All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Ash-Shūrā 42:48 Juzʾ 25 Page 488

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

But if they turn away - then We have not sent you, [O Muhammad], over them as a guardian; upon you is only [the duty of] notification. And indeed, when We let man taste mercy from us, he rejoices in it; but if evil afflicts him for what his hands have put forth, then indeed, man is ungrateful.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشورى: ٤٧] الآيَةَ، وهو جامِعٌ لِما تَقَدَّمَ كَما عَلِمْتَ إذْ أمَرَ اللَّهُ نَبِيئَهُ بِدَعْوَتِهِمْ لِلْإيمانِ مِن قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشورى: ٧] ثُمَّ قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الشورى: ١٥] . وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ واعْتَرَضَهُ مِن تَضاعِيفِ الأمْرِ الصَّرِيحِ والضِّمْنِيِّ إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشورى: ٤٧] . الآيَةَ. ثُمَّ فَرَّعَ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ إعْلامَ الرَّسُولِ ﷺ بِمَقامِهِ وعَمَلِهِ إنْ أعْرَضَ مُعْرِضُونَ مِنَ الَّذِينَ يَدْعُوهم، وبِمَعْذِرَتِهِ فِيما قامَ بِهِ وأنَّهُ غَيْرُ مُقَصِّرٍ، وهو تَعْرِيضٌ بِتَسْلِيَتِهِ عَلى ما لاقاهُ مِنهم، والمَعْنى: فَإنْ أعْرَضُوا بَعْدَ هَذا كُلِّهِ فَما أرْسَلْناكَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ ومُتَكَفِّلًا بِهِمْ إذْ ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ.

وإذْ قَدْ كانَ ما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ بِالتَّبْلِيغِ والدَّعْوَةِ مُصَدَّرًا بَقَوْلِهِ أوائِلَ السُّورَةِ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشورى: ٦]، لا جَرَمَ ناسَبَ أنْ يُفَرِّعَ عَلى تِلْكَ الأوامِرِ بَعْدَ تَمامِها مِثْلَ ما قَدَّمَ لَها فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ .

وهَذا الِارْتِباطُ هو نُكْتَةُ الِالتِفاتِ مِنَ الخِطابِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشورى: ٤٧]

صفحة ١٣٣
الآيَةَ، إلى الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ هُنا ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وإلّا لَقِيلَ: فَإنْ أعْرَضْتُمْ.
والحَفِيظُ تَقَدَّمَ في صَدْرِ السُّورَةِ وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لَيْسَ هو جَوابَ الشَّرْطِ في المَعْنى ولَكِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وقائِمٌ مَقامَهُ، إذِ المَعْنى: فَإنْ أعْرَضُوا فَلَسْتَ مُقَصِّرًا في دَعْوَتِهِمْ، ولا عَلَيْكَ تَبِعَةُ صَدِّهِمْ إذْ ما أرْسَلْناكَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ .

وجُمْلَةُ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِاعْتِبارِ أنَّها دالَّةٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ المُقَدَّرِ.

و(إنِ) الثّانِيَةُ نافِيَةٌ. والجَمْعُ بَيْنَها وبَيْنَ (إنِ) الشَّرْطِيَّةِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ جِناسٌ تامٌّ.

والبَلاغُ: التَّبْلِيغُ، وهو اسْمُ مَصْدَرٍ، وقَدْ فُهِمَ مِنَ الكَلامِ أنَّهُ قَدْ أدّى ما عَلَيْهِ مِنَ البَلاغِ لِأنَّ قَوْلَهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ دَلَّ عَلى نَفْيِ التَّبِعَةِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ مِن إعْراضِهِمْ، وأنَّ الإعْراضَ هو الإعْراضُ عَنْ دَعْوَتِهِ، فاسْتُفِيدَ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَ الدَّعْوَةَ ولَوْلا ذَلِكَ ما أثْبَتَ لَهُمُ الإعْراضَ.

* * *
‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ تَتَّصِلُ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ لِما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ عَلى ما لاقاهُ مِن قَوْمِهِ كَما عَلِمْتَ، ويُؤْذِنُ بِهَذا الِاتِّصالِ أنَّ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ جُعِلَتا آيَةً واحِدَةً هي ثامِنَةٌ وأرْبَعُونَ في هَذِهِ السُّورَةِ، فالمَعْنى: لا يَحْزُنْكَ إعْراضُهم عَنْ دَعْوَتِكَ فَقَدْ أعْرَضُوا عَنْ نِعْمَتِي وعَنْ إنْذارِي بِزِيادَةِ الكُفْرِ، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وابْتِداءُ الكَلامِ بِضَمِيرِ الجَلالَةِ المُنْفَصِلِ مُسْنَدًا إلَيْهِ فِعْلٌ دُونَ أنْ يُقالَ: وإذا أذَقْنا الإنْسانَ إلَخْ، مَعَ أنَّ المَقْصُودَ وصْفُ هَذا الإنْسانِ بِالبَطَرِ بِالنِّعْمَةِ وبِالكُفْرِ عِنْدَ الشِّدَّةِ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن مَوْقِعِ هَذِهِ الجُمْلَةِ هُنا تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ جَفاءِ قَوْمِهِ وإعْراضِهِمْ، فالمَعْنى: أنَّ مُعامَلَتَهم
صفحة ١٣٤
رَبَّهم هَذِهِ المُعامَلَةَ تُسَلِّيكَ عَنْ مُعامَلَتِهِمْ إيّاكَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [النساء: ١٥٣]، ولِهَذا لا تَجِدُ نَظائِرَ هَذِهِ الجُمْلَةِ في مَعْناها مُفْتَتَحًا بِمِثْلِ هَذا الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ مَوْقِعَ تِلْكَ النَّظائِرِ لا تُماثِلُ مَوْقِعَ هَذِهِ وإنْ كانَ مَعْناهُما مُتَماثِلًا، فَهَذِهِ الخُصُوصِيَّةُ خاصَّةٌ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ.
ولَكِنَّ نَظْمَ هَذِهِ الآيَةِ جاءَ صالِحًا لِإفادَةِ هَذا المَعْنى ولِإفادَةِ مَعْنًى آخَرَ مُقارِبٍ لَهُ وهو أنْ يَكُونَ هَذا حِكايَةَ خُلُقٍ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ مُرْتَكِزٍ في الجِبِلَّةِ لَكِنَّ مَظاهِرَهُ مُتَفاوِتَةٌ بِتَفاوُتِ أفْرادِهِ في التَّخَلُّقِ بِالآدابِ الدِّينِيَّةِ، فَيُحْمَلُ الإنْسانُ في المَوْضِعَيْنِ عَلى جِنْسِ بَنِي آدَمَ ويُحْمَلُ الفَرَحُ عَلى مُطْلَقِهِ المَقُولِ عَلَيْهِ بِالتَّشْكِيكِ حَتّى يَبْلُغَ مَبْلَغَ البَطَرِ، وتُحْمَلُ السَّيِّئَةُ الَّتِي قَدَّمَتْها أيْدِيهِمْ عَلى مَراتِبِ السَّيِّئاتِ إلى أنْ تَبْلُغَ مَبْلَغَ الإشْراكِ، ويُحْمَلُ وصْفُ (كَفُورٌ) عَلى ما يَشْمَلُ اشْتِقاقُهُ مِنَ الكُفْرِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، والكُفْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ.

ولِهَذا اخْتَلَفَتْ مَحامِلُ المُفَسِّرِينَ لِلْآيَةِ. فَمِنهم مَن حَمَلَها عَلى خُصُوصِ الإنْسانِ الكافِرِ بِاللَّهِ مِثْلَ الزَّمَخْشَرِيِّ والقُرْطُبِيِّ والطِّيبِيِّ، ومِنهم مَن حَمَلَها عَلى ما يَعُمُّ أصْنافَ النّاسِ مِثْلَ الطَبَرِيِّ والبَغَوِيِّ والنَّسَفِيِّ وابْنِ كَثِيرٍ. ومِنهم مَن حَمَلَها عَلى إرادَةِ المَعْنَيَيْنِ عَلى أنَّ أوَّلَهُما هو المَقْصُودُ والثّانِيَ مُنْدَرِجٌ بِالتَّبَعِ وهَذِهِ طَرِيقَةُ البَيْضاوِيِّ وصاحِبِ الكَشْفِ. ومِنهم مَن عَكَسَ وهي طَرِيقَةُ الكَواشِيِّ في تَلْخِيصِهِ.

وعَلى الوَجْهَيْنِ فالمُرادُ بِـ الإنْسانَ في المَوْضِعِ الأوَّلِ والمَوْضِعِ الثّانِي مَعْنًى واحِدٌ وهو تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُرادُ بِهِ الِاسْتِغْراقُ، أيْ إذا أذَقْنا النّاسَ، وأنَّ النّاسَ كَفُورُونَ، ويَكُونُ اسْتِغْراقًا عُرْفِيًّا أُرِيدَ بِهِ أكْثَرُ جِنْسِ الإنْسانِ في ذَلِكَ الزَّمانِ والمَكانِ لِأنَّ أكْثَرَ نَوْعِ الإنْسانِ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكُونَ، وهَذا هو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ شَدِيدُ الكُفْرِ قَوِيُّهُ، ولِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ مِنَ الكُفْرِ.

وإنَّما عَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالنّاسِ إلى التَّعْبِيرِ بِالإنْسانِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ هَذا الخُلُقَ المُخْبَرَ بِهِ عَنْهم هو مِن أخْلاقِ النَّوْعِ لا يُزِيلُهُ إلّا التَّخَلُّقُ بِأخْلاقِ الإسْلامِ فالَّذِينَ لَمْ

صفحة ١٣٥
يُسْلِمُوا باقُونَ عَلَيْهِ، وذَلِكَ أدْخَلُ في التَّسْلِيَةِ لِأنَّ اسْمَ الإنْسانِ اسْمُ جِنْسٍ يَتَضَمَّنُ أوْصافَ الجِنْسِ المُسَمّى بِهِ عَلى تَفاوُتٍ في ذَلِكَ وذَلِكَ لِغَلَبَةِ الهَوى. وقَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ في القُرْآنِ مِرارًا كَقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [المعارج: ١٩] وقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [العاديات: ٦] وقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [الكهف: ٥٤] . وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِمُناسَبَةِ التَّسْلِيَةِ بِأنْ نُزِّلَ السّامِعُ الَّذِي لا يَشُكُّ في وُقُوعِ هَذا الخَبَرِ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ في ذَلِكَ لِاسْتِعْظامِهِ إعْراضَهم عَنْ دَعْوَةِ الخَيْرِ فَشُبِّهَ بِالمُتَرَدِّدِ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ، وحَرْفُ التَّأْكِيدِ مِن رَوادِفِ المُشَبَّهِ بِهِ المَحْذُوفِ.
والإذاقَةُ: مَجازٌ في الإصابَةِ.

والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ: أثَرُ الرَّحْمَةِ، وهو النِّعْمَةُ، فالتَّقْدِيرُ: وإنّا إذا رَحِمْنا الإنْسانَ فَأصَبْناهُ بِنِعْمَةٍ، بِقَرِينَةِ مُقابَلَةِ الرَّحْمَةِ بِالسَّيِّئَةِ كَما قُوبِلَتْ بِالضَّرّاءِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [فصلت: ٥٠] في سُورَةِ فُصِّلَتْ.

والمُرادُ بِالفَرَحِ: ما يَشْمَلُ الفَرَحَ المُجاوِزَ حَدَّ المَسَرَّةِ إلى حَدِّ البَطَرِ والتَّجَبُّرِ، عَلى نَحْوِ ما اسْتُعْمِلَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [القصص: ٧٦] لا الفَرَحُ الَّذِي في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [آل عمران: ١٧٠] .

وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في (فَرِحَ) لِمُراعاةِ لَفْظِ الإنْسانِ وإنْ كانَ مَعْناهُ جَمْعًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩] أيِ الطّائِفَةَ الَّتِي تَبْغِي، فاعْتَدَّ بِلَفْظِ طائِفَةٍ دُونَ مَعْناهُ مَعَ أنَّهُ قالَ قَبْلَهُ: (اقْتَتَلُوا) . ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِضَمِيرَيِ الجَماعَةِ ثُمَّ عادَ فَقالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ .

واجْتِلابُ (إذا) في هَذا الشَّرْطِ لِأنَّ شَأْنَ (إذا) أنْ تَدُلَّ عَلى تَحَقُّقِ كَثْرَةِ وُقُوعِ شَرْطِها، وشَأْنُ (إنْ) أنْ تَدُلَّ عَلى نُدْرَةِ وُقُوعِهِ، ولِذَلِكَ اجْتَلَبَ (إنْ) في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ لِأنَّ إصابَتَهم بِالسَّيِّئَةِ نادِرَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِإصابَتِهِمْ بِالنِّعْمَةِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الأعراف: ١٣١] .

صفحة ١٣٦
ومَعْنى قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ تَقَدَّمَ بَسْطُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الشورى: ٣٠] .
والحُكْمُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ هو المَقْصُودُ مِن جُمْلَةِ الشَّرْطِ كُلِّها، ولِذَلِكَ أُعِيدَ حَرْفُ التَّأْكِيدِ فِيها بَعْدَ أنْ صُدِّرَتْ بِهِ الجُمْلَةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى الشَّرْطِ لِيُحِيطَ التَّأْكِيدُ بِكِلْتا الجُمْلَتَيْنِ، وقَدْ أفادَ ذَلِكَ أنَّ مِن عَوارِضِ صِفَةِ الإنْسانِيَّةِ عُرُوضَ الكُفْرِ بِاللَّهِ لَها، لِأنَّ في طَبْعِ الإنْسانِ تَطَلُّبَ مَسالِكِ النَّفْعِ وسَدَّ مَنافِذِ الضُّرِّ مِمّا يَنْجَرُّ إلَيْهِ مِن أحْوالٍ لا تَدْخُلُ بَعْضُ أسْبابِها في مَقْدُورِهِ، ومِن طَبْعِهِ النَّظَرُ في الوَسائِلِ الواقِيَةِ لَهُ بِدَلائِلِ العَقْلِ الصَّحِيحِ، ولَكِنْ مِن طَبْعِهِ تَحْرِيكُ خَيالِهِ في تَصْوِيرِ قُوًى تُخَوِّلُهُ تِلْكَ الأسْبابَ فَإذا أمْلى عَلَيْهِ خَيالُهُ وُجُودَ قُوًى مُتَصَرِّفَةٍ في النَّوامِيسِ الخارِجَةِ عَنْ مَقْدُورِهِ خالَها ضالَّتَهُ المَنشُودَةَ، فَرَكَنَ إلَيْها وآمَنَ بِها وغابَ عَنْهُ دَلِيلُ الحَقِّ، إمّا لِقُصُورِ تَفْكِيرِهِ عَنْ دَرَكِهِ وانْعِدامِ المُرْشِدِ إلَيْهِ، أوْ لِغَلَبَةِ هَواهُ الَّذِي يُمْلِي عَلَيْهِ عِصْيانَ المُرْشِدِينَ مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ والحُكَماءِ الصّالِحِينَ إذْ لا يَتْبَعُهم إلّا القَلِيلُ مِنَ النّاسِ ولا يَهْتَدِي بِالعَقْلِ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ إلّا الأقَلُّ مِثْلَ الحُكَماءِ، فَغَلَبَ عَلى نَوْعِ الإنْسانِ الكُفْرُ بِاللَّهِ عَلى الإيمانِ بِهِ كَما بَيَّنّاهُ آنِفًا في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ .

ولِذَلِكَ عَقَّبَ هَذا الحُكْمَ عَلى النَّوْعِ بَقَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ [الشورى: ٤٩] . ولَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَذا العُمُومِ إلّا الصّالِحُونَ مِن نَوْعِ الإنْسانِ عَلى تَفاوُتٍ بَيْنِهِمْ في كَمالِ الخُلُقِ وقَدِ اسْتُفِيدَ خُرُوجُهم مِن آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [التين: ٤] .

وقَدْ شَمِلَ وصْفُ (كَفُورٌ) ما يَشْمَلُ كُفْرانُ النِّعْمَةِ وهُما مُتَلازِمانِ في الأكْثَرِ.

The same ayah, in another commentary

Ash-Shūrā 42:48