All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

An-Nabaʾ 78:37 Juzʾ 30 Page 583

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

[From] the Lord of the heavens and the earth and whatever is between them, the Most Merciful. They possess not from Him [authority for] speech.

Read in the muṣḥaf

‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏

قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ بِرَفْعِ (رَبُّ) ورَفْعِ (الرَّحْمَنُ)، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، ويَعْقُوبُ بِخَفْضِهِما، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِخَفْضِ (رَبُّ) ورَفْعِ (الرَّحْمَنُ)، فَأمّا قِراءَةُ رَفْعِ الِاسْمَيْنِ فَ (رَبُّ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى قَوْلِهِ: مِن رَبِّكَ عَلى طَرِيقَةِ حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ حَذْفًا سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ حَذْفًا لِاتِّباعِ الِاسْتِعْمالِ الوارِدِ عَلى تَرْكِهِ، أيْ: في المَقامِ الَّذِي يَجْرِي اسْتِعْمالُ البُلَغاءِ فِيهِ عَلى حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ، وذَلِكَ إذا جَرى في الكَلامِ وصْفٌ ونَحْوُهُ لِمَوْصُوفٍ، ثُمَّ ورَدَ ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْهُ أوْ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لَهُ فَيَخْتارُ المُتَكَلِّمُ أنْ يَجْعَلَهُ خَبَرًا لا نَعْتًا، فَيُقَدِّرُ ضَمِيرَ المَنعُوتِ ويَأْتِي بِخَبَرٍ عَنْهُ وهو ما يُسَمّى بِالنَّعْتِ المَقْطُوعِ.

والمَعْنى: إنَّ رَبَّكَ هو رَبُّهم؛ لِأنَّهُ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، ولَكِنَّ المُشْرِكِينَ عَبَدُوا غَيْرَهُ جَهْلًا وكُفْرًا لِنِعْمَتِهِ. و(الرَّحْمَنُ) خَبَرٌ ثانٍ.

وأمّا قِراءَةُ جَرِّ الِاسْمَيْنِ فَهي جارِيَةٌ عَلى أنَّ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ نَعْتٌ

صفحة ٤٩
لِ (رَبِّكَ) مِن قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [النبإ: ٣٦] و(الرَّحْمَنُ) نَعْتٌ ثانٍ.
والرَّبُّ: المالِكُ المُتَصَرِّفُ بِالتَّدْبِيرِ ورَعْيِ الرِّفْقِ والرَّحْمَةِ، والمُرادُ بِالسَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مُسَمّاها مَعَ ما فِيها مِنَ المَوْجُوداتِ؛ لِأنَّ اسْمَ المَكانِ قَدْ يُرادُ بِهِ ساكِنُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الحج: ٤٥] في سُورَةِ الحَجِّ، فَإنَّ الظُّلْمَ مِن صِفاتِ سُكّانِ القَرْيَةِ لا صِفَةٌ لِذاتِها، والخَواءُ عَلى عُرُوشِها مِن أحْوالِ ذاتِ القَرْيَةِ لا مِن أحْوالِ سُكّانِها، فَكانَ إطْلاقُ القَرْيَةِ مُرادًا بِهِ كِلا المَعْنَيَيْنِ.

والمُرادُ بِما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ: ما عَلى الأرْضِ مِن كائِناتٍ وما في السَّماواتِ مِنَ المَلائِكَةِ وما لا يَعْلَمُهُ بِالتَّفْصِيلِ إلّا اللَّهُ، وما في الجَوِّ مِنَ المُكَوِّناتِ حَيَّةٍ وغَيْرِها مِن أسْحِبَةٍ وأمْطارٍ ومَوْجُوداتٍ سابِحَةٍ في الهَواءِ.

وما مَوْصُولَةٌ وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ، وقَدِ اسْتُفِيدَ مِن ذَلِكَ تَعْمِيمُ رُبُوبِيَّتِهِ عَلى جَمِيعِ المَصْنُوعاتِ.

وأُتْبِعَ وصْفُ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ بِذِكْرِ اسْمٍ مِن أسْمائِهِ الحُسْنى وهو اسْمُ الرَّحْمَنُ وخُصَّ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى؛ لِأنَّ في مَعْناهُ إيماءً إلى أنَّ ما يُفِيضُهُ مِن خَيْرٍ عَلى المُتَّقِينَ في الجَنَّةِ هو عَطاءُ رَحْمانَ بِهِمْ.

وفِي ذِكْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ الجَلِيلَةِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ؛ إذْ أنْكَرُوا اسْمَ الرَّحْمَنِ الوارِدِ في القُرْآنِ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [الفرقان: ٦٠] .

* * *
‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏
يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ حالًا مِن (ما بَيْنَهُما) لِأنَّ ما بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ يَشْمَلُ ما في ذَلِكَ مِنَ المَخْلُوقاتِ العاقِلَةِ، أوِ المَزْعُومِ لَها العَقْلُ مِثْلَ الأصْنامِ، فَيُتَوَهَّمُ أنَّ مِن تِلْكَ المَخْلُوقاتِ مَن يَسْتَطِيعُ خِطابَ اللَّهِ ومُراجَعَتَهُ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِإبْطالِ مَزاعِمِ المُشْرِكِينَ أوْ لِلِاحْتِراسِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّ ما تُشْعِرُ بِهِ صِلَةُ رَبٍّ مِنَ الرِّفْقِ بِالمَرْبُوبِينَ في تَدْبِيرِ شُؤُونِهِمْ يُسِيغُ إقْدامَهم عَلى خِطابِ الرَّبِّ.

صفحة ٥٠
والمِلْكُ في قَوْلِهِ: ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ مَعْناهُ القُدْرَةُ والِاسْتِطاعَةُ؛ لِأنَّ المالِكَ يَتَصَرَّفُ فِيما يَمْلِكُهُ حَسَبَ رَغْبَتِهِ لا رَغْبَةِ غَيْرِهِ، فَلا يَحْتاجُ إلى إذْنِ غَيْرِهِ.
فَنَفْيُ المِلْكِ نَفْيٌ لِلِاسْتِطاعَةِ.

وقَوْلُهُ: (مِنهُ) حالٌ مِن (خِطابًا) . وأصْلُهُ صِفَةٌ لِخِطابٍ فَلَمّا تَقَدَّمَ عَلى مَوْصُوفِهِ صارَ حالًا.

وحَرْفُ (مِن) اتِّصالِيَّةٌ، وهي ضَرْبٌ مِنَ الِابْتِدائِيَّةِ مَجازِيَّةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [الممتحنة: ٤]، فَ (مِن) الأُولى اتِّصالِيَّةٌ والثّانِيَةُ لِتَوْكِيدِ النَّصِّ. ومِنهُ قَوْلُهم: لَسْتُ مِنكَ ولَسْتَ مِنِّي. وقَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏ [آل عمران: ٢٨] أيْ: لا يَسْتَطِيعُونَ خِطابًا يُبَلِّغُونَهُ إلى اللَّهِ.

وضَمِيرُ ‏ ‏‏‏‏‏‏ عائِدٌ إلى ما المَوْصُولَةِ في قَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ لِأنَّها صادِقَةٌ عَلى جَمِيعِهِمْ.

والخِطابُ: الكَلامُ المُوَجَّهُ لِحاضِرٍ لَدى المُتَكَلِّمِ، أوْ كالحاضِرِ المُتَضَمِّنِ إخْبارًا أوْ طَلَبًا أوْ إنْشاءَ مَدْحٍ أوْ ذَمٍّ.

وفِعْلُ (يَمْلِكُونَ) يَعُمُّ لِوُقُوعِهِ في سِياقِ النَّفْيِ كَما تَعُمُّ النَّكِرَةُ المَنفِيَّةُ. و(خِطابًا) عامٌّ أيْضًا وكِلاهُما مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ بِمُخَصَّصٍ مُنْفَصِلٍ كَقَوْلِهِ عَقِبَ هَذِهِ الآيَةِ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ [النبإ: ٣٨] وقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [هود: ١٠٥] وقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [البقرة: ٢٥٥] وقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ [الأنبياء: ٢٨] .

والغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَذا إبْطالُ اعْتِذارَ المُشْرِكِينَ حِينَ اسْتَشْعَرُوا شَناعَةَ عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ الَّتِي شَهَّرَ القُرْآنُ بِها فَقالُوا: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ [يونس: ١٨]، وقالُوا: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ [الزمر: ٣] .

The same ayah, in another commentary

An-Nabaʾ 78:37