All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Yā-Sīn 36:31 Juzʾ 23 Page 442

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Have they not considered how many generations We destroyed before them - that they to them will not return?

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [يس: ٣٠] لِما فِيها مِن تَفْصِيلِ الإجْمالِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [يس: ٣٠] فَإنَّ عاقِبَةَ ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءِ بِالرَّسُولِ كانَتْ هَلاكَ المُسْتَهْزِئِينَ، فَعَدَمُ اعْتِبارِ كُلِّ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ رَسُولَها بِعاقِبَةِ المُكَذِّبِينَ قَبْلَها يُثِيرُ الحَسْرَةَ عَلَيْها وعَلى نُظَرائِها كَما أثارَها اسْتِهْزاؤُهم بِالرَّسُولِ وقِلَّةِ التَّبَصُّرِ في دَعْوَتِهِ ونِذارَتِهِ ودَلائِلِ صِدْقِهِ.

وضَمِيرُ ”يَرَوا“ عائِدٌ إلى العِبادِ كَما يَقْتَضِيهِ تَناسُقُ الضَّمائِرِ. والمُعادُ فِيهِ عُمُومٌ ادِّعائِيٌّ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، فَيَتَعَيَّنُ أنْ تَخُصَّ مِنهُ أوَّلَ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ رَسُولَها وهم قَوْمُ نُوحٍ فَإنَّهم لَمْ يَسْبِقْ قَبْلَهم هَلاكُ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ رَسُولَها. فَهَذا مِنَ التَّخْصِيصِ بِدَلِيلِ العَقْلِ لِأنَّ قَوْلَهُ قَبْلَهم يُرْشِدُ بِالتَّأمُّلِ إلى عَدَمِ شُمُولِهِ أوَّلَ أُمَّةٍ أُرْسِلَ إلَيْها.

وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ألَمْ يَرَوْا عائِدًا إلى ما عادَ إلَيْهِ مِن ضَمِيرِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [يس: ١٣] ويَكُونُ المَثَلُ قَدِ انْتَهى بِجُمْلَةِ ﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ [يس: ٣٠] . الآيَةَ. وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّهُ كانَ يَقْتَضِي أنْ تُعْطَفَ الجُمْلَةُ عَلى جُمْلَةِ واضْرِبْ لَهم مَثَلًا كَما عُطِفَتْ جُمْلَةُ (‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [يس: ٣٣]) الآيَةَ، وجُمْلَةُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [يس: ٣٧]، وجُمْلَةُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [يس: ٤١]

صفحة ١٠
ولا مُلْجِئَ إلى هَذا الِاعْتِبارِ في المُعادِ، وقَدْ عَلِمْتَ تَوْجِيهَ الِاعْتِبارِ الأوَّلِ لِتَصْحِيحِ العُمُومِ.
والِاسْتِفْهامُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارِيًّا؛ نَزَلَتْ غَفْلَتُهم عَنْ إهْلاكِ القُرُونِ مَنزِلَةَ عَدَمِ العِلْمِ فَأُنْكِرَ عَلَيْهِمْ عَدَمُ العِلْمِ بِذَلِكَ وهو أمْرٌ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ، ويَجُوزُ كَوْنُ الِاسْتِفْهامِ تَقْرِيرِيًّا بُنِيَ التَّقْرِيرُ عَلى نَفْيِ العِلْمِ بِإهْلاكِ القُرُونِ اسْتِقْصاءً لِمَعْذِرَتِهِمْ حَتّى لا يَسَعَهم إلّا الإقْرارُ بِأنَّهم عامِلُونَ فَيَكُونُ إقْرارُهم أشَدَّ لُزُومًا لَهم؛ لِأنَّهُمُ اسْتَفْهَمُوا عَلى النَّفْيِ فَكانَ يَسَعُهم أنْ يَنْفُوا ذَلِكَ.

والرُّؤْيَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ عِلْمِيَّةٌ ولَيْسَتْ بَصَرِيَّةً لِأنَّ إهْلاكَ القُرُونِ لَمْ يَكُنْ مَشْهُودًا لِأُمَّةٍ جاءَتْ بَعْدَ الأُمَّةِ الَّتِي أُهْلِكَتْ قَبْلَها.

وفَعَلُ الرُّؤْيَةِ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِوُرُودِ كَمْ لِأنَّ كَمْ لَها صَدْرُ الكَلامِ سَواءً كانَتِ اسْتِفْهامًا أمْ خَبَرًا، فَإنَّ كَمِ الخَبَرِيَّةَ مَنقُولَةٌ مِنَ الِاسْتِفْهامِيَّةِ وما لَهُ صَدْرُ الكَلامِ لا يَعْمَلُ ما قَبْلَهُ فِيما بَعْدَهُ.

و(وكَمْ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (أهْلَكْنا): ومُفادُها كَثْرَةٌ مُبْهَمَةٌ فُسِّرَتْ بِقَوْلِهِ مِنَ القُرُونِ ووَقَعَتْ كَمْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِقَوْلِهِ أهْلَكْنا.

و”قَبْلَهم“ ظَرْفٌ لِـ (أهْلَكْنا)، ومَعْنى قَبْلَهم: قَبْلَ وُجُودِهِمْ.

وقَوْلُهُ ”‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏“ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”أهْلَكْنا“ لِأنَّ الإهْلاكَ يَشْتَمِلُ عَلى عَدَمِ الرُّجُوعِ؛ أُبَدِلَ المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن (أنْ) وما بَعْدَها مِن مَعْنى جُمْلَةِ (‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏) لِأنَّ مَعْنى تِلْكَ الجُمْلَةِ كَثْرَةُ الإهْلاكِ وكَثْرَةُ المُهْلَكِينَ. وفِعْلُ الرُّؤْيَةِ عامِلٌ في أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ بِالتَّبَعِيَّةِ لِتَسَلُّطِ مَعْنى الفِعْلِ عَلى جُمْلَةِ كَمْ أهْلَكْنا؛ لِأنَّ التَّعْلِيقَ يُبْطِلُ العَمَلَ في اللَّفْظِ لا في المَحَلِّ.

وفائِدَةُ هَذا البَدَلِ تَقْرِيرُ تَصْوِيرِ الإهْلاكِ لِزِيادَةِ التَّخْوِيفِ، ولِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الصُّورَةِ في الإهْلاكِ أيْ إهْلاكًا لا طَماعِيَةَ مَعَهُ لِلرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا، فَإنَّ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الإهْلاكُ مِن عَدَمِ الرُّجُوعِ إلى الأهْلِ والأحْبابِ مِمّا يَزِيدُ الحَسْرَةَ اتِّضاحًا.

صفحة ١١
و”إلَيْهِمْ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَرْجِعُونَ) وتَقْدِيمُهُ إلى مُتَعَلِّقِهِ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
وضَمِيرُ إلَيْهِمْ عائِدٌ إلى العِبادَةِ، وضَمِيرُ أنَّهم عائِدٌ إلى القُرُونِ.

The same ayah, in another commentary

Yā-Sīn 36:31