All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Yūnus 10:3 Juzʾ 11 Page 208

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Indeed, your Lord is Allah, who created the heavens and the earth in six days and then established Himself above the Throne, arranging the matter [of His creation]. There is no intercessor except after His permission. That is Allah, your Lord, so worship Him. Then will you not remember?

Read in the muṣḥaf

صفحة ٨٧
‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ - تَعالى - بِالإلَهِيَّةِ. وإنَّما أُوقِعَ هُنا لِأنَّ أقْوى شَيْءٍ بَعَثَ المُشْرِكِينَ عَلى ادِّعاءِ أنَّ ما جاءَ بِهِ النَّبِيءُ سِحْرٌ هو أنَّهُ أبْطَلَ الشُّرَكاءَ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ ونَفاها عَنْ آلِهَتِهِمُ الَّتِي أشْرَكُوا بِها فَقالُوا ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [ص: ٥] فَلا جَرَمَ أنْ أُعْقِبَ إنْكارُ إحالَتِهِمْ ذَلِكَ بِإقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى ثُبُوتِهِ.
والخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ، ولِذَلِكَ أُكِّدَ الخَبَرُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ، وأُوقِعَ عَقِبَهُ (أفَلا تَذَّكَّرُونَ)، فَهو التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [يونس: ٢] وقَوْلِهِ: قالَ الكافِرُونَ. وقَدْ مَضى القَوْلُ في نَظِيرِ صَدْرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ الأعْرافِ إلى قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏

وقَوْلُهُ: (اللَّهُ) خَبَرُ (إنَّ)، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏

وجُمْلَةُ يُدَبِّرُ الأمْرَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ (رَبِّكم)

والتَّدْبِيرُ: النَّظَرُ في عَواقِبِ المُقَدَّراتِ وعَوائِقِها لِقَصْدِ إيقاعِها تامَّةً فِيما تُقْصَدُ لَهُ مَحْمُودَةَ العاقِبَةِ.

والغايَةُ مِنَ التَّدْبِيرِ الإيجادُ والعَمَلُ عَلى وفْقِ ما دُبِّرَ. وتَدْبِيرُ اللَّهِ الأُمُورَ عِبارَةٌ عَنْ تَمامِ العِلْمِ بِما يَخْلُقُها عَلَيْهِ؛ لِأنَّ لَفْظَ التَّدْبِيرِ هو أوْفى الألْفاظِ اللُّغَوِيَّةِ بِتَقْرِيبِ إتْقانِ الخَلْقِ.

والأمْرُ: جِنْسٌ يَعُمُّ جَمِيعَ الشُّئُونِ والأحْوالِ في العالَمِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ﴾ [التوبة: ٤٨] في سُورَةِ (بَراءَةٌ) .

وفِي إجْراءِ هَذِهِ الصِّفاتِ عَلى اللَّهِ - تَعالى - تَعْرِيضٌ بِالرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ جَعَلُوا لِأنْفُسِهِمْ آلِهَةً لا تَخْلُقُ ولا تَعْلَمُ؛ كَما قالَ - تَعالى: ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠]

صفحة ٨٨
ولِذَلِكَ حَسُنَ وقْعُ جُمْلَةِ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ عَقِبَ جُمْلَةِ (الَّذِي خَلَقَ) بِتَمامِها؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ جَعَلُوا آلِهَتَهم شُفَعاءَ فَإذا أُنْذِرُوا بِغَضَبِ اللَّهِ يَقُولُونَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [يونس: ١٨]، أيْ حُماتُنا مِن غَضَبِهِ. فَبَعْدَ أنْ وُصِفَ الإلَهُ الحَقُّ بِما هو مُنْتَفٍ عَنْ آلِهَتِهِمْ نُفِيَ عَنْ آلِهَتِهِمْ وصْفُ الشَّفاعَةِ عِنْدَ اللَّهِ وحِمايَةِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ مِنهُ.
وأُكِّدَ النَّفْيُ بِـ (مِنَ) الَّتِي تَقَعُ بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ وانْتِفاءِ الوَصْفِ عَنْ جَمِيعِ أفْرادِ الجِنْسِ الَّذِي دَخَلَتْ مِن عَلى اسْمِهِ بِحَيْثُ لَمْ تَبْقَ لِآلِهَتِهِمْ خُصُوصِيَّةٌ.

وزِيادَةُ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ احْتِراسٌ لِإثْباتِ شَفاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِإذْنِ اللَّهِ، قالَ - تَعالى -: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأنبياء: ٢٨] . والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ نَفْيُ الشَّفاعَةِ لِآلِهَتِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّهم شُرَكاءُ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ، فَشَفاعَتُهم عِنْدَهُ نافِذَةٌ كَشَفاعَةِ النِّدِّ عِنْدَ نِدِّهِ. والشَّفاعَةُ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [البقرة: ٤٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وكَذَلِكَ الشَّفِيعُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأعراف: ٥٣] في سُورَةِ الأعْرافِ.

ومَوْقِعُ جُمْلَةِ (ما مِن شَفِيعٍ) مِثْلُ مَوْقِعِ جُمْلَةِ يُدَبِّرُ الأمْرَ

وجُمْلَةُ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ ابْتِدائِيَّةٌ فَذْلَكَةٌ لِلْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها ونَتِيجَةٌ لَها، وهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ تِلْكَ الجُمَلِ وبَيْنَ الجُمْلَةِ المُفَرَّعَةِ عَلَيْها، وهي جُمْلَةُ (فاعْبُدُوهُ)، وتَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ الأصْلِيَّةِ وهي جُمْلَةُ (إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ)

والإتْيانُ في صَدْرِها بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ؛ لِأنَّهُمُ امْتَرَوْا في صِفَةِ الإلَهِيَّةِ وضَلُّوا فِيها ضَلالًا مُبِينًا، فَكانُوا أحْرِياءَ بِالإيقاظِ بِطَرِيقِ اسْمِ الإشارَةِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ حَقِيقٌ بِما سَيُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الأوْصافِ الَّتِي أُشِيرَ إلَيْهِ مِن أجْلِها، فَإنَّ خالِقَ العَوالِمِ بِغايَةِ الإتْقانِ والمَقْدِرَةِ ومالِكَ أمْرِها ومُدَبِّرَ شُئُونِها والمُتَصَرِّفَ المُطْلَقَ مُسْتَحِقٌّ

صفحة ٨٩
لِلْعِبادَةِ نَظِيرَ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] إلى قَوْلِهِ: (﴿هم يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤])
وفُرِّعَ عَلى كَوْنِهِ رَبَّهم أنْ أُمِرُوا بِعِبادَتِهِ، والمُفَرَّعُ هو المَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ وما قَبْلَهُ مُؤَكِّدٌ لِجُمْلَةِ (إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ) تَأْكِيدًا بِفَذْلَكَةٍ وتَحْصِيلٍ. والتَّقْدِيرُ: إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ إلى قَوْلِهِ: فاعْبُدُوهُ، كَقَوْلِهِ: (‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [يونس: ٥٨]) إذْ وقَعَ قَوْلُهُ: (فَبِذَلِكَ) تَأْكِيدًا لِجُمْلَةِ (بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ) . وأُوقِعُ بَعْدَهُ الفَرْعُ وهو (فَلْيَفْرَحُوا) . والتَّقْدِيرُ: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَلْيَفْرَحُوا بِذَلِكَ.

والمَقْصُودُ مِنَ العِبادَةِ العِبادَةُ الحَقُّ الَّتِي لا يُشْرَكُ مَعَهُ فِيها غَيْرُهُ، بِقَرِينَةِ تَفْرِيعِ الأمْرِ بِها عَلى الصِّفاتِ المُنْفَرِدِ بِها اللَّهُ دُونَ مَعْبُوداتِهِمْ.

وجُمْلَةُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ابْتِدائِيَّةٌ لِلتَّقْرِيعِ. وهو غَرَضٌ جَدِيدٌ، فَلِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ، فالِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ لِانْتِفاءِ تَذَكُّرِهِمْ إذْ أشْرَكُوا مَعَهُ غَيْرَهُ ولَمْ يَتَذَكَّرُوا في أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِخَلْقِ العَوالِمِ وبِمُلْكِها وبِتَدْبِيرِ أحْوالِها.

والتَّذَكُّرُ: التَّأمُّلُ. وهو بِهَذِهِ الصِّيغَةِ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى ذِكْرِ العَقْلِ لِمَعْقُولاتِهِ، أيْ حَرَكَتِهِ في مَعْلُوماتِهِ، فَهو قَرِيبٌ مِنَ التَّفَكُّرِ؛ إلّا أنَّ التَّذَكُّرَ لَمّا كانَ مُشْتَقًّا مِن مادَّةِ الذِّكْرِ الَّتِي هي في الأصْلِ جَرَيانُ اللَّفْظِ عَلى اللِّسانِ، والَّتِي يُعَبَّرُ بِها أيْضًا عَنْ خُطُورِ المَعْلُومِ في الذِّهْنِ بَعْدَ سَهْوِهِ وغَيْبَتِهِ عَنْهُ كانَ مُشْعِرًا بِأنَّهُ حَرَكَةُ الذِّهْنِ في مَعْلُوماتٍ مُتَقَرِّرَةٍ فِيهِ مِن قَبْلُ.

فَلِذَلِكَ أُوثِرَ هُنا دُونَ لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الِاسْتِدْلالَ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ - تَعالى - قَدْ تَقَرَّرَ في النُّفُوسِ بِالفِطْرَةِ، وبِما تَقَدَّمَ لَهم مِنَ الدَّعْوَةِ والأدِلَّةِ فَيَكْفِي في الِاسْتِدْلالِ مُجَرَّدُ إخْطارِ هَذِهِ الأدِلَّةِ في البالِ.

The same ayah, in another commentary

Yūnus 10:3