All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

Al-Aḥqāf 46:28 Juzʾ 26 Page 505

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

Then why did those they took besides Allah as deities by which to approach [Him] not aid them? But they had strayed from them. And that was their falsehood and what they were inventing.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏

تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ المَوْعِظَةِ بِعَذابِ عادٍ المُفَصَّلِ، وبِعَذابِ أهْلِ القُرى المُجْمَلِ، فُرِّعَ عَلَيْهِ تَوْبِيخٌ مُوَجَّهٌ إلى آلِهَتِهِمْ إذْ قَعَدُوا عَنْ نَصْرِهِمْ وتَخْلِيصِهِمْ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، والمَقْصُودُ تَوْجِيهُ التَّوْبِيخِ إلى الأُمَمِ المُهْلَكَةِ عَلى طَرِيقَةِ تَوْجِيهِ النَّهْيِ ونَحْوِهِ لِغَيْرِ المَنهِيِّ لِيَجْتَنِبَ المَنهِيُّ أسْبابَ المَنهِيِّ عَنْهُ كَقَوْلِهِمْ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلْ كَذا، ولا أرَيَنَّكَ هُنا.

والمَقْصُودُ بِهَذا التَّوْبِيخِ تَخْطِئَةُ الأُمَمِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الأصْنامَ لِلنَّصْرِ والدَّفْعِ، وذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ تَعْرِيضًا بِالسّامِعِينَ المُماثِلِينَ لَهم في عِبادَةِ آلِهَةٍ مِن دُونِ اللَّهِ اسْتِتْمامًا لِلْمَوْعِظَةِ والتَّوْبِيخِ بِطَرِيقِ التَّنْظِيرِ وقِياسِ التَّمْثِيلِ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ بَلْ ضَلُّوا عَنْهم لِأنَّ التَّوْبِيخَ آلَ إلى مَعْنى نَفْيِ النَّصْرِ.

وحَرْفُ (لَوْلا) إذا دَخَلَ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ كانَ أصْلُهُ الدَّلالَةَ عَلى التَّحْضِيضِ، أيْ تَحْضِيضِ فاعِلِ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَ (لَوْلا) عَلى تَحْصِيلِ ذَلِكَ الفِعْلِ، فَإذا كانَ

صفحة ٥٦
الفاعِلُ غَيْرَ المُخاطَبِ بِالكَلامِ كانَتْ (لَوْلا) دالَّةً عَلى التَّوْبِيخِ ونَحْوِهِ إذْ لا طائِلَ في تَحْضِيضِ المُخاطَبِ عَلى فِعْلِ غَيْرِهِ.
والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ لِما في الصِّلَةِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى الخَطَأِ والغَلَطِ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ فَلَمْ تُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، كَقَوْلِ عَبْدَةَ بْنِ الطَّبِيبِ:

إنَّ الَّذِينَ تَرَوْنَـهُـمْ إخْـوانَكُـمْ يَشْفِي غَلِيلَ صُدُورِهِمْ أنْ تُصْرَعُوا
وعُومِلَتِ الأصْنامُ مُعامَلَةَ العُقَلاءِ بِإطْلاقِ جَمْعِ العُقَلاءِ عَلَيْهِمْ جَرْيًا عَلى الغالِبِ في اسْتِعْمالِ العَرَبِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
و”قُرْبانًا“ مُصْدَرٌ بِوَزْنِ غُفْرانٍ، مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ حِكايَةً لِزَعْمِهِمُ المَعْرُوفَ المَحْكِيَّ في قَوْلِهِ - تَعالى - ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [الزمر: ٣] . وهَذا المَصْدَرُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ ”اتَّخَذُوا“ ومَفْعُولِهِ، و”مِن دُونِ اللَّهِ“ يَتَعَلَّقُ بِـ ”اتَّخَذُوا“ . و”دُونَ“ بِمَعْنى المُباعَدَةِ، أيْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ في اتِّخاذِ الأصْنامِ آلِهَةً، وهو حِكايَةٌ لِحالِهِمْ لِزِيادَةِ تَشْوِيهِها وتَشْنِيعِها.

و(بَلْ) بِمَعْنى لَكِنْ إضْرابًا واسْتِدْراكًا بَعْدَ التَّوْبِيخِ لِأنَّهُ في مَعْنى النَّفْيِ، أيْ ما نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم آلِهَةً ولا قَرَّبُوهم إلى اللَّهِ لِيَدْفَعَ عَنْهُمُ العَذابَ، بَلْ ضَلُّوا عَنْهم، أيْ بَلْ غابُوا عَنْهم وقْتَ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ.

والضَّلالُ أصْلُهُ: عَدَمُ الِاهْتِداءِ لِلطَّرِيقِ واسْتُعِيرَ لِعَدَمِ النَّفْعِ بِالحُضُورِ اسْتِعارَةً تَهَكُّمِيَّةً، أيْ غابُوا عَنْهم ولَوْ حَضَرُوا لَنَصَرُوهم، وهَذا نَظِيرُ التَّهَكُّمِ في قَوْلِهِ - تَعالى - ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ [القصص: ٦٤] في سُورَةِ القَصَصِ.

وأمّا قَوْلُهُ وذَلِكَ إفْكُهم فَهو فَذْلَكَةٌ لِجُمْلَةِ فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ إلَخْ وقَرِينَةٌ عَلى الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ في قَوْلِهِ ضَلُّوا عَنْهم.

والإشارَةُ بِـ ذَلِكَ إلى ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً مَن زَعَمَ الأصْنامَ آلِهَةً وأنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ، والإفْكُ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ - والِافْتِراءُ: نَوْعٌ مِنَ الكَذِبِ وهو ابْتِكارُ الأخْبارِ الكاذِبَةِ ويُرادِفُ الِاخْتِلاقَ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن فَرْيِ الجِلْدِ، فالِافْتِراءُ الكَذِبُ الَّذِي يَقُولُهُ، فَعَطْفُ ما كانُوا يَفْتَرُونَ

صفحة ٥٧
عَلى إفْكِهِمْ عَطْفُ الأخَصِّ عَلى الأعَمِّ، فَإنَّ زَعْمَهُمُ الأصْنامَ شُرَكاءَ لِلَّهِ كَذِبٌ مَرْوِيٌّ مِن قَبْلُ، فَهو إفْكٌ. وأمّا زَعْمُهم أنَّها تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ فَذَلِكَ افْتِراءٌ اخْتَرَعُوهُ.
وإقْحامُ فِعْلِ ”كانُوا“ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ افْتِراءَهم راسِخٌ فِيهِمْ. ومَجِيءُ يَفْتَرُونَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ افْتِراءَهم مُتَكَرِّرٌ.

The same ayah, in another commentary

Al-Aḥqāf 46:28