لِقُرْبِهِ سُبْحانَهُ فَقَدْ جاءَ في الخَبَرِ: أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ. وقَدْ يُقالُ: الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ هُمُ المُشاهِدُونَ لِلْحَبِيبِ السّامِعُونَ مِنهُ، وما أحْسَنَ ما قِيلَ:

لَوْ يَسْمَعُونَ كَما سَمِعْتُ كَلامَها ∗∗∗ خَرُّوا لِعَزَّةَ رُكَّعًا وسُجُودًا
‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيِ الدّاعُونَ الخَلْقَ إلى الحَقِّ والدّافِعُونَ لَهم عَمّا سِواهُ فَإنَّ المَعْرُوفَ عَلى الإطْلاقِ هو الحَقُّ سُبْحانَهُ، والكُلُّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَزَّ شَأْنُهُ مُنْكَرٌ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ أيِ المُراعُونَ أوامِرَهُ ونَواهِيَهُ سُبْحانَهُ في جَوارِحِهِمْ وأسْرارِهِمْ وأرْواحِهِمْ أوِ الَّذِينَ حَفِظُوا حُدُودَ اللَّهِ المَعْلُومَةَ فَأقامُوها عَلى أنْفُسِهِمْ وعَلى غَيْرِهِمْ وقِيلَ: هُمُ القائِمُونَ في مَقامِ العُبُودِيَّةِ بَعْدَ كَشْفِ صِفاتِ الرُّبُوبِيَّةِ لَهم فَلا يَتَجاوَزُونَ ذَلِكَ وإنْ حَصَلَ لَهم ما حَصَلَ فَهم في مَقامِ التَّمْكِينِ والصَّحْوِ لا يَقُولُونَ ما يَقُولُهُ سُكارى المَحَبَّةِ ولا يَهِيمُونَ في أوْدِيَةِ الشَّطَحاتِ

وفِي الآيَةِ نَعْيٌ عَلى أُناسٍ ادَّعَوُا الِانْتِظامَ في سِلْكِ حِزْبِ اللَّهِ تَعالى وزُمْرَةِ أوْلِيائِهِ وهم قَدْ ضَيَّعُوا الحُدُودَ وخَرَقُوا سَفِينَةَ الشَّرِيعَةِ وتَكَلَّمُوا بِالكَلِماتِ الباطِلَةِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ عَلى اخْتِلافِ فِرَقِهِمْ حَتّى عِنْدَ السّادَةِ الصُّوفِيَّةِ فَإنَّهم أوْجَبُوا حِفْظَ المَراتِبِ وقالُوا:

إنْ تَضْيِيعَها زَنْدَقَةٌ وقَدْ خالَطْتُهم فَرَأيْتُ مِنهم ∗∗∗ خَبائِثَ بِالمُهَيْمِنِ نَسْتَجِيرُ
ولَعَمْرِي إنَّ المُؤْمِنَ مَن يُنْكِرُ عَلى أمْثالِهِمْ فَإيّاكَ أنْ تَغْتَرَّ بِهِمْ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ بِالإيمانِ الحَقِّيِّ المُقِيمِينَ في مَقامِ الِاسْتِقامَةِ واتِّباعِ الشَّرِيعَةِ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ ما صَحَّ مِنهم ذَلِكَ ولا اسْتَقامَ فَإنَّ الوُقُوفَ عِنْدَ القَدَرِ مِن شَأْنِ الكامِلِينَ

ومِن هُنا قِيلَ: لا تُؤَثِّرُ هِمَّةُ العارِفِ بَعْدَ كَمالِ عِرْفانِهِ أيْ إذا تَيَقَّنَ وُقُوعَ كُلِّ شَيْءٍ بِقَدَرِهِ تَعالى المُوافِقِ لِلْحِكْمَةِ البالِغَةِ وأنَّ ما شاءَ اللَّهُ كانَ وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ ولَمْ يَتَّهِمِ اللَّهَ سُبْحانَهُ في شَيْءٍ مِنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ سَكَنَ تَحْتَ كَهْفِ الأقْدارِ وسَلَّمَ لِمُدَّعِي الإرادَةِ وأنْصَتَ لِمُنادِي الحِكْمَةِ وتَرَكَ مُرادَهُ لِمُرادِ الحَبِيبِ بَلْ لا يُرِيدُ إلّا ما يُرِيدُهُ وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَقامُ العُبُودِيَّةِ المَحْضَةِ الَّذِي هو أعْلى المَقاماتِ ودُونَ ذَلِكَ مَقامُ الإدْلالِ ولَقَدْ كانَ حَضْرَةُ مَوْلانا القُطْبُ الرَّبّانِيُّ الشَّيْخُ عَبْدُ القادِرِ الكِيلانِيُّ قُدِّسَ سِرُّهُ في هَذا المَقامِ ولَهُ كَلِماتٌ تُشْعِرُ بِذَلِكَ لَكِنْ لَمْ يَتَوَفَّ قُدِّسَ سِرُّهُ حَتّى انْتَقَلَ مِنهُ إلى مَقامِ العُبُودِيَّةِ المَحْضَةِ كَما نَقَلَ مَوْلانا عَبْدُ الوَهّابِ الشَّعَرانِيُّ في الدُّرَرِ واليَواقِيتِ وقَدْ ذَكَرَ أنَّ هَذا المَقامَ كانَ مَقامَ تِلْمِيذِهِ حَضْرَةِ مَوْلانا أبِي السُّعُودِ الشَّلَبِيِّ قُدِّسَ سِرُّهُ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ لِيَصِفَهم بِالضَّلالِ عَنْ طَرِيقِ التَّسْلِيمِ والِانْقِيادِ لِأمْرِهِ والرِّضا بِحُكْمِهِ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ إلى التَّوْحِيدِ العِلْمِيِّ ورُؤْيَةِ وُقُوعِ كُلِّ شَيْءٍ بِقَضائِهِ وقَدَرِهِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ ما يَجِبُ عَلَيْهِمُ اتِّقاؤُهُ في كُلِّ مَقامٍ مِن مَقاماتِ سُلُوكِهِمْ وكُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن مَراتِبِ وُصُولِهِمْ فَإذا بَيَّنَ لَهم ذَلِكَ فَإنْ أقْدَمُوا في بَعْضِ المَقاماتِ عَلى ما تَبَيَّنَ لَهم وُجُوبُ اتِّقائِهِ أضَلَّهم لِارْتِكابِهِمْ ما هو ضَلالٌ في دِينِهِمْ وإلّا فَلا ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ فَيَعْلَمُ دَقائِقَ ذُنُوبِهِمْ وإنْ لَمْ يَتَفَطَّنْ لَها أحَدٌ

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لا يَخْفى أنَّ تَوْبَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى كُلٍّ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَن مَعَهُ بِحَسَبِ مَقامِهِ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ التَّوْبَةَ إذا نُسِبَتْ إلى العَبْدِ كانَتْ بِمَعْنى الرُّجُوعِ مِنَ الزَّلّاتِ إلى الطّاعاتِ وإذا نُسِبَتْ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ كانَتْ بِمَعْنى رُجُوعِهِ إلى العِبادِ بِنَعْتِ الوِصالِ وفَتْحِ البابِ ورَفْعِ الحِجابِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وذَلِكَ لِاسْتِشْعارِ سَخَطِ المَحْبُوبِ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ أيْ تَحَقَّقُوا ذَلِكَ فانْقَطَعُوا إلَيْهِ سُبْحانَهُ
صفحة 56
ورَفَعُوا الوَسائِطَ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ حَيْثُ رَأى سُبْحانَهُ انْقِطاعَهم إلَيْهِ وتَضَرُّعَهم بَيْنَ يَدَيْهِ وقَدْ جَرَتْ عادَتُهُ تَعالى مَعَ أهْلِ مَحَبَّتِهِ إذا صَدَرَ مِنهم ما يُنافِي مَقامَهم بِأدَبِهِمْ بِنَوْعٍ مِنَ الحِجابِ حَتّى إذا ذاقُوا طَعْمَ الجِنايَةِ واحْتَجَبُوا عَنِ المُشاهَدَةِ وعَراهم ما عَراهم مِمّا أنْساهم دُنْياهم وأُخْراهم أمْطَرَ عَلَيْهِمْ وابِلَ سَحابِ الكَرَمِ وأشْرَقَ عَلى آفاقِ أسْرارِهِمْ أنْوارَ القِدَمِ فَيُؤْنِسُهم بَعْدَ يَأْسِهِمْ ويَمُنُّ عَلَيْهِمْ بَعْدَ قُنُوطِهِمْ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وما أحْلى قَوْلَهُ:

هَجَرُوا والهَوى وِصالٌ وهَجْرٌ ∗∗∗ هَكَذا سُنَّتُ الغَرامِ المِلاحِ
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ في جَمِيعِ الرَّذائِلِ بِالِاجْتِنابِ عَنْها ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ نِيَّةً وقَوْلًا وفِعْلًا أيِ اتَّصِفُوا بِما اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الصِّدْقِ وقِيلَ: خالِطُوهم لِتَكُونُوا مِثْلَهم فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقارَنِ يُقْتَدى

وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الصّادِقِينَ بِالَّذِينِ لَمْ يُخْلِفُوا المِيثاقَ الأوَّلَ فَإنَّهُ أصْدَقُ كَلِمَةٍ وقَدْ يُقالُ: الأصْلُ الصِّدْقُ في عَهْدِ اللَّهِ كَما قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ثُمَّ في عَقْدِ العَزِيمَةِ ووَعْدِ الخَلِيقَةِ كَما قالَ سُبْحانَهُ في إسْماعِيلَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وإذا رُوعِيَ الصِّدْقُ في المَواطِنِ كُلِّها كالخاطِرِ والفِكْرِ والنِّيَّةِ والقَوْلِ والعَمَلِ صَدَقَتِ المَناماتُ والوارِداتُ والأحْوالُ والمَقاماتُ والمَواهِبُ والمُشاهَداتُ فَهو أصْلُ شَجَرَةِ الكَمالِ وبِذْرُ ثَمَرَةِ الأحْوالِ ومِلاكُ كُلِّ خَيْرٍ وسَعادَةٍ وضِدُّهُ الكَذِبُ فَهو أسْوَأُ الرَّذائِلِ وأقْبَحُها وهو مُنافِي المُرُوءَةِ كَما قالُوا: لا مُرُوءَةَ لِكَذُوبٍ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ مُسْتَعِدٍّ مِن جَماعَةٍ سُلُوكُ طَرِيقِ طَلَبِ العِلْمِ إذْ لا يُمْكِنُ لِجَمِيعِهِمْ أمّا ظاهِرًا فَلِفَواتِ المَصالِحِ وأمّا باطِنًا فَلِعَدَمِ الِاسْتِعْدادِ لِلْجَمِيعِ

والفِقْهُ مِن عُلُومِ القَلْبِ وهي إنَّما تَحْصُلُ بِالتَّزْكِيَةِ والتَّصْفِيَةِ وتَرْكِ المَأْلُوفاتِ واتِّباعِ الشَّرِيعَةِ فالمُرادُ مِنَ النَّفَرِ السَّفَرُ المَعْنَوِيُّ وهَذا هو العِلْمُ النّافِعُ وعَلامَةُ حُصُولِهِ عَدَمُ خَشْيَةِ أحَدٍ سِوى اللَّهِ تَعالى، ألا تَرى كَيْفَ نَفى اللَّهُ عَمَّنْ خَشِيَ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ الفِقْهَ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ وعَلى هَذا فَحَقَّ لِمِثْلِي أنْ يَنُوحَ عَلى نَفْسِهِ وقَدْ صَرَّحَ بَعْضُ الأكابِرِ أنَّ الفِقْهَ عِلْمٌ راسِخٌ في القَلْبِ ضارِبَةٌ عُرُوقُهُ في النَّفْسِ ظاهِرٌ أثَرُهُ عَلى الجَوارِحِ لا يُمْكِنُ لِصاحِبِهِ أنْ يَرْتَكِبَ خِلافَ ما يَقْتَضِيهِ إلّا إذا غَلَبَ القَضاءُ والقَدَرُ وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى كَما قِيلَ عَلى بَعْضِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ: لا تَقُولُوا العِلْمُ بِالسَّماءِ مَن يَنْزِلُ بِهِ ولا في تُخُومِ الأرْضِ مَن يَصْعَدُ بِهِ ولا مِن وراءِ البَحْرِ مَن يَعْبُرُ ويَأْتِي بِهِ والعِلْمُ مَجْعُولٌ في قُلُوبِكم تَأدَّبُوا بَيْنَ يَدَيَّ بِآدابِ الرُّوحانِيِّينَ وتَخَلَّقُوا بِأخْلاقِ الصِّدِّيقِينَ أُظْهِرِ العِلْمَ مِن قُلُوبِكم حَتّى يَغْمُرَكم ويُغَطِّيَكم وجاءَ: «مَنِ اتَّقى اللَّهَ أرْبَعِينَ صَباحًا تَفَجَّرَتْ يَنابِعُ الحِكْمَةِ مِن قَلْبِهِ:» وإذا تَحَقَّقْتَ ذَلِكَ عَلِمْتَ أنَّ دَعْوى قَوْمِ اليَوْمِ الفِقْهَ بِالمَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ مَعَ تَهافُتِهِمْ عَلى المَعاصِي تَهافُتَ الفَراشِ عَلى النّارِ وعَقْدَهُمُ الحَلَقاتِ عَلَيْها دَعْوى كاذِبَةٌ مُصادِمَةٌ لِلْعَقْلِ والنَّقْلِ وهَيْهاتَ أنْ يَحْصُلَ لَهم ذَلِكَ الفِقْهُ ما دامُوا عَلى تِلْكَ الحالِ ولَوْ ضَرَبُوا رُءُوسَهم بِألْفِ صَخْرَةٍ صَمّاءَ وعَطْفُ سُبْحانِهِ قَوْلَهُ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الإنْذارَ بَعْدَ التَّفَقُّهِ والتَّحَلِّي بِالفَضائِلِ إذْ هو الَّذِي يُرْجى نَفْعُهُ:

ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فانْهَها عَنْ غَيِّها ∗∗∗ فَإذا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأنْتَ حَكِيمٌ

فَهُناكَ يَسْمَعُ ما تَقُولُ ويُقْتَدى ∗∗∗ بِالقَوْلِ مِنكَ ويَنْفَعُ التَّعْلِيمُ
ولِذا قالَ جَلَّ وعَلا: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾
صفحة 57
إشارَةٌ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ ولَعَلَّهُ تَعْلِيمٌ لِكَيْفِيَّةِ النَّصْرِ المَطْلُوبِ وبَيانٌ لِطَرِيقِ تَحْصِيلِ الفِقْهِ أيْ قاتِلُوا كُفّارَ قُوى نُفُوسِكم بِمُخالَفَةِ هَواها وفي الخَبَرِ: أعْدى عَدُّوِكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ.

‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ قَهْرًا وشِدَّةً حَتّى تَبْلُغُوا دَرَجَةَ التَّقْوى ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِالوَلايَةِ والنَّصْرِ ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ أيْ يُصِيبُهم بِالبَلاءِ لِيَتُوبُوا ﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ وفي الأثَرِ: البَلاءُ سَوْطٌ مِن سِياطِ اللَّهِ تَعالى يَسُوقُ بِهِ عِبادَهُ إلَيْهِ. ويُرْشِدُ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وبِالجُمْلَةِ إنَّ البَلاءَ يَكْسِرُ سَوْرَةَ النَّفْسِ فَيَلِينُ القَلْبُ فَيَتَوَجَّهُ إلى مَوْلاهُ إلّا أنَّ مَن غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشَّقاوَةُ ذَهَبَ مِنهُ ذَلِكَ الحالَ إذا صُرِفَ عَنْهُ البَلاءُ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ مِن جِنْسِكم لِتَقَعَ الأُلْفَةُ بَيْنَكم وبَيْنَهُ فَإنَّ الجِنْسَ إلى الجِنْسِ يَمِيلُ وحِينَئِذٍ يَسْهُلُ عَلَيْكُمُ الِاقْتِباسُ مِن أنْوارِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ. وقُرِئَ كَما قَدَّمْنا (مِن أنْفَسِكُمْ) أيْ أشْرَفِكم في كُلِّ شَيْءٍ ويَكْفِيهِ شَرَفًا أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلُ التَّعَيُّناتِ وأنَّهُ كَما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ

وعَلى تَفَنُّنِ واصِفِيهِ بِوَصْفِهِ ∗∗∗ يَفْنى الزَّمانُ وفِيهِ ما لَمْ يُوصَفِ
‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ يَشُقُّ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَشَقَّتُكم فَيَتَألَّمُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِما يُؤْلِمُكم كَما يَتَألَّمُ الشَّخْصُ إذا عَرا بَعْضَ أعْضائِهِ مَكْرُوهٌ وعَنْ سَهْلٍ أنَّهُ قالَ: المَعْنى شَدِيدٌ عَلَيْهِ غَفْلَتُكم عَنِ اللَّهِ تَعالى ولَوْ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَإنَّ العَنَتَ ما يَشُقُّ ولا شَيْءَ أشَقَّ في الحَقِيقَةِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنِ المَحْبُوبِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ عَلى صَلاحِ شَأْنِكم أوْ عَلى حُضُورِكم وعَدَمِ غَفْلَتِكم عَنْ مَوْلاكم جَلَّ شَأْنُهُ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يَدْفَعُ عَنْهم ما يُؤْذِيهِمْ ﴿رَحِيمٌ﴾ يَجْلِبُ لَهم ما يَنْفَعُهُمْ، ومِن آثارِ الرَّأْفَةِ تَحْذِيرُهم مِنَ الذُّنُوبِ والمَعاصِي ومِن آثارِ الرَّحْمَةِ إضافَتُهُ ﷺ عَلَيْهِمُ العُلُومَ والمَعارِفَ والكَمالاتِ قالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: عَلِمَ اللَّهُ تَعالى عَجْزَ خَلْقِهِ عَنْ طاعَتِهِ فَعَرَّفَهم ذَلِكَ لِكَيْ يَعْلَمُوا أنَّهم لا يَنالُونَ الصَّفْوَ مِن خَدَمَتِهِ فَأقامَ سُبْحانَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم مَخْلُوقًا مِن جِنْسِهِمْ في الصُّورَةِ فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وألْبَسَهُ مِن نَعْتِهِ الرَّأْفَةَ والرَّحْمَةَ وأخْرَجَهُ إلى الخَلْقِ سَفِيرًا صادِقًا وجَعَلَ طاعَتَهُ ومُوافَقَتَهُ مُوافَقَتَهُ فَقالَ سُبْحانَهُ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ثُمَّ أفْرَدَهُ لِنَفْسِهِ خاصَّةً وآواهُ إلَيْهِ بِشُهُودِهِ عَلَيْهِ في جَمِيعِ أنْفاسِهِ وسَلّى قَلْبَهُ عَنْ إعْراضِهِمْ عَنْ مُتابَعَتِهِ بِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وأعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ ما أنْتَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ الِاسْتِعْدادِ وزَوالِهِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ لا حاجَةَ لِي بِكم كَما لا حاجَةَ لِلْإنْسانِ إلى العُضْوِ المُتَعَفِّنِ الَّذِي يَجِبُ قَطْعُهُ عَقْلًا فاللَّهُ تَعالى كافٍ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ فَلا مُؤَثِّرَ غَيْرُهُ ولا ناصِرَ سِواهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لا عَلى غَيْرِهِ مِن جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ إذْ لا أرى لِأحَدٍ مِنهم فِعْلًا ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وقَدْ ألْبَسَهُ سُبْحانَهُ أنْوارَ عَظَمَتِهِ وقَوّاهُ عَلى حَمْلِ تَجَلِّياتِهِ ولَوْلا ذَلِكَ لَذابَ بِأقَلَّ مِن لَمْحَةِ عَيْنٍ وإذا قُرِئَ ‏‏‏‏‏‏ بِالرَّفْعِ فَهو صِفَةٌ لِلرَّبِّ سُبْحانَهُ، وعَظْمَتِهِ جَلَّ جَلالُهُ مِمّا لا نِهايَةَ لَها وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ نَسْألُهُ بِجَلالِهِ وعَظَمَتِهِ أنْ يُوَفِّقَنا لِإتْمامِ تَفْسِيرِ كِتابِهِ حَسْبَما يُحِبُّ ويَرْضى فَلا إلَهَ غَيْرُهُ ولا يُرْجى إلّا خَيْرُهُ

The same ayah, in another commentary

At-Tawbah 9:129