All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom, classical in method. Strong on rhetoric.

Al-Anʿām 6:13 Juzʾ 7 Page 129

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

And to Him belongs that which reposes by night and by day, and He is the Hearing, the Knowing.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ .

جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى لِلَّهِ مِن قَوْلِهِ ‏‏ ‏‏ [الأنعام: ١٢] الَّذِي هو في تَقْدِيرِ الجُمْلَةِ، أيْ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لِلَّهِ، ولَهُ ما سَكَنَ.

صفحة ١٥٥
والسُّكُونُ اسْتِقْرارُ الجِسْمِ في مَكانٍ، أيْ حَيِّزٍ لا يَنْتَقِلُ عَنْهُ مُدَّةً، فَهو ضِدُّ الحَرَكَةِ، وهو مِن أسْبابِ الِاخْتِفاءِ، لِأنَّ المُخْتَفِيَ يَسْكُنُ ولا يَنْتَشِرُ. والأحْسَنُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ هُنا كِنايَةً عَنِ الخَفاءِ مَعَ إرادَةِ المَعْنى الصَّرِيحِ. ووَجْهُ كَوْنِهِ كِنايَةً أنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِلتَّذْكِيرِ بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِكم ومُحاسِبُكم عَلَيْها يَوْمَ يَجْمَعُكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ [الرعد: ٨] إلى أنْ قالَ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الرعد: ١٠] . فالَّذِي سَكَنَ اللَّيْلَ والنَّهارَ بَعْضُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، فَلَمّا أعْلَمَهم بِأنَّهُ يَمْلِكُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ عَطَفَ عَلَيْهِ الإعْلامَ بِأنَّهُ يَمْلِكُ ما سَكَنَ مِن ذَلِكَ لِأنَّهُ بِحَيْثُ يُغْفِلُ عَنْ شُمُولِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ إيّاهُ، لِأنَّ المُتَعارَفَ بَيْنَ النّاسِ إذا أخْبَرُوا عَنْ أشْياءَ بِحُكْمِ أنْ يُرِيدُوا الأشْياءَ المَعْرُوفَةَ المُتَداوَلَةَ. فَهَذا مِن ذِكْرِ الخاصِّ بَعْدَ العامِّ لِتَقْرِيرِ عُمُومِ المُلْكِ لِلَّهِ تَعالى بِأنَّ مُلْكَهُ شَمِلَ الظّاهِراتِ والخَفِيّاتِ، فَفي هَذا اسْتِدْعاءٌ لِيُوَجِّهُوا النَّظَرَ العَقْلِيَّ في المَوْجُوداتِ الخَفِيَّةِ وما في إخْفائِها مِن دَلالَةٍ عَلى سَعَةِ القُدْرَةِ وتَصَرُّفاتِ الحِكْمَةِ الإلَهِيَّةِ.
وفي لِلظَّرْفِيَّةِ الزَّمانِيَّةِ، وهي ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، لِأنَّ فِعْلَ السُّكُونِ لا يَتَعَدّى إلى الزَّمانِ تَعْدِيَةَ الظَّرْفِ اللَّغْوِ كَما يَتَعَدّى إلى المَكانِ لَوْ كانَ بِمَعْنى حَلَّ واسْتَقَرَّ وهو ما لا يُناسِبُ حَمْلَ مَعْنى الآيَةِ عَلَيْهِ. والكَلامُ تَمْهِيدٌ لِسَعَةِ العِلْمِ، لِأنَّ شَأْنَ المالِكِ أنْ يَعْلَمَ مَمْلُوكاتِهِ. وتَخْصِيصُ اللَّيْلِ بِالذِّكْرِ لِأنَّ السّاكِنَ في ذَلِكَ الوَقْتِ يَزْدادُ خَفاءً، فَهو كَقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأنعام: ٥٩] . وعَطَفَ النَّهارَ عَلَيْهِ لِقَصْدِ زِيادَةِ الشُّمُولِ، لِأنَّ اللَّيْلَ لَمّا كانَ مَظِنَّةَ الِاخْتِفاءِ فِيهِ قَدْ يُظَنُّ أنَّ العالِمَ يَقْصِدُ الِاطِّلاعَ عَلى السّاكِناتِ فِيهِ بِأهَمِّيَّةٍ ولا يَقْصِدُ إلى الِاطِّلاعِ عَلى السّاكِناتِ في النَّهارِ، فَذَكَرَ النَّهارَ لِتَحْقِيقِ تَمامِ الإحاطَةِ بِالمَعْلُوماتِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلدَّلالَةِ عَلى الحَصْرِ، وهو حَصْرُ السّاكِناتِ في كَوْنِها لَهُ لا لِغَيْرِهِ، أيْ في كَوْنِ مِلْكِها التّامِّ لَهُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ [الأنعام: ١٢] .

وقَدْ جاءَ قَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ كالنَّتِيجَةِ لِلْمُقَدِّمَةِ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإخْبارِ بِأنَّ اللَّهَ يَمْلِكُ السّاكِناتِ - التَّمْهِيدُ لِإثْباتِ عُمُومِ عِلْمِهِ، وإلّا فَإنَّ مِلْكَ المُتَحَرِّكاتِ المُتَصَرِّفاتِ

صفحة ١٥٦
أقْوى مِن مِلْكِ السّاكِناتِ الَّتِي لا تُبْدِي حَراكًا، فَظَهَرَ حُسْنُ وقْعِ قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ عَقِبَ هَذا.
والسَّمِيعُ العالِمُ العَظِيمُ بِالمَسْمُوعاتِ أوْ بِالمَحْسُوساتِ. والعَلِيمُ الشَّدِيدُ العالِمُ بِكُلِّ مَعْلُومٍ.

The same ayah, in another commentary

Al-Anʿām 6:13