All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Yūnus 10:7 Juzʾ 11 Page 209

‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Indeed, those who do not expect the meeting with Us and are satisfied with the life of this world and feel secure therein and those who are heedless of Our signs

Read in the muṣḥaf

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾

هَذا اسْتِئْنافُ وعِيدٍ لِلَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالبَعْثِ ولا فَكَّرُوا في الحَياةِ الآخِرَةِ ولَمْ يَنْظُرُوا في الآياتِ نَشَأ عَنِ الِاسْتِدْلالِ عَلى ما كَفَرُوا بِهِ مِن ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الِاسْتِدْلالِ المُناسِبِ لِأهْلِ العُقُولِ وبَيْنَ الوَعِيدِ المُناسِبِ لِلْمُعْرِضِينَ عَنِ الحَقِّ إشارَةً إلى أنَّ هَؤُلاءِ لا تَنْفَعُهُمُ الأدِلَّةُ وإنَّما يَنْتَفِعُ بِها الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ويَتَّقُونَ وأمّا هَؤُلاءِ فَهم سادِرُونَ في غُلْوائِهِمْ حَتّى يُلاقُوا العَذابَ. وإذْ قَدْ تَقَرَّرَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ لِلْجَزاءِ تَأتّى الوَعِيدُ لِمُنْكِرِي البَعْثِ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَ رَبِّهِمْ والمَصِيرَ إلَيْهِ.

صفحة ٩٩
ولِوُقُوعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَوْقِعَ الوَعِيدِ الصّالِحِ لِأنْ يَعْلَمَهُ النّاسُ كُلُّهم مُؤْمِنُهم وكافِرُهم عُدِلَ فِيها عَنْ طَرِيقَةِ الخِطابِ بِالضَّمِيرِ إلى طَرِيقَةِ الإظْهارِ، وجِيءَ بِالمَوْصُولِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ الصِّلَةَ عِلَّةٌ في حُصُولِ الخَبَرِ.
وقَدْ جُعِلَ عُنْوانُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا عَلامَةً عَلَيْهِمْ فَقَدْ تَكَرَّرَ وُقُوعُهُ في القُرْآنِ. ومِنَ المَواقِعِ ما لا يَسْتَقِيمُ فِيهِ اعْتِبارُ المَوْصُولِيَّةِ إلّا لِلِاشْتِهارِ بِالصِّلَةِ كَما سَنَذْكُرُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [يونس: ١٥] في هَذِهِ السُّورَةِ.

والرَّجاءُ: ظَنُّ وُقُوعِ الشَّيْءِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدِ كَوْنِ المَظْنُونِ مَحْبُوبًا وإنْ كانَ ذَلِكَ كَثِيرًا في كَلامِهِمْ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُتَعَيَّنٍ. فَمَعْنى ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لا يَظُنُّونَهُ ولا يَتَوَقَّعُونَهُ.

ومَعْنى ﴿رَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أنَّهم لَمْ يُعْمِلُوا النَّظَرَ في حَياةٍ أُخْرى أرْقى وأبْقى لِأنَّ الرِّضا بِالحَياةِ الدُّنْيا والِاقْتِناعَ بِأنَّها كافِيَةٌ يَصْرِفُ النَّظَرَ عَنْ أدِلَّةِ الحَياةِ الآخِرَةِ، وأهْلُ الهُدى يَرَوْنَ الحَياةَ الدُّنْيا حَياةً ناقِصَةً فَيَشْعُرُونَ بِتَطَلُّبِ حَياةٍ تَكُونُ أصْفى مِن أكْدارِها فَلا يَلْبَثُونَ أنْ تَطْلُعَ لَهم أدِلَّةُ وُجُودِها، وناهِيكَ بِإخْبارِ الصّادِقِ بِها ونَصْبِ الأدِلَّةِ عَلى تَعَيُّنِ حُصُولِها، فَلِهَذا جُعِلَ الرِّضى بِالحَياةِ الدُّنْيا مَذَمَّةً ومُلْقِيًا في مَهْواةِ الخُسْرانِ.

وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ البَهْجَةَ بِالحَياةِ الدُّنْيا والرِّضى بِها يَكُونُ مِقْدارُ التَّوَغُّلِ فِيهِما بِمِقْدارِ ما يَصْرِفُ عَنِ الِاسْتِعْدادِ إلى الحَياةِ الآخِرَةِ. ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُقْتَضٍ الإعْراضَ عَنِ الحَياةِ الدُّنْيا فَإنَّ اللَّهَ أنْعَمَ عَلى عِبادِهِ بِنِعَمٍ كَثِيرَةٍ فِيها وجَبَ الِاعْتِرافُ بِفَضْلِهِ بِها وشُكْرِهِ عَلَيْها والتَّعَرُّفِ بِها إلى مَراتِبَ أعْلى هي مَراتِبُ حَياةٍ أُخْرى والتَّزَوُّدِ لَها. وفي ذَلِكَ مَقاماتٌ ودَرَجاتٌ بِمِقْدارِ ما تَهَيَّأتْ لَهُ النُّفُوسُ العالِيَةُ مِن لَذّاتِ الكَمالاتِ الرُّوحِيَّةِ، وأعْلاها مَقامُ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «فَقُلْتُ ما لِي ولِلدُّنْيا» .

والِاطْمِئْنانُ: السُّكُونُ يَكُونُ في الجَسَدِ وفي النَّفْسِ وهو الأكْثَرُ، قالَ تَعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] . وقَدْ تَقَدَّمَ تَصْرِيفُ هَذا الفِعْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ١٠٠
ومَعْنى ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ سَكَنَتْ أنْفُسُهم وصَرَفُوا هِمَمَهم في تَحْصِيلِ مَنافِعِها ولَمْ يَسْعَوْا لِتَحْصِيلِ ما يَنْفَعُ في الحَياةِ الآخِرَةِ؛ لِأنَّ السُّكُونَ عِنْدَ الشَّيْءِ يَقْتَضِي عَدَمَ التَّحَرُّكِ لِغَيْرِهِ. وعَنْ قَتادَةَ: إذا شِئْتَ رَأيْتَ هَذا المَوْصُوفَ صاحِبَ دُنْيا، لَها يَرْضى، ولَها يَغْضَبُ، ولَها يَفْرَحُ، ولَها يَهْتَمُّ ويَحْزَنُ.
والَّذِينَ هم غافِلُونَ هم عَيْنُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ اللِّقاءَ، ولَكِنْ أُعِيدَ المَوْصُولُ لِلِاهْتِمامِ بِالصِّلَةِ والإيماءِ إلى أنَّها وحْدَها كافِيَةٌ في اسْتِحْقاقِ ما سَيُذْكَرُ بَعْدَها مِنَ الخَبَرِ. وإنَّما لَمْ يَعُدِ المَوْصُولُ في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِأنَّ الرِّضى بِالحَياةِ الدُّنْيا مِن تَكْمِلَةِ مَعْنى الصِّلَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏

والمُرادُ بِالغَفْلَةِ: إهْمالُ النَّظَرِ في الآياتِ أصْلًا، بِقَرِينَةِ المَقامِ والسِّياقِ وبِما تُومِئُ إلَيْهِ الصِّلَةُ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ الدّالَّةِ عَلى الدَّوامِ، وبِتَقْدِيمِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ عَنْ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مِن كَوْنِ غَفْلَتِهِمْ غَفْلَةً عَنْ آياتِ اللَّهِ خاصَّةً دُونَ غَيْرِها مِنَ الأشْياءِ فَلَيْسُوا مِن أهْلِ الغَفْلَةِ عَنْها مِمّا يَدُلُّ مَجْمُوعُهُ عَلى أنَّ غَفْلَتَهم عَنْ آياتِ اللَّهِ دَأْبٌ لَهم وسَجِيَّةٌ، وأنَّهم يَعْتَمِدُونَها فَتَئُولُ إلى مَعْنى الإعْراضِ عَنْ آياتِ اللَّهِ وإباءِ النَّظَرِ فِيها عِنادًا ومُكابَرَةً. ولَيْسَ المُرادُ مَن تَعْرِضُ لَهُ الغَفْلَةُ عَنْ بَعْضِ الآياتِ في بَعْضِ الأوْقاتِ.

وأُعْقِبَ ذَلِكَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِزِيادَةِ إحْضارِ صِفاتِهِمْ في أذْهانِ السّامِعِينَ، ولِما يُؤْذِنُ بِهِ مَجِيءُ اسْمِ الإشارَةِ مُبْتَدَأً عَقِبَ أوْصافٍ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ جَدِيرٌ بِالخَبَرِ مِن أجْلِ تِلْكَ الأوْصافِ كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَأْوى: اسْمُ مَكانِ الإيواءِ، أيِ الرُّجُوعُ إلى مَصِيرِهِمْ ومَرْجِعِهِمْ.

والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. والإتْيانُ بِـ (ما) المَوْصُولَةِ في قَوْلِهِ: (بِما كَسَبُوا) لِلْإيماءِ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ، أيْ أنَّ مَكْسُوبَهم سَبَبٌ في مَصِيرِهِمْ إلى النّارِ، فَأفادَ تَأْكِيدَ السَّبَبِيَّةِ المُفادَةِ بِالباءِ.

والإتْيانُ بِـ (كانَ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذا المَكْسُوبَ دَيْدَنُهم.

والإتْيانُ بِالمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكْرِيرِ، فَيَكُونُ دَيْدَنُهم تَكْرِيرَ ذَلِكَ الَّذِي كَسَبُوهُ.

The same ayah, in another commentary

Yūnus 10:7