All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Fuṣṣilat 41:37 Juzʾ 24 Page 480

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And of His signs are the night and day and the sun and moon. Do not prostrate to the sun or to the moon, but prostate to Allah, who created them, if it should be Him that you worship.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ”‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ [فصلت: ٩]“ الآيَةَ، عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ فَإنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ خَلْقِ العَوالِمِ أنَّها دَلائِلُ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ، فَلِذَلِكَ أخْبَرَ هُنا عَنِ المَذْكُوراتِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ بِأنَّها مِن آياتِ اللَّهِ انْتِقالًا في أفانِينِ الِاسْتِدْلالِ فَإنَّهُ انْتِقالٌ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِذَواتٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِأحْوالٍ مِن أحْوالِ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ، فابْتُدِئَ بِبَعْضِ الأحْوالِ السَّماوِيَّةِ وهي حالُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وحالُ طُلُوعِ الشَّمْسِ وطُلُوعِ القَمَرِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ بَعْضَ الأحْوالِ الأرْضِيَّةِ بِقَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [فصلت: ٣٩] .

ويَدُلُّ لِهَذا الِانْتِقالِ أنَّهُ مِن أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ مِن قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [فصلت: ١٣] إلى قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [فصلت: ٣٤] إلى أُسْلُوبِ خِطابِهِمْ رُجُوعًا إلى خِطابِهِمُ الَّذِي في قَوْلِهِ ”‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [فصلت: ٩]“ .

والآياتُ: الدَّلائِلُ، وإضافَتُها إلى ضَمِيرِ اللَّهِ لِأنَّها دَلِيلٌ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وعَلى وُجُودِهِ.

واخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَةٌ مِن آياتِ القُدْرَةِ الَّتِي لا يَفْعَلُها غَيْرُ اللَّهِ تَعالى، فَلا جَرَمَ كانَتْ دَلِيلًا عَلى انْفِرادِهِ بِالصُّنْعِ فَهو مُنْفَرِدٌ بِالإلَهِيَّةِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اللَّيْلِ والنَّهارِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [البقرة: ١٦٤] .

والمُرادُ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ ابْتِداءً هُنا حَرَكَتُهُما المُنْتَظِمَةُ المُسْتَمِرَّةُ، وأمّا خَلْقُهُما فَقَدْ عُلِمَ مَن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ

صفحة ٢٩٩
‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [فصلت: ١٢]، فَإنَّ الشَّمْسَ إحْدى السَّماواتِ السَّبْعِ والقَمَرَ تابِعٌ لِلشَّمْسِ، ولَمْ يَذْكُرْ ما يَدُلُّ عَلى بَعْضِ أحْوالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ مِثْلَ طُلُوعٍ أوْ غُرُوبٍ أوْ فَلَكٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ لِيَكُونَ صالِحًا لِلِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِهِما وهو المَقْصُودُ الأوَّلُ، ولِخَلْقِهِما تَأْكِيدٌ لِما اسْتُفِيدَ مِن قَوْلِهِ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [فصلت: ١٢] تَوْفِيرًا لِلْمَعانِي.
ولَمّا جَرى الِاعْتِبارُ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ وكانَ في النّاسِ أقْوامٌ عَبَدُوا الشَّمْسَ والقَمَرَ وهُمُ الصّابِئَةُ ومَنبَعُهم مِنَ العِراقِ مِن زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ قَصَّ اللَّهُ خَبَرَهم في سُورَةِ الأنْعامِ في قَوْلِهِ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [الأنعام: ٧٦] الآياتِ، ثُمَّ ظَهَرَ هَذا الدِّينُ في سَبَأٍ، عَبَدُوا الشَّمْسَ كَما قَصَّهُ اللَّهُ في سُورَةِ النَّمْلِ.

ولَمْ أقِفْ عَلى أنَّ العَرَبَ في زَمَنِ نُزُولِ القُرْآنِ كانَ مِنهم مَن يَعْبُدُ الشَّمْسَ والقَمَرَ، ويَظْهَرُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ هُنا لَعَلَّ ناسًا مِنهم كانُوا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ اهـ. ولَكِنَّ وُجُودَ عِبادَةِ الشَّمْسِ في اليَمَنِ أيّامَ سَبَأٍ قَبْلَ أنْ يَتَهَوَّدُوا يَقْتَضِي بَقاءَ آثارِهِ مِن عِبادَةِ الشَّمْسِ في بَعْضِ بِلادِ العَرَبِ. وقَدْ ذُكِرَ مِن أصْنامِ العَرَبِ صَنَمٌ اسْمُهُ شَمْسُ وبِهِ سُمُّوا عَبْدَ شَمْسَ، وكَذَلِكَ جَعَلَهم مِن أسْماءِ الشَّمْسِ الآلِهَةَ، قالَتْ مَيَّةُ بِنْتُ أُمِّ عُتْبَةَ:

تَرَوَّحْنا مِنَ اللَّعْباءِ عَصْرًا فاعْجَلْنا الآلِهَةَ أنْ تُئَوِّبا
وكانَ الصَّنَمُ الَّذِي اسْمُهُ شَمْسُ يَعْبُدُهُ بَنُو تَمِيمٍ وضَبَّةُ وتَمِيمٌ وعُكْلٌ وأُدٌّ. وكُنْتُ وقَفْتُ عَلى أنَّ بَعْضَ كِنانَةَ عَبَدُوا القَمَرَ.
وفِي تَلْخِيصِ التَّفْسِيرِ لِلْكَواشِيِّ وكانَ النّاسُ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ السُّجُودَ لِلَّهِكالصّابِئِينَ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وأُمِرُوا أنْ يَخُصُّوهُ تَعالى بِالعِبادَةِ ولَيْسَ فِيهِ أنَّ هَؤُلاءِ النّاسَ مِنَ العَرَبِ، عَلى أنَّ هَدْيَ القُرْآنِ لا يَخْتَصُّ بِالعَرَبِ بَلْ شُيُوعُ دِينِ الصّابِئَةِ في البِلادِ المُجاوِرَةِ لَهم كافٍ في التَّحْذِيرِ مِنَ السُّجُودِ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ.

صفحة ٣٠٠
وقَدْ كانَ العَرَبُ يَحْسَبُونَ دِينَ الإسْلامِ دِينَ الصّابِئَةِ فَكانُوا يَقُولُونَ لِمَن أسْلَمَ: صَبَأ، وكانُوا يَصِفُونَ النَّبِيءَ ﷺ بِالصّابِئِ، فَإذا لَمْ يَكُنِ النَّهْيُ في قَوْلِهِ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ نَهْيَ إقْلاعٍ بِالنِّسْبَةِ لِلَّذِينَ يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ، فَهو نَهْيُ تَحْذِيرٍ لِمَن لَمْ يَسْجُدْ لَهُما أنْ لا يَتْبَعُوا مَن يَعْبُدُونَهُما.
ووُقُوعُ قَوْلِهِ ‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بَعْدَ النَّهْيِ عَنِ السُّجُودِ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ يُفِيدُ مُفادَ الحَصْرِ؛ لِأنَّ النَّهْيَ بِمَنزِلَةِ النَّفْيِ، ووُقُوعُ الإثْباتِ بَعْدَهُ بِمَنزِلَةِ مُقابَلَةِ النَّفْيِ بِالإيجابِ، فَإنَّهُ بِمَنزِلَةِ النَّفْيِ والِاسْتِثْناءِ في إفادَةِ الحَصْرِ كَما تَراهُ في قَوْلِ السَّمَوْألِ أوْ عَبْدِ المَلِكِ الحارِثِيِّ:

تَسِيلُ عَلى حَدِّ الظُّباتِ نُفُوسُنا ∗∗∗ ولَيْسَتْ عَلى غَيْرِ الظُّباتِ تَسِيلُ
فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تَسْجُدُوا إلّا لِلَّهِ، أيْ دُونَ الشَّمْسِ والقَمَرِ.
فَجُمْلَةُ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ إلى قَوْلِهِ تَعْبُدُونَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏، وبَيْنَ جُمْلَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ [فصلت: ٣٨] .

وفِي هَذِهِ الآيَةِ مَوْضِعُ سُجُودٍ مِن سُجُودِ التِّلاوَةِ، فَقالَ مالِكٌ وأصْحابُهُ عَدا ابْنَ وهْبٍ: السُّجُودُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وهو قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وابْنِ مَسْعُودٍ، ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ في المَشْهُورِ عَنْهُ وابْنُ وهْبٍ: هي عِنْدَ قَوْلِهِ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ [فصلت: ٣٨]، وهو عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ.

The same ayah, in another commentary

Fuṣṣilat 41:37