All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Luqmān 31:27 Juzʾ 21 Page 413

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And if whatever trees upon the earth were pens and the sea [was ink], replenished thereafter by seven [more] seas, the words of Allah would not be exhausted. Indeed, Allah is Exalted in Might and Wise.

Read in the muṣḥaf
التحرير والتنوير Ibn ʿĀshūr

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏

تَكَرَّرَ فِيما سَبَقَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ وصْفُ اللَّهِ تَعالى بِإحاطَةِ العِلْمِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ ظاهِرَةً وخَفِيَّةً فَقالَ فِيما حَكى مِن وصِيَّةِ لُقْمانَ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [لقمان: ١٦] إلى قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [لقمان: ١٦]، وقالَ بَعْدَ ذَلِكَ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [لقمان: ٢٣] فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِإثْباتِ أنَّ لِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى مَظاهِرَ يُبَلِّغُ بَعْضَها إلى مَنِ اصْطَفاهُ مِن رُسُلِهِ بِالوَحْيِ مِمّا تَقْتَضِي الحِكْمَةُ إبْلاغَهُ، وأنَّهُ يَسْتَأْثِرُ بِعِلْمِ ما اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ عَدَمَ إبْلاغِهِ، وأنَّهُ لَوْ شاءَ أنْ يُبَلِّغَ ما في عِلْمِهِ لَما وفَتْ بِهِ مَخْلُوقاتُهُ الصّالِحَةُ لِتَسْجِيلِ كَلامِهِ بِالكِنايَةِ فَضْلًا عَلى الوَفاءِ بِإبْلاغِ ذَلِكَ بِواسِطَةِ القَوْلِ. وقَدْ سَلَكَ في هَذا مَسْلَكَ التَّقْرِيبِ بِضَرْبِ هَذا

صفحة ١٨١
المَثَلِ؛ وقَدْ كانَ ما قَصَّ مِن أخْبارِ الماضِينَ مُوَطِّئًا لِهَذا فَقَدْ جَرَتْ قِصَّةُ لُقْمانَ في هَذِهِ السُّورَةِ كَما جَرَتْ قِصَّةُ أهْلِ الكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ في سُورَةِ الكَهْفِ فَعُقِّبَتا بِقَوْلِهِ في آخِرِ السُّورَةِ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الكهف: ١٠٩] وهي مُشابِهَةٌ لِلْآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ لُقْمانَ. فَهَذا وجْهُ اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِنَ الآياتِ المُتَفَرِّقَةِ.
ولِما في اتِّصالِ الآيَةِ بِما قَبْلَها مِنَ الخَفاءِ أخَذَ أصْحابُ التَّأْوِيلِ مِنَ السَّلَفِ مِن أصْحابِ ابْنِ عَبّاسٍ في بَيانِ إيقاعِ هَذِهِ الآيَةِ في هَذا المَوْقِعِ. فَقِيلَ: سَبَبُ نُزُولِها ما ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ والواحِدِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ وعَطاءِ بْنِ يَسارٍ بِرِواياتٍ مُتَقارِبَةٍ: «أنَّ اليَهُودَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ أوْ أغْرَوْا قُرَيْشًا بِسُؤالِهِ لَمّا سَمِعُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعالى في شَأْنِهِمْ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الإسراء: ٨٥] فَقالُوا: كَيْفَ وأنْتَ تَتْلُو فِيما جاءَكَ أنّا قَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ وفِيها تِبْيانُ كُلِّ شَيْءٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَن سَألُوهُ: هي في عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ الآيَتَيْنِ أوِ الآياتِ الثَّلاثَ» .

وعَنِ السُّدِّيِّ، قالَتْ قُرَيْشٌ: ما أكْثَرَ كَلامَ مُحَمَّدٍ فَنَزَلَتْ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ الآيَةَ.

وعَنْ قَتادَةَ قالَتْ قُرَيْشٌ: سَيَتِمُّ هَذا الكَلامُ لِمُحَمَّدٍ ويَنْحَسِرُ (أيْ مُحَمَّدٌ ﷺ) فَلا يَقُولُ بَعْدَهُ كَلامًا. وفي رِوايَةٍ سَيَنْفَدُ هَذا الكَلامُ، وهَذِهِ يَرْجِعُ بَعْضُها إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ وضْعُها في هَذا المَوْضِعِ في السُّورَةِ بِتَوْقِيفٍ نَبَوِيٍّ لِلْمُناسَبَةِ الَّتِي ذَكَرْناها آنِفًا، وبَعْضُها يَرْجِعُ إلى أنَّها مَكِّيَّةٌ فَيَقْتَضِي أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ في أثْناءِ نُزُولِ سُورَةِ لُقْمانَ عَلى أنْ تُوضَعَ عَقِبَ الآياتِ الَّتِي نَزَلَتْ قَبْلَها.

وكَلِماتٌ جَمْعُ كَلِمَةٍ بِمَعْنى الكَلامِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [المؤمنون: ١٠٠] أيِ الكَلامُ المُنْبِئُ عَنْ مُرادِ اللَّهِ مِن بَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ مِمّا يُخاطِبُ بِهِ مَلائِكَتَهُ وغَيْرَهم مِنَ المَخْلُوقاتِ والعَناصِرِ المَعْدُودَةِ لِلتَّكَوُّنِ الَّتِي يُقالُ لَها: كُنْ فَتَكُونُ، ومِن ذَلِكَ ما أنْزَلَهُ مِنَ الوَحْيِ إلى رُسُلِهِ وأنْبِيائِهِ مِن أوَّلِ أزْمِنَةِ الأنْبِياءِ وما سَيُنْزِلُهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ، أيْ لَوْ فَرَضَ إرادَةَ اللَّهِ أنْ يَكْتُبَ كَلامَهُ كُلَّهُ صُحُفًا

صفحة ١٨٢
فَفُرِضَتِ الأشْجارُ كُلُّها مُقَسَّمَةً أقْلامًا، وفُرِضَ أنْ يَكُونَ البَحْرُ مِدادًا فَكُتِبَ بِتِلْكَ الأقْلامِ وذَلِكَ المِدادِ لَنَفِدَ البَحْرُ ونَفِدَتِ الأقْلامُ وما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ في نَفْسِ الأمْرِ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى (﴿وتَمَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]) فالتَّمامُ هُنالِكَ بِمَعْنى التَّحَقُّقِ والنُّفُوذِ، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنفال: ٧] في سُورَةِ الأنْفالِ.

وقَدْ نُظِمَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِإيجازٍ بَدِيعٍ إذِ ابْتُدِئَتْ بِحَرْفِ لَوْ فَعُلِمَ أنَّ مَضْمُونَها أمْرٌ مَفْرُوضٌ، وأنَّ لِـ (لَوِ) اسْتِعْمالاتٍ كَما حَقَّقَهُ في مُغْنِي اللَّبِيبِ عَنْ عِبارَةِ سِيبَوَيْهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الأنفال: ٢٣] في سُورَةِ الأنْفالِ.

و‏‏ ‏‏‏‏ بَيانٌ لِ (ما) المَوْصُولَةِ وهو في مَعْنى التَّمْيِيزِ فَحَقُّهُ الإفْرادُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: مِن أشْجارٍ، والأقْلامُ: جَمْعُ قَلَمٍ وهو العُودُ المَشْقُوقُ لِيَرْفَعَ بِهِ المِدادَ ويَكْتُبَ بِهِ، أيْ لَوْ تَصِيرُ كُلُّ شَجَرَةٍ أقْلامًا بِمِقْدارِ ما فِيها مِن أغْصانٍ صالِحَةٍ لِذَلِكَ. والأقْلامُ هو الجَمْعُ الشّائِعُ لِقَلَمٍ فَيَرِدُ لِلْكَثْرَةِ والقِلَّةِ.

و(يَمُدُّهُ) بِفَتْحِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ وضَمِّ المِيمِ، أيْ يَزِيدُهُ مِدادًا. والمِدادُ بِكَسْرِ المِيمِ الحِبْرُ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ. يُقالُ: مَدَّ الدَّواةَ يَمُدُّها. فَكانَ قَوْلُهُ يَمُدُّهُ مُتَضَمِّنًا فَرْضَ أنْ يَكُونَ البَحْرُ مِدادًا ثُمَّ يُزادُ فِيهِ إذا نَشَفَ مِدادُهُ سَبْعَةُ أبْحُرٍ، ولَوْ قِيلَ: يُمِدُّهُ، بِضَمِّ المِيمِ مِن أمَدَّ لَفاتَ هَذا الإيجازُ.

والسَّبْعَةُ: تُسْتَعْمَلُ في الكِنايَةِ عَنِ الكَثْرَةِ كَثِيرًا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «والكافِرُ يَأْكُلُ في سَبْعَةِ أمْعاءٍ» فَلَيْسَ لِهَذا العَدَدِ مَفْهُومٌ، أيْ والبَحْرُ يَمُدُّهُ أبْحُرٌ كَثِيرَةٌ.

ومَعْنى ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ما انْتَهَتْ، أيْ فَكَيْفَ تَحْسَبُ اليَهُودُ ما في التَّوْراةِ هو مُنْتَهى كَلِماتِ اللَّهِ، أوْ كَيْفَ يَحْسَبُ المُشْرِكُونَ أنَّ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ أوْشَكَ أنْ يَكُونَ انْتِهاءَ القُرْآنِ، فَيَكُونُ المَثَلُ عَلى هَذا الوَجْهِ الآخَرِ وارِدًا مَوْرِدَ المُبالَغَةِ في كَثْرَةِ ما سَيَنْزِلُ مِنَ القُرْآنِ إغاظَةً لِلْمُشْرِكِينَ، فَتَكُونُ ‏‏‏ ‏‏‏ هي القُرْآنُ لِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يَعْرِفُونَ كَلِماتِ اللَّهِ الَّتِي لا يُحاطُ بِها.

صفحة ١٨٣
وجُمْلَةُ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ تَذْيِيلٌ، فَهو لِعِزَّتِهِ لا يَغْلِبُهُ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ عَدَمَ الحاجَةِ إلى القُرْآنِ يَنْتَظِرُونَ انْفِحامَ الرَّسُولِ ﷺ وهو لِحِكْمَتِهِ لا تَنْحَصِرُ كَلِماتُهُ لِأنَّ الحِكْمَةَ الحَقَّ لا نِهايَةَ لَها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِرَفْعِ (والبَحْرُ) عَلى أنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ في مَوْضِعِ الحالِ والواوَ واوُ الحالِ وهي حالٌ مِن ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏، أيْ تِلْكَ الأشْجارُ كائِنَةٌ في حالِ كَوْنِ البَحْرِ مِدادًا لَها، والواوُ يَحْصُلُ بِها مِنَ الرَّبْطِ والِاكْتِفاءِ عَنِ الضَّمِيرِ لِدَلالَتِها عَلى المُقارَنَةِ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ (والبَحْرَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ.

The same ayah, in another commentary

Luqmān 31:27