All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Furqān 25:20 Juzʾ 18 Page 361

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

And We did not send before you, [O Muhammad], any of the messengers except that they ate food and walked in the markets. And We have made some of you [people] as trial for others - will you have patience? And ever is your Lord, Seeing.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

صفحة ٣٤٣
هَذا رَدٌّ عَلى قَوْلِهِمْ: (﴿ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧]) بَعْدَ أنْ رَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم: (‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الفرقان: ٨]) بِقَوْلِهِ: (‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [الفرقان: ١٠])، ولَكِنْ لَمّا كانَ قَوْلُهم: (‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [الفرقان: ٨]) حالَةً لَمْ تُعْطَ لِلرُّسُلِ في الدُّنْيا كانَ رَدُّ قَوْلِهِمْ فِيها بِأنَّ اللَّهَ أعْطاهُ خَيْرًا مِن ذَلِكَ في الآخِرَةِ.
وأمّا قَوْلُهم: (﴿ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧]) فَقَدْ تَوَسَّلُوا بِهِ إلى إبْطالِ رِسالَتِهِ بِثُبُوتِ صِفاتِ البَشَرِ لَهُ، فَكانَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ كانُوا مُتَّصِفِينَ بِصِفاتِ البَشَرِ، ولَمْ يَكُنِ المُشْرِكُونَ مُنْكِرِينَ وُجُودَ رُسُلٍ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَقَدْ قالُوا: (‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنبياء: ٥])، وإذا كانُوا مَوْجُودِينَ فَبِالضَّرُورَةِ كانُوا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ؛ إذْ هم مِنَ البَشَرِ ويَمْشُونَ في أسْواقِ المُدُنِ والبادِيَةِ؛ لِأنَّ الدَّعْوَةَ تَكُونُ في مَجامِع النّاسِ. وقَدْ قالَ مُوسى: (‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ [طه: ٥٩]) . وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يَدْعُو قُرَيْشًا في مَجامِعِهِمْ ونَوادِيهِمْ ويَدْعُو سائِرَ العَرَبِ في عُكاظٍ وفي أيّامِ المَوْسِمِ.

وجُمْلَةُ (‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) في مَوْضِعِ الحالِ؛ لِأنَّ المُسْتَثْنى مِنهُ عُمُومُ الأحْوالِ. والتَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ في حالٍ إلّا في حالِ (‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏) . والتَّوْكِيدُ بِـ (إنَّ) واللّامِ لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ الحالِ تَنْزِيلًا لِلْمُشْرِكِينَ في تَناسِيهِمْ أحْوالَ الرُّسُلِ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ الرُّسُلُ السّابِقُونَ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ. ولَمْ تَقْتَرِنْ جُمْلَةُ الحالِ بِالواوِ؛ لِأنَّ وُجُودَ أداةِ الِاسْتِثْناءِ كافٍ في الرَّبْطِ ولا سِيَّما وقَدْ تَأكَّدَ الرَّبْطُ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ فَلا يُزادُ حَرْفٌ آخَرُ فَيَتَوالى أرْبَعَةُ حُرُوفٍ وهي: إلّا، وإنَّ، واللّامُ، ويُزادُ الواوُ بِخِلافِ قَوْلِهِ تَعالى: (‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الحجر: ٤]) . وقَوْلِهِ: (‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الشعراء: ٢٠٨]) .

وإنَّما أبْقى اللَّهُ الرُّسُلَ عَلى الحالَةِ المُعْتادَةِ لِلْبَشَرِ فِيما يَرْجِعُ إلى أسْبابِ الحَياةِ المادِّيَّةِ؛ إذْ لا حِكْمَةَ في تَغْيِيرِ حالِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، وإنَّما يُغَيِّرُ اللَّهُ حَياتَهُمُ

صفحة ٣٤٤
النَّفْسِيَّةَ؛ لِأنَّ في تَغْيِيرِها إعْدادَ نُفُوسِهِمْ لِتَلَقِّي الفَيُوضاتِ الإلَهِيَّةِ.
ولِلَّهِ تَعالى حِفاظٌ عَلى نَوامِيسِ نِظامِ الخَلائِقِ والعَوالِمِ؛ لِأنَّهُ ما خَلَقَها عَبَثًا فَهو لا يُغَيِّرُها إلّا بِمِقْدارِ ما تَتَعَلَّقُ بِهِ إرادَتُهُ مِن تَأْيِيدِ الرُّسُلِ بِالمُعْجِزاتِ ونَحْوِ ذَلِكَ.

* * *
(‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏) .
تَذْيِيلٌ، فَضَمِيرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ: (بَعْضَكم) يَعُمُّ جَمِيعَ النّاسِ بِقَرِينَةِ السِّياقِ، وكِلا البَعْضَيْنِ مُبْهَمٌ يُبَيِّنُهُ المَقامُ. وحالُ الفِتْنَةِ في كِلا البَعْضَيْنِ مُخْتَلِفٌ، فَبَعْضُها فِتْنَةٌ في العَقِيدَةِ، وبَعْضُها فِتْنَةٌ في الأمْنِ، وبَعْضُها فِتْنَةٌ في الأبْدانِ.

والإخْبارُ عَنْهُ بِـ (فِتْنَةً) مَجازِيٌّ؛ لِأنَّهُ سَبَبُ الفِتْنَةِ، وشَمِلَ أحَدُ البَعْضَيْنِ النَّبِيءَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مَعَهُ، والبَعْضُ الآخَرُ المُشْرِكِينَ؛ فَكانَ حالُ الرَّسُولِ فِتْنَةً لِلْمُشْرِكِينَ؛ إذْ زَعَمُوا أنَّ حالَهُ مُنافٍ لِلرِّسالَةِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وكانَ حالُ المُؤْمِنِينَ في ضَعْفِهِمْ فِتْنَةً لِلْمُشْرِكِينَ؛ إذْ تَرَفَّعُوا عَنِ الإيمانِ الَّذِي يُسَوِّيهِمْ بِهِمْ، فَقَدْ كانَ أبُو جَهْلٍ والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ والعاصِ بْنُ وائِلٍ وأضْرابُهم يَقُولُونَ: إنْ أسْلَمْنا وقَدْ أسْلَمَ قَبْلَنا عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ تَرَفَّعُوا عَلَيْنا إدْلالًا بِالسّابِقَةِ. وهَذا كَقَوْلِ صَنادِيدِ قَوْمِ نُوحٍ: لا نُؤْمِنُ حَتّى تَطْرُدَ الَّذِينَ آمَنُوا بِكَ، فَقالَ: (‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [هود: ٢٩] ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٣٠]) .

وقالَ تَعالى لِلنَّبِيءِ ﷺ: (‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنعام: ٥٢] ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [الأنعام: ٥٣]) .

صفحة ٣٤٥
والكَلامُ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَنْ إعْراضِ بَعْضِ قَوْمِهِ عَنِ الإسْلامِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ: (أتَصْبِرُونَ)، وهو اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في الحَثِّ والأمْرِ كَقَوْلِهِ (﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]) .
ومَوْقِعُ (‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏) مَوْقِعُ الحَثِّ عَلى الصَّبْرِ المَأْمُورِ بِهِ، أيْ هو عَلِيمٌ بِالصّابِرِينَ، وإيذانٌ بِأنَّ اللَّهَ لا يُضَيِّعُ جَزاءَ الرَّسُولِ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن قَوْمِهِ وأنَّهُ ناصِرُهُ عَلَيْهِمْ.

وفِي الإسْنادِ إلى وصْفِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ إلْماعٌ إلى هَذا الوَعْدِ فَإنَّ الرَّبَّ لا يُضَيِّعُ أوْلِياءَهُ كَقَوْلِهِ: (‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الحجر: ٩٧] ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الحجر: ٩٨] ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الحجر: ٩٩]) أيِ النَّصْرُ المُحَقَّقُ.

The same ayah, in another commentary

Al-Furqān 25:20