All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Ar-Raʿd 13:22 Juzʾ 13 Page 252

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And those who are patient, seeking the countenance of their Lord, and establish prayer and spend from what We have provided for them secretly and publicly and prevent evil with good - those will have the good consequence of [this] home -

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ابْتِداءَ كَلامٍ فَهو اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ جاءَ لِمُناسَبَةِ ما أفادَتِ الجُمْلَةُ الَّتِي قَبْلَها مِن إنْكارِ الِاسْتِواءِ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ، ولِذَلِكَ ذُكِرَ في هَذِهِ الجُمَلِ حالُ فَرِيقَيْنِ في المَحامِدِ والمَساوِي لِيَظْهَرَ أنَّ نَفْيَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما في الجُمْلَةِ السّابِقَةِ ذَلِكَ النَّفْيُ المُرادُ بِهِ تَفْضِيلُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عَلى الآخَرِ هو نَفْيٌ مُؤَيَّدٌ بِالحُجَّةِ، وبِذَلِكَ يَصِيرُ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُفِيدًا تَعْلِيلًا لِنَفْيِ التَّسْوِيَةِ المَقْصُودِ مِنهُ تَفْضِيلُ المُؤْمِنِينَ عَلى المُشْرِكِينَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ الَّذِينَ يُوفُونَ مُسْنَدًا إلَيْهِ وكَذَلِكَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ مُسْنَدًا.

واجْتِلابُ اسْمِ الإشارَةِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِما بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ الأوْصافِ الَّتِي قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

ونَظِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَوْلُهُ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الفرقان: ٣٤] مِن قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الفرقان: ٣٣] .

صفحة ١٢٥
وقَدْ ظَهَرَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ كُلِّها وبِمَوْقِعِها تَفْضِيلُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ ما أُنْزِلَ حَقٌّ بِما لَهم مِن صِفاتِ الكَمالِ المُوجِبَةِ لِلْفَضْلِ في الدُّنْيا وحُسْنِ المَصِيرِ في الآخِرَةِ وبِما لِأضْدادِهِمْ مِن ضِدِّ ذَلِكَ في قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ [الرعد: ٢٥] إلى قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الرعد: ٢٥] .
والوَفاءُ بِالعَهْدِ: أنْ يُحَقِّقَ المَرْءُ ما عاهَدَ عَلى أنْ يَعْمَلَهُ. ومَعْنى العَهْدِ: الوَعْدُ المُوَثَّقُ بِإظْهارِ العَزْمِ عَلى تَحْقِيقِهِ مِن يَمِينٍ أوْ تَأْكِيدٍ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ نَعْتًا لِقَوْلِهِ أُولُو الألْبابِ وتَكُونُ جُمْلَةُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ نَعْتًا ثانِيًا. والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلْغَرَضِ المَذْكُورِ آنِفًا.

وعَهْدُ اللَّهِ مَصْدَرٌ مُضافٌ لِمَفْعُولِهِ. أيْ ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلى فِعْلِهِ، أوْ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ، أيْ ما عَهِدَ اللَّهُ بِهِ إلَيْهِمْ. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فالمُرادُ بِهِ الإيمانُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلى الخَلْقِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ، فَذَلِكَ عَهْدُهم رَبَّهم. وأيْضًا بِقَوْلِهِ ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ وأنِ اعْبُدُونِي﴾ [يس: ٦٠]، وذَلِكَ عَهْدُ اللَّهِ لَهم بِأنْ يَعْبُدُوهُ ولا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ. فَحَصَلَ العَهْدُ بِاعْتِبارِ إضافَتِهِ إلى مَفْعُولِهِ وإلى فاعِلِهِ.

وذَلِكَ أمْرٌ أوْدَعَهُ اللَّهُ في فِطْرَةِ البَشَرِ فَنَشَأ عَلَيْهِ أصْلُهم وتَقَلَّدَهُ ذُرِّيَّتُهُ، واسْتَمَرَّ اعْتِرافُهم لِلَّهِ بِأنَّهُ خالِقُهم. وذَلِكَ مِن آثارِ عَهْدِ اللَّهِ. وطَرَأ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ تَحْرِيفُ عَهْدِهِمْ فَأخَذُوا يَتَناسَوْنَ وتَشْتَبِهُ الأُمُورُ عَلى بَعْضِهِمْ فَطَرَأ عَلَيْهِمُ الإشْراكُ لِتَفْرِيطِهِمُ النَّظَرَ في دَلائِلِ التَّوْحِيدِ، ولِأنَّهُ بِذَلِكَ العَهْدِ قَدْ أوْدَعَ اللَّهُ في فِطْرَةِ العُقُولِ السَّلِيمَةِ دَلائِلَ الوَحْدانِيَّةِ لِمَن تَأمَّلَ وأسْلَمَ لِلدَّلِيلِ، ولَكِنَّ المُشْرِكِينَ أعْرَضُوا وكابَرُوا

صفحة ١٢٦
ذَلِكَ العَهْدَ القائِمَ في الفِطْرَةِ، فَلا جَرَمَ أنْ كانَ الإشْراكُ إبْطالًا لِلْعَهْدِ ونَقْضًا لَهُ، ولِذَلِكَ عُطِفَتْ جُمْلَةُ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ عَلى جُمْلَةِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ .
والتَّعْرِيفُ في المِيثاقَ يُحْمَلُ عَلى تَعْرِيفِ الجِنْسِ فَيَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ المَواثِيقِ وبِذَلِكَ يَكُونُ أعَمَّ مِن عَهْدِ اللَّهِ فَيَشْمَلُ المَواثِيقَ الحاصِلَةَ بَيْنَ النّاسِ مِن عُهُودٍ وأيْمانٍ.

وبِاعْتِبارِ هَذا العُمُومِ حَصَلَتْ مُغايَرَةٌ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ عَهْدِ اللَّهِ. وتِلْكَ هي مُسَوِّغَةُ عَطْفِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ عَلى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ مَعَ حُصُولِ التَّأْكِيدِ لِمَعْنى الأُولى بِنَفْيِ ضِدِّها، وتَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ لِاتِّصافِهِمْ بِضِدِّ ذَلِكَ الكَمالِ فَعُطِفَ التَّأْكِيدُ بِاعْتِبارِ المُغايَرَةِ بِالعُمُومِ والخُصُوصِ.

والمِيثاقُ والعَهْدُ مُتَرادِفانِ. والإيفاءُ ونَفْيُ النَّقْضِ مُتَّحِدا المَعْنى. وابْتُدِئَ مِنَ الصِّفاتِ بِهَذِهِ الخَصْلَةِ لِأنَّها تُنْبِئُ عَنِ الإيمانِ، والإيمانُ أصْلُ الخَيْراتِ وطَرِيقُها، ولِذَلِكَ عُطِفَ عَلى ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ قَوْلُهُ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَحْذِيرًا مِن كُلِّ ما فِيهِ نَقْضُهُ.

وهَذِهِ الصِّلاتُ صِفاتٌ لِأُولِي الألْبابِ فَعَطْفُها مِن بابِ عَطْفِ الصِّفاتِ لِلْمَوْصُوفِ الواحِدِ، ولَيْسَ مِن عَطْفِ الأصْنافِ. وذَلِكَ مِثْلُ العَطْفِ في قَوْلِ الشّاعِرِ الَّذِي أنْشَدَهُ الفَرّاءُ في مَعانِي القُرْآنِ:

إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ
فالمَعْنى: الَّذِينَ يَتَّصِفُونَ بِمَضْمُونِ كُلِّ صِلَةٍ مِن هَذِهِ الصِّلاتِ كُلَّما عَرَضَ مُقْتَضٍ لِاتِّصافِهِمْ بِها بِحَيْثُ إذا وُجِدَ المُقْتَضِي ولَمْ يَتَّصِفُوا بِمُقْتَضاهُ كانُوا غَيْرَ مُتَّصِفِينَ بِتِلْكَ الفَضائِلِ، فَمِنها ما يَسْتَلْزِمُ الِاتِّصافَ بِالضِّدِّ، ومِنها ما لا يَسْتَلْزِمُ إلّا التَّفْرِيطَ في الفَضْلِ.
وأُعِيدَ اسْمُ المَوْصُولِ هَذا وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الأسْماءِ المَوْصُولَةِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ صِلاتِها خِصالٌ عَظِيمَةٌ تَقْتَضِي الِاهْتِمامَ بِذِكْرِ مَنِ اتَّصَفَ بِها، ولِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّ عُقْبى الدّارِ لا تَتَحَقَّقُ لَهم إلّا إذا جَمَعُوا كُلَّ هَذِهِ الصِّفاتِ.

صفحة ١٢٧
فالمُرادُ بِـ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ما يَصْدُقُ عَلى الفَرِيقِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ.
ومُناسَبَةُ عَطْفِهِ أنَّ وصْلَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ أثَرٌ مِن آثارِ الوَفاءِ بِعَهْدِ اللَّهِ وهو عَهْدُ الطّاعَةِ الدّاخِلُ في قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [يس: ٦١] في سُورَةِ يس.

والوَصْلُ: ضَمُّ شَيْءٍ لِشَيْءٍ، وضِدُّهُ القَطْعُ. ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى القُرْبِ وضِدُّهُ الهَجْرُ. واشْتُهِرَ مَجازًا أيْضًا في الإحْسانِ والإكْرامِ ومِنهُ قَوْلُهم، صِلَةُ الرَّحِمِ، أيِ الإحْسانُ لِأجْلِ الرَّحِمِ، أيْ لِأجْلِ القَرابَةِ الآتِيَةِ مِنَ الأرْحامِ مُباشَرَةً أوْ بِواسِطَةٍ، وذَلِكَ النَّسَبُ الجائِي مِنَ الأُمَّهاتِ. وأُطْلِقَتْ عَلى قَرابَةِ النَّسَبِ مِن جانِبِ الآباءِ أيْضًا لِأنَّها لا تَخْلُو غالِبًا مِنِ اشْتَراكٍ في الأُمَّهاتِ ولَوْ بَعُدْنَ.

و‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ عامٌّ في جَمِيعِ الأواصِرِ والعَلائِقِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِالمَوَدَّةِ والإحْسانِ لِأصْحابِها، فَمِنها آصِرَةُ الإيمانِ، ومِنها آصِرَةُ القَرابَةِ وهي صِلَةُ الرَّحِمِ. وقَدِ اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّها مُرادُ اللَّهِ هُنا، وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٦] ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [البقرة: ٢٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وإنَّما أُطْنِبَ في التَّعْبِيرِ عَنْها بِطَرِيقَةِ اسْمِ المَوْصُولِ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الرعد: ٢٥] لِما في الصِّلَةِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِأنَّ واصِلَها آتٍ بِما يُرْضِي اللَّهَ لِيَنْتَقِلَ مِن ذَلِكَ إلى التَّعْرِيضِ بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَطَعُوا أواصِرَ القَرابَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ وأساءُوا إلَيْهِمْ في كُلِّ حالٍ وكَتَبُوا صَحِيفَةَ القَطِيعَةِ مَعَ بَنِي هاشِمٍ.

وفِيها الثَّناءُ عَلى المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم يَصِلُونَ الأرْحامَ ولَمْ يُقَطِّعُوا أرْحامَ قَوْمِهِمُ المُشْرِكِينَ إلّا عِنْدَما حارَبُوهم وناوَؤُهم.

صفحة ١٢٨
وقَوْلُهُ أنْ يُوصَلَ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ بِهِ، أيْ ما أمَرَ اللَّهُ بِوَصْلِهِ. وجِيءَ بِهَذا النَّظْمِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ المَقْصُودِ وهو الأرْحامُ بَعْدَ تَقْرِيرِهِ بِالمَوْصُولِيَّةِ.
والخَشْيَةُ: خَوْفٌ بِتَعْظِيمِ المَخُوفِ مِنهُ. وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ الخَوْفِ.

والخَوْفُ: ظَنُّ وُقُوعِ المَضَرَّةِ مِن شَيْءٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [البقرة: ٢٢٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

و‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الرعد: ١٨] ما يَحُفُّ بِهِ مِمّا يَسُوءُ المُحاسَبُ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا أيْ يَخافُونَ وُقُوعَهُ عَلَيْهِمْ فَيَتْرُكُونَ العَمَلَ السَّيِّئَ.

وجاءَتِ الصِّلاتُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وما عُطِفَ عَلَيْهِما بِصِيغَةِ المُضارِعِ في تِلْكَ الأفْعالِ الخَمْسَةِ لِإفادَةِ التَّجَدُّدِ كِنايَةً عَنِ الِاسْتِمْرارِ.

وجاءَتْ صِلَةُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ وما عُطِفَ عَلَيْها وهو أقامُوا الصَّلاةَ وأنْفَقُوا بِصِيغَةِ المُضِيِّ لِإفادَةِ تَحَقُّقِ هَذِهِ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ لَهم وتَمَكُّنِها مِن أنْفُسِهِمْ تَنْوِيهًا بِها لِأنَّها أُصُولٌ لِفَضائِلِ الأعْمالِ.

فَأمّا الصَّبْرُ فَلِأنَّهُ مِلاكُ اسْتِقامَةِ الأعْمالِ ومَصْدَرِها فَإذا تَخَلَّقَ بِهِ المُؤْمِنُ صَدَرَتْ عَنْهُ الحَسَناتُ والفَضائِلُ بِسُهُولَةٍ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٢] .

وأمّا الصَّلاةُ فَلِأنَّها عِمادُ الدِّينِ وفِيها ما في الصَّبْرِ مِنَ الخاصِّيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [العنكبوت: ٤٥] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] .

وأمّا الإنْفاقُ فَأصْلُهُ الزَّكاةُ، وهي مُقارِنَةٌ لِلصَّلاةِ كُلَّما ذُكِرَتْ، ولَها الحَظُّ الأوْفى مِنِ اعْتِناءِ الدِّينِ بِها، ومِنها النَّفَقاتُ والعَطايا كُلُّها، وهي أهَمُّ

صفحة ١٢٩
الأعْمالِ؛ لِأنَّ بَذْلَ المالِ يَشُقُّ عَلى النُّفُوسِ فَكانَ لَهُ مِنَ الأهَمِّيَّةِ ما جَعَلَهُ ثانِيًا لِلصَّلاةِ.
ثُمَّ أُعِيدَ أُسْلُوبُ التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ في المَعْطُوفِ عَلى الصِّلَةِ وهو قَوْلُهُ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِاقْتِضاءِ المَقامِ إفادَةَ التَّجَدُّدِ إيماءً إلى أنَّ تَجَدُّدَ هَذا الدَّرْءِ مِمّا يُحْرَصُ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ النّاسَ عُرْضَةٌ لِلسَّيِّئاتِ عَلى تَفاوُتٍ، فَوُصِفَ لَهم دَواءُ ذَلِكَ بِأنْ يَدْفَعُوا السَّيِّئاتِ بِالحَسَناتِ.

والقَوْلُ في عَطْفِ والَّذِينَ صَبَرُوا وفي إعادَةِ اسْمِ المَوْصُولِ كالقَوْلِ في ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ .

والصَّبْرُ: مِنَ المَحامِدِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ [البقرة: ٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ الصَّبْرُ عَلى مَشاقِّ أفْعالِ الخَيْرِ ونَصْرِ الدِّينِ.

و‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ لِـ صَبَرُوا، والِابْتِغاءُ: الطَّلَبُ. ومَعْنى ابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ ابْتِغاءُ رِضاهُ كَأنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا يَطْلُبُ بِهِ إقْبالَهُ عِنْدَ لِقائِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [البقرة: ٢٧٢] في آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَعْنى أنَّهم صَبَرُوا لِأجْلِ أنَّ الصَّبْرَ مَأْمُورٌ بِهِ مِنَ اللَّهِ لا لِغَرَضٍ آخَرَ كالرِّياءِ لِيُقالَ ما أصْبَرَهُ عَلى الشَّدائِدِ ولِاتِّقاءِ شَماتَةِ الأعْداءِ.

والسِّرُّ والعَلانِيَةُ تَقَدَّمَ وجْهُ ذِكْرِهِما في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٧٤] أواخِرَ سُورَةِ البَقَرَةِ.

والدَّرْءُ: الدَّفْعُ والطَّرْدُ. وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِإزالَةِ أثَرِ الشَّيْءِ فَيَكُونُ بَعْدَ حُصُولِ المَدْفُوعِ وقَبْلَ حُصُولِهِ بِأنْ يُعِدَّ ما يَمْنَعُ حُصُولَهُ. فَيُصَدِّقُ ذَلِكَ بِأنْ يُتْبِعَ السَّيِّئَةَ - إذا صَدَرَتْ مِنهُ - بِفِعْلِ الحَسَناتِ فَإنَّ ذَلِكَ كَطَرْدِ السَّيِّئَةِ. قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «يا مُعاذُ اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُ كُنْتَ وأتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها» . وخاصَّةً فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ.

صفحة ١٣٠
ويُصَدِّقُ بِأنْ لا يُقابِلَ مَن فَعَلَ مَعَهُ سَيِّئَةً بِمِثْلِها بَلْ يُقابِلُ ذَلِكَ بِالإحْسانِ، قالَ تَعالى ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [فصلت: ٣٤] بِأنْ يَصِلَ مَن قَطَعَهُ ويُعْطِيَ مَن حَرَمَهُ ويَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَهُ. وذَلِكَ فِيما بَيْنَ الأفْرادِ وكَذَلِكَ بَيْنَ الجَماعاتِ إذا لَمْ يُفْضِ إلى اسْتِمْرارِ الضُّرِّ. قالَ تَعالى في ذَلِكَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الحجرات: ١٠] .
ويُصَدِّقُ بِالعُدُولِ عَنْ فِعْلِ السَّيِّئَةِ بَعْدَ العَزْمِ فَإنَّ ذَلِكَ العُدُولَ حَسَنَةٌ دَرَأتِ السَّيِّئَةَ المَعْزُومَ عَلَيْها. قالَ النَّبِيءُ ﷺ: مَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كَتَبَها اللَّهُ لَهُ حَسَنَةً.

فَقَدْ جَمَعَ يَدْرَءُونَ جَمِيعَ هَذِهِ المَعانِي ولِهَذا لَمْ يُعَقَّبْ بِما يَقْتَضِي أنَّ المُرادَ مُعامَلَةُ المُسِيءِ بِالإحْسانِ كَما أُتْبِعَ في قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [فصلت: ٣٤] في سُورَةِ فُصِّلَتْ. وكَما في قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [المؤمنون: ٩٦] في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ.

وجُمْلَةُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ خَبَرٌ عَنِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏، ودَلَّ اسْمُ الإشارَةِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِالحُكْمِ الوارِدِ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ ما وُصِفَ بِهِ المُشارُ إلَيْهِمْ مِنَ الأوْصافِ. كَما في قَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

و‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ جُمْلَةٌ جُعِلَتْ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. وقُدِّمَ المَجْرُورُ عَلى المُبْتَدَأِ لِلدَّلالَةِ عَلى القَصْرِ، أيْ لَهم عُقْبى الدّارِ لا لِلْمُتَّصِفِينَ بِأضْدادِ صِفاتِهِمْ. فَهو قَصْرٌ إضافِيٌّ.

والعُقْبى: العاقِبَةُ. وهي الشَّيْءُ الَّذِي يُعَقِبُ، أيْ يَقَعُ عَقِبَ شَيْءٍ آخَرَ. وقَدِ اشْتُهِرَ اسْتِعْمالُها في آخِرَةِ الخَيْرِ، قالَ تَعالى ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]، ولِذَلِكَ وقَعَتْ هُنا في مُقابَلَةِ ضِدِّها في قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الرعد: ٢٥] .

وأمّا قَوْلُهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الرعد: ٣٥] فَهو مُشاكَلَةٌ كَما سَيَأْتِي في آخِرِ السُّورَةِ

صفحة ١٣١
عِنْدَ قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الرعد: ٤٢]، وانْظُرْ ما ذَكَرْتُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [القصص: ٣٧] في سُورَةِ القَصَصِ فَقَدْ زِدْتُهُ بَيانًا.
وإضافَتُها إلى الدّارِ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ. والمَعْنى: لَهُمُ الدّارُ العاقِبَةُ. أيِ الحَسَنَةُ.

The same ayah, in another commentary

Ar-Raʿd 13:22