All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Luqmān 31:10 Juzʾ 21 Page 411

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

He created the heavens without pillars that you see and has cast into the earth firmly set mountains, lest it should shift with you, and dispersed therein from every creature. And We sent down rain from the sky and made grow therein [plants] of every noble kind.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏

اسْتِئْنافٌ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى الَّذِينَ دَأْبُهُمُ الإعْراضُ عَنْ آياتِ اللَّهِ بِأنَّ اللَّهَ هو خالِقُ المَخْلُوقاتِ فَلا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ أنْ تُثْبَتَ لَهُ الإلَهِيَّةُ فَكانَ ادِّعاءُ الإلَهِيَّةِ لِغَيْرِ اللَّهِ

صفحة ١٤٦
هُوَ العِلَّةُ لِلْإعْراضِ عَنْ آياتِ الكِتابِ الحَكِيمِ فَهم لَمّا أثْبَتُوا الإلَهِيَّةَ لِما لا يَخْلُقُ شَيْئًا كانُوا كَمَن يَزْعُمُ أنَّ الأصْنامَ مُماثِلَةٌ لِلَّهِ تَعالى في أوْصافِهِ فَلِذَلِكَ يَقْتَضِي انْتِفاءُ وصْفِ الحِكْمَةِ عَنْهُ كَما هو مُنْتَفٍ عَنْها. ولِذا فَإنَّ مَوْقِعَ هَذِهِ الآياتِ مُوقِعُ دَلِيلِ الدَّلِيلِ، وهو المَقامُ المُعَبَّرُ عَنْهُ في عِلْمِ الِاسْتِدْلالِ بِالتَّدْقِيقِ، وهو ذِكْرُ الشَّيْءِ بِدَلِيلِهِ ودَلِيلِ دَلِيلِهِ، فالخِطابُ في قَوْلِهِ (تَرَوْنَها) و(بِكم) لِلْمُشْرِكِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّعْدِ قَوْلُهُ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [الرعد: ٢] وتَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ قَوْلُهُ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ والمَعْنى خَوَفَ أنْ تَمِيدَ بِكم أوْ لِئَلّا تُمِيدَكم كَما بَيَّنَ هُنالِكَ.
وتَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ قَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [البقرة: ١٦٤] .

وقَوْلُهُ ﴿أنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ هو نَظِيرُ قَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [البقرة: ١٦٤] وقَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّعْدِ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الرعد: ١٧] .

والِالتِفاتُ مِنَ الغَيْبَةِ إلى التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ (وأنْزَلْنا) لِلِاهْتِمامِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي هي أكْثَرُ دَوَرانًا عِنْدَ النّاسِ.

وضَمِيرُ فِيها عائِدٌ إلى الأرْضِ.

والزَّوْجُ: الصِّنْفُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ [طه: ٥٣] في طه وقَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الحج: ٥] في سُورَةِ الحَجِّ.

والكَرِيمُ: النَّفِيسُ في نَوْعِهِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [النمل: ٢٩] في سُورَةِ النَّمْلِ.

وقَدْ أُدْمِجَ في أثْناءِ دَلائِلِ صِفَةِ الحِكْمَةِ الِامْتِنانُ بِما في ذَلِكَ مِن مَنافِعٍ لِلْخَلْقِ بِقَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ و‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ فَإنَّ مِنَ الدَّوابِّ المَبْثُوثَةِ ما يَنْتَفِعُ بِهِ النّاسُ مَن أكْلِ لُحُومِ أوانِسِها ووُحُوشِها والِانْتِفاعِ بِألْبانِها وأصْوافِها وجُلُودِها وقُرُونِها وأسْنانِها والحَمْلِ عَلَيْها والتَّجَمُّلِ بِها في مُرابِطِها وغُدُوِّها ورَواحِها، ثُمَّ مِن نِعْمَةِ مَنافِعِ النَّباتِ مِنَ الحَبِّ والثَّمَرِ والكَلَأِ والكَمْأةِ. وإذْ كانَتِ البِحارُ مِن جُمْلَةِ الأرْضِ فَقَدْ شَمِلَ الِانْتِفاعُ بِدَوابَّ البَحْرِ فاللَّهُ كَما أبْدَعَ الصُّنْعَ أسْبَغَ النِّعْمَةَ فَأرانا آثارَ الحِكْمَةِ والرَّحْمَةِ.

صفحة ١٤٧
وجُمْلَةُ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ إلى آخِرِها نَتِيجَةُ الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ السَّماءِ والأرْضِ والجِبالِ والدَّوابِّ وإنْزالِ المَطَرِ. واسْمُ الإشارَةِ إلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ إلى قَوْلِهِ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ . والإتْيانُ بِهِ مُفْرَدًا بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ.
والِانْتِقالُ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏ التِفاتًا لِزِيادَةِ التَّصْرِيحِ بِأنَّ الخِطابَ وارِدٌ مِن جانِبِ اللَّهِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏، وكَذَلِكَ يَكُونُ الِانْتِقالُ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ التِفاتًا لِمُراعاةِ العَوْدِ إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏ .

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ مِن قَوْلِهِ (فَأرُونِي) عَلَمِيَّةً، أيْ فَأنْبِئُونِي، والفِعْلُ مُعَلَّقًا عَنِ العَمَلِ بِالِاسْتِفْهامِ بِـ ماذا.

فَيَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ فَأرُونِي تَهَكُّمًا لِأنَّهم لا يُمْكِنُ لَهم أنْ يُكافِحُوا اللَّهَ زِيادَةً عَلى كَوْنِ الأمْرِ مُسْتَعْمَلًا في التَّعْجِيزِ، لَكِنَّ التَّهَكُّمَ أسْبَقُ لِلْقَطْعِ بِأنَّهم لا يَتَمَكَّنُونَ مِن مُكافَحَةِ اللَّهِ قَبْلَ أنْ يُقْطَعُوا بِعَجْزِهِمْ عَنْ تَعْيِينِ مَخْلُوقٍ خَلَقَهُ مِن دُونِ اللَّهِ قَطْعًا نَظَرِيًّا.

وصَوْغُ أمْرِ التَّعْجِيزِ مِن مادَّةِ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ أشَدُّ في التَّعْجِيزِ لِاقْتِضائِها الِاقْتِناعَ مِنهم بِأنْ يُحْضِرُوا شَيْئًا يَدَّعُونَ أنَّ آلِهَتَهم خَلَقَتْهُ. وهَذا كَقَوْلِ حُطائِطِ بْنِ يَعْفُرَ النَّهْشَلِيِّ وقِيلِ حاتِمٍ الطّائِيِّ:

أرِينِي جَوادًا ماتَ هَزْلًا لَعَلَّنِي أرى ما تُزَيِّنُ أوْ بَخِيلًا مُخَلَّدًا
أيْ أحْضِرْنِي جَوادًا ماتَ مِنَ الهُزالِ وأرِينِيهِ لَعَلِّي أرى مِثْلَ ما رَأيْتِيهِ.
والعَرَبُ يَقْصِدُونَ في مِثْلِ هَذا الغَرَضِ الرُّؤْيَةَ البَصَرِيَّةَ، ولِذَلِكَ يَكْثُرُ أنْ يَقُولَ: ما رَأتْ عَيْنِي، وانْظُرْ هَلْ تَرى. وقالَ امْرِؤُ القَيْسِ:

فَلِلَّهِ عَيْنا مَن رَأى مِن تَـفَـرُّقٍ ∗∗∗ أشَتَّ وأنْأى مِن فِراقِ المُحَصَّبِ
وإجْراءُ اسْمِ مَوْصُولِ العُقَلاءِ عَلى الأصْنامِ مُجازاةٌ لِلْمُشْرِكِينَ إذْ يَعُدُّنَهم عُقَلاءَ.

صفحة ١٤٨
و”مِن دُونِهِ“ صِلَةُ المَوْصُولِ، و”دُونَ“ كِنايَةٌ عَنِ الغَيْرِ، و”مِن“ جارَّةٌ لِاسْمِ المَكانِ عَلى وجْهِ الزِّيادَةِ لِتَأْكِيدِ الِاتِّصالِ بِالظَّرْفِ.
و(بَلْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِن غَرَضِ المُجادَلَةِ إلى غَرَضِ تَسْجِيلِ ضَلالِهِمْ، أيْ في اعْتِقادِهِمْ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ، كَما يُقالُ في المُناظَرَةِ: دَعْ عَنْكَ هَذا وانْتَقَلَ إلى كَذا.

والظّالِمُونَ: المُشْرِكُونَ. والضَّلالُ المُبِينُ: الكُفْرُ الفَظِيعُ، لِأنَّهم أعْرَضُوا عَنْ دَعْوَةِ الإسْلامِ لِلْحَقِّ، وذَلِكَ ضَلالٌ، وأشْرَكُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ في الإلَهِيَّةِ، فَذَلِكَ كُفْرٌ فَظِيعٌ.

وجِيءَ بِحَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ لِإفادَةِ اكْتِنافِ الضَّلالِ بِهِمْ في سائِرِ أحْوالِهِمْ، أيْ شِدَّةِ مُلابَسَتِهِ إيّاهم.

The same ayah, in another commentary

Luqmān 31:10