All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Fuṣṣilat 41:10 Juzʾ 24 Page 477

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

And He placed on the earth firmly set mountains over its surface, and He blessed it and determined therein its [creatures'] sustenance in four days without distinction - for [the information] of those who ask.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

عَطْفٌ عَلى فِعْلِ الصِّلَةِ لا عَلى مَعْمُولِ الفِعْلِ، فَجُمْلَةُ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ إلَخْ صِلَةٌ ثانِيَةٌ في المَعْنى، ولِذَلِكَ جِيءَ بِفِعْلٍ آخَرَ غَيْرِ فِعْلِ خَلَقَ لِأنَّ هَذا الجَعْلَ تَكْوِينٌ آخَرُ حَصَلَ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وهو خَلْقُ أجْزاءٍ تَتَّصِلُ بِها إمّا مِن جِنْسِها كالجِبالِ وإمّا مِن غَيْرِ جِنْسِها كالأقْواتِ ولِذَلِكَ أعْقَبَ بِقَوْلِهِ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ بَعْدَ قَوْلِهِ ‏ ‏‏‏‏ [فصلت: ٩] .

والرَّواسِي: الثَّوابِتُ، وهو صِفَةٌ لِلْجِبالِ لِأنَّ الجِبالَ حِجارَةٌ لا تَنْتَقِلُ بِخِلافِ الرِّمالِ والكُثْبانِ، وهي كَثِيرَةٌ في بِلادِ العَرَبِ. وحُذِفَ المَوْصُوفُ لِدَلالَةِ الصِّفَةِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِي في البَحْرِ﴾ [الشورى: ٣٢] أيِ السُّفُنُ الجَوارِي. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [الأنبياء: ٣١] في سُورَةِ الأنْبِياءِ.

صفحة ٢٤٤
ووَصْفُ الرَّواسِي بِـ ‏‏ ‏‏‏‏‏ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الرّائِعَةِ لِمَناظِرِ الجِبالِ، فَمِنها الجَمِيلُ المَنظَرِ المُجَلَّلُ بِالخُضْرَةِ أوِ المَكْسُوُّ بِالثُّلُوجِ، ومِنها الرَّهِيبُ المَرْأى مِثْلَ جِبالِ النّارِ البَراكِينِ، والجِبالِ المَعْدِنِيَّةِ السُّودِ.
وبارَكَ فِيها جَعَلَ فِيها البَرَكَةَ. والبَرَكَةُ: الخَيْرُ النّافِعُ، وفي الأرْضِ خَيْراتٌ كَثِيرَةٌ فِيها رِزْقُ الإنْسانِ وماشِيَتِهِ، وفِيها التُّرابُ والحِجارَةُ والمَعادِنُ، وكُلُّها بَرَكاتٌ.

وقَدَّرَ جَعَلَ قَدْرًا، أيْ مِقْدارًا، قالَ تَعالى ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الطلاق: ٣]، والمِقْدارُ: النِّصابُ المَحْدُودُ بِالنَّوْعِ أوِ الكَمِّيَّةِ، فَمَعْنى ﴿قَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ أنَّهُ خَلَقَ في الأرْضِ القُوى الَّتِي تَنْشَأُ مِنها الأقْواتُ وخَلَقَ أُصُولَ أجْناسِ الأقْواتِ وأنْواعَها مِنَ الحَبِّ لِلْحُبُوبِ، والكَلَأِ والكَمْأةِ، والنَّوى لِلثِّمارِ، والحَرارَةِ الَّتِي يَتَأثَّرُ بِها تَوَلُّدُ الحَيَوانِ مِنَ الدَّوابِّ والطَّيْرِ، وما يَتَوَلَّدُ مِنهُ الحِيتانُ ودَوابُّ البِحارِ والأنْهارِ.

ومِنَ التَّقْدِيرِ: تَقْدِيرُ كُلِّ نَوْعٍ بِما يَصْلُحُ لَهُ مِنَ الأوْقاتِ مِن حَرٍّ أوْ بَرْدٍ أوِ اعْتِدالٍ. وأشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [نوح: ١٧] ويَأْتِي القَوْلُ فِيهِ، وقَوْلُهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [النحل: ٨١] وقَوْلُهُ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النحل: ٨٠] الآيَةَ.

وجَمْعُ الأقْواتِ مُضافًا إلى ضَمِيرِ الأرْضِ يُفِيدُ العُمُومَ، أيْ جَمِيعُ أقْواتِها وعُمُومُهُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ المُقْتاتِينَ، فَلِلدَّوابِّ أقْواتٌ، ولِلطَّيْرِ أقْواتٌ، ولِلْوُحُوشِ أقْواتٌ، ولِلزَّواحِفِ أقْواتٌ، ولِلْحَشَراتِ أقْواتٌ، وجُعِلَ لِلْإنْسانِ جَمِيعُ تِلْكَ الأقْواتِ مِمّا اسْتَطابَ مِنها كَما أفادَهُ قَوْلُهُ تَعالى ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [البقرة: ٢٩] ومَضى الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَوْلُهُ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فَذْلَكَةٌ لِمَجْمُوعِ مُدَّةِ خَلْقِ الأرْضِ جِرْمِها، وما عَلَيْها مِن رَواسِيَ، وما فِيها مِنَ القُوى، فَدَخَلَ في هَذِهِ الأرْبَعَةِ الأيّامِ اليَوْمانِ اللَّذانِ في قَوْلِهِ ‏ ‏‏‏‏ [فصلت: ١٢] فَكَأنَّهُ قِيلَ: في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ فَتِلْكَ أرْبَعَةُ أيّامٍ، فَقَوْلُهُ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فَذْلَكَةٌ، وعُدِلَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما في نَسْجِ الآيَةِ لِقَصْدِ الإيجازِ

صفحة ٢٤٥
واعْتِمادًا عَلى ما يَأْتِي بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [فصلت: ١٢]، فَلَوْ كانَ اليَوْمانِ اللَّذانِ قَضى فِيهِما خَلْقَ السَّماواتِ زائِدَيْنِ عَلى سِتَّةِ أيّامٍ انْقَضَتْ في خَلْقِ الأرْضِ وما عَلَيْها لَصارَ مَجْمُوعُ الأيّامِ ثَمانِيَةً، وذَلِكَ يُنافِي الإشارَةَ إلى عِدَّةِ أيّامِ الأُسْبُوعِ، فَإنَّ اليَوْمَ السّابِعَ يَوْمُ فَراغٍ مِنَ التَّكْوِينِ. وحِكْمَةُ التَّمْدِيدِ لِلْخَلْقِ أنْ يَقَعَ عَلى صِفَةٍ كامِلَةٍ مُتَناسِبَةٍ.
(﴿وسَواءٌ﴾ [يس: ١٠]) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِن أيّامٍ أيْ كامِلَةً لا نَقْصَ فِيها ولا زِيادَةَ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ مَرْفُوعًا عَلى الِابْتِداءِ بِتَقْدِيرِ: هي سَواءٌ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ مَجْرُورًا عَلى الوَصْفِ لِأيّامٍ.

ولِلسّائِلِينَ يَتَنازَعُهُ كُلٌّ مِن أفْعالِ ”جَعَلَ، وبارَكَ، وقَدَّرَ“ فَيَكُونُ لِلسّائِلِينَ جَمْعُ سائِلٍ بِمَعْنى الطّالِبِ لِلْمَعْرِفَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ، أيْ بَيَّنّا ذَلِكَ لِلسّائِلِينَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (لِلسّائِلِينَ) مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ ﴿قَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ فَيَكُونُ المُرادُ بِالسّائِلِينَ الطّالِبِينَ لِلْقُوتِ.

The same ayah, in another commentary

Fuṣṣilat 41:10