All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Furqān 25:10 Juzʾ 18 Page 360

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

Blessed is He who, if He willed, could have made for you [something] better than that - gardens beneath which rivers flow - and could make for you palaces.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏

ابْتُدِئَتِ السُّورَةُ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ وثَنائِهِ عَلى أنْ أنْزَلَ الفَرْقانَ عَلى رَسُولِهِ، وأعْقَبَ ذَلِكَ بِما تَلَقّى بِهِ المُشْرِكُونَ هَذِهِ المَزِيَّةَ مِنَ الجُحُودِ والإنْكارِ النّاشِئِ عَنْ تَمَسُّكِهِمْ بِما اتَّخَذُوهُ مِن آلِهَةٍ مِن صِفاتِهِمْ ما يُنافِي الإلَهِيَّةَ، ثُمَّ طَعَنُوا في القُرْآنِ والَّذِي جاءَ بِهِ بِما هو كُفْرانٌ لِلنِّعْمَةِ ومَن جاءَ بِها.

فَلَمّا أُرِيدَ الإعْراضُ عَنْ باطِلِهِمْ والإقْبالُ عَلى خِطابِ الرَّسُولِ بِتَثْبِيتِهِ وتَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ أُعِيدَ اللَّفْظُ الَّذِي ابْتُدِئَتْ بِهِ السُّورَةُ عَلى طَرِيقَةِ وصْلِ الكَلامِ بِقَوْلِهِ: (‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏) .

وهَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الجَوابِ عَنْ قَوْلِهِمْ: (‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [الفرقان: ٨]) إلَخْ، أيْ إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنَ الَّذِي اقْتَرَحُوهُ، أيْ: أفْضَلَ مِنهُ، أيْ: إنْ شاءَ عَجَّلَهُ لَكَ في الدُّنْيا، فالإشارَةُ إلى المَذْكُورِ مِن قَوْلِهِمْ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالجَنّاتِ والقُصُورِ جَنّاتٍ في الدُّنْيا وقُصُورًا فِيها، أيْ: خَيْرًا مِنَ الَّذِي اقْتَرَحُوهُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِكَ في زَعْمِهِمْ بِأنْ تَكُونَ عِدَّةَ جَنّاتٍ وفِيها قُصُورٌ. وبِهَذا فَسَّرَ

صفحة ٣٣١
جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ. وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ تَكُونُ (إنْ) الشَّرْطِيَّةُ واقِعَةً مَوْقِعَ (لَوْ)، أيْ: أنَّهُ لَمْ يَشَأْ ولَوْ شاءَهُ لَفَعَلَهُ، ولَكِنَّ الحِكْمَةَ اقْتَضَتْ عَدَمَ البَسْطِ لِلرَّسُولِ في هَذِهِ الدُّنْيا، ولَكِنَّ المُشْرِكِينَ لا يُدْرِكُونَ المَطالِبَ العالِيَةَ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالجَنّاتِ والقُصُورِ لَيْسَتِ الَّتِي في الدُّنْيا، أيْ هي جَنّاتُ الخُلْدِ وقُصُورُ الجَنَّةِ فَيَكُونُ وعْدًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ.

واقْتِرانُ هَذا الوَعْدِ بِشَرْطِ المَشِيئَةِ جارٍ عَلى ما تَقْتَضِيهِ العَظَمَةُ الإلَهِيَّةُ، وإلّا فَسِياقُ الوَعْدِ يَقْتَضِي الجَزْمَ بِحُصُولِهِ، فاللَّهُ شاءَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، بِأنْ يُقالَ: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ. فَمَوْقِعُ (إنْ شاءَ) اعْتِراضٌ.

وأصْلُ المَعْنى: تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ إلى آخِرِهِ. ويُساعِدُ هَذا قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، وابْنِ عامِرٍ، وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (ويَجْعَلُ لَكَ قُصُورًا) بِرَفْعِ (يَجْعَلُ) عَلى الِاسْتِئْنافِ دُونَ إعْمالِ حَرْفِ الشَّرْطِ، وقِراءَةُ الأكْثَرِ بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى فِعْلِ الشَّرْطِ، وفِعْلُ الشَّرْطِ مُحَقَّقُ الحُصُولِ بِالقَرِينَةِ، وهَذا المَحْمِلُ أشَدُّ تَبْكِيتًا لِلْمُشْرِكِينَ وقَطْعًا لِمُجادَلَتِهِمْ، وقَرِينَةُ ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: (‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الفرقان: ١١])، وهو ضِدٌّ ومُقابِلٌ لِما أعَدَّهُ لِرَسُولِهِ والمُؤْمِنِينَ.

والقُصُورُ: المَبانِي العَظِيمَةُ الواسِعَةُ عَلى وجْهِ الأرْضِ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأعراف: ٧٤]) في سُورَةِ الأعْرافِ، وقَوْلِهِ: (﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥]) في سُورَةِ الحَجِّ.

The same ayah, in another commentary

Al-Furqān 25:10