All commentaries

التحرير والتنوير

Ibn ʿĀshūr

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ)

Modern in idiom and classical in method; unusually strong on rhetoric and purpose.

At-Takwīr 81:24 Juzʾ 30 Page 586

‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And Muhammad is not a withholder of [knowledge of] the unseen.

Read in the muṣḥaf

‏‏‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏

الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى صاحِبُكم كَما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَدَّعُوا أنَّ جِبْرِيلَ ضَنِينٌ عَلى الغَيْبِ، وإنَّما ادَّعَوْا ذَلِكَ لِلنَّبِيءِ ﷺ ظُلْمًا وزُورًا، ولِقُرْبِ المَعادِ.

والغَيْبُ: ما غابَ عَنْ عِيانِ النّاسِ، أوْ عَنْ عِلْمِهِمْ وهو تَسْمِيَةٌ بِالمَصْدَرِ.

والمُرادُ ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ إلّا أنْ يُطْلِعَ عَلَيْهِ بَعْضَ أنْبِيائِهِ، ومِنهُ وحْيُ الشَّرائِعِ، والعِلْمُ بِصِفاتِ اللَّهِ تَعالى وشُؤُونِهِ، ومُشاهَدَةُ مَلَكِ الوَحْيِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وكُتِبَتْ كَلِمَةُ ‏‏‏‏ في مَصاحِفِ الأمْصارِ بِضادٍ ساقِطَةٍ كَما اتَّفَقَ عَلَيْهِ القُرّاءُ.

وحُكِيَ عَنْ أبِي عُبَيْدٍ، قالَ الطَّبَرِيُّ: هو ما عَلَيْهِ مَصاحِفُ المُسْلِمِينَ مُتَّفِقَةٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ قِراءَتُهم بِهِ.

وفِي الكَشّافِ هو في مُصْحَفِ أُبَيٍّ بِالضّادِ وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِالظّاءِ وقَدِ اخْتَصَرَ الشّاطِبِيُّ في مَنظُومَتِهِ في الرَّسْمِ عَلى رَسْمِهِ بِالضّادِ إذْ قالَ:

والضّادُ في ”بِضَنِينٍ“ تَجْمَعُ البَشَرا
وقَدِ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في قِراءَتِهِ، فَقَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ
صفحة ١٦١
وخَلَفٌ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالضّادِ السّاقِطَةِ الَّتِي تَخْرُجُ مِن حافَّةِ اللِّسانِ مِمّا يَلِي الأضْراسَ، وهي القِراءَةُ المُوافِقَةُ لِرَسْمِ المُصْحَفِ الإمامِ.
وقَرَأهُ الباقُونَ بِالظّاءِ المُشالَةِ الَّتِي تَخْرُجُ مِن طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا العُلْيا، وذُكِرَ في الكَشّافِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَأ بِهِما، وذَلِكَ مِمّا لا يَحْتاجُ إلى التَّنْبِيهِ؛ لِأنَّ القِراءَتَيْنِ ما كانَتا مُتَواتِرَتَيْنِ إلّا وقَدْ رُوِيَتا عَنِ النَّبِيءِ ﷺ .

والضّادُ والظّاءُ حَرْفانِ مُخْتَلِفانِ، والكَلِماتُ المُؤَلَّفَةُ مِن أحَدِهِما مُخْتَلِفَةُ المَعانِي غالِبًا إلّا نَحْوَ ”حُضَضٍ“ بِضادَيْنِ ساقِطَتَيْنِ و”حُظَظٍ“ بِظاءَيْنِ مُشالَيْنِ و”حُضَظٍ“ بِضادٍ ساقِطَةٍ بَعْدَها ظاءٌ مُشالَةٌ وثَلاثَتُها بِضَمِّ الحاءِ وفَتْحِ ما بَعْدَ الحاءِ. فَقَدْ قالُوا: إنَّها لُغاتٌ في كَلِمَةٍ ذاتِ مَعْنًى واحِدٍ وهو اسْمُ صَمْغٍ يُقالُ لَهُ: خَوْلانُ.

ولا شَكَّ أنَّ الَّذِينَ قَرَءُوهُ بِالظّاءِ المُشالَةِ مِن أهْلِ القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ وهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ قَدْ رَوَوْهُ مُتَواتِرًا عَنِ النَّبِيءِ ﷺ، ولِذَلِكَ فَلا يَقْدَحُ في قِراءَتِهِمْ كَوْنُها مُخالِفَةً لِجَمِيعِ نُسَخِ مَصاحِفِ الأمْصارِ؛ لِأنَّ تَواتُرَ القِراءَةِ أقْوى مِن تَواتُرِ الخَطِّ إنِ اعْتُبِرَ لِلْخَطِّ تَواتُرٌ.

وما ذُكِرَ مِن شَرْطِ مُوافَقَةِ القِراءَةِ لِما في مُصْحَفِ عُثْمانَ لِتَكُونَ قِراءَةً صَحِيحَةً تَجُوزُ القِراءَةُ بِها، إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ لِلْقِراءاتِ الَّتِي لَمْ تُرْوَ مُتَواتِرَةً كَما بَيَّنّا في المُقَدِّمَةِ السّادِسَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.

وقَدِ اعْتَذَرَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنِ اتِّفاقِ مَصاحِفِ الإمامِ عَلى كِتابَتِها بِالضّادِ مَعَ وُجُودِ الِاخْتِلافِ فِيها بَيْنَ الضّادِ والظّاءِ في القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ، بِأنْ قالَ: لَيْسَ هَذا بِخِلافِ الكِتابِ؛ لِأنَّ الضّادَ والظّاءَ لا يَخْتَلِفُ خَطُّهُما في المَصاحِفِ إلّا بِزِيادَةِ رَأْسِ إحْداهُما عَلى رَأْسِ الأُخْرى، فَهَذا قَدْ يَتَشابَهُ ويَتَدانى اهـ.

يُرِيدُ بِهَذا الكَلامِ أنَّ ما رُسِمَ في المُصْحَفِ الإمامِ لَيْسَ مُخالَفَةً مِن كُتّابِ المَصاحِفِ لِلْقِراءاتِ المُتَواتِرَةِ، أيْ أنَّهم يُراعُونَ اخْتِلافَ القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ فَيَكْتُبُونَ بَعْضَ نُسَخِ المَصاحِفِ عَلى اعْتِبارِ اخْتِلافِ القِراءاتِ وهو الغالِبُ. وها هُنا اشْتَبَهَ الرَّسْمُ فَجاءَتِ الظّاءُ دَقِيقَةَ الرَّأْسِ.

ولا أرى لِلِاعْتِذارِ عَنْ ذَلِكَ حاجَةً؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَتِ القِراءَتانِ مُتَواتِرَتَيْنِ عَنِ

صفحة ١٦٢
النَّبِيءِ ﷺ اعْتَمَدَ كُتّابُ المَصاحِفِ عَلى إحْداهُما وهي الَّتِي قَرَأ بِها جُمْهُورُ الصَّحابَةِ وخاصَّةً عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وأوْكَلُوا القِراءَةَ الأُخْرى إلى حِفْظِ القارِئِينَ.
وإذا تَواتَرَتْ قِراءَةُ بِضَنِينٍ بِالضّادِ السّاقِطَةِ و(بِظَنِينٍ) بِالظّاءِ المُشالَةِ عَلِمْنا أنَّ اللَّهَ أنْزَلَهُ بِالوَجْهَيْنِ وأنَّهُ أرادَ كِلا المَعْنَيَيْنِ.

فَأمّا مَعْنى ضَنِينٍ بِالضّادِ السّاقِطَةِ فَهو البَخِيلُ الَّذِي لا يُعْطِي ما عِنْدَهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الضَّنِّ بِالضّادِ مَصْدَرُ ضَنَّ، وإذا بَخِلَ، ومُضارِعُهُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ.

فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، أيْ: وما صاحِبُكم بِبَخِيلٍ أيْ: بِما يُوحى إلَيْهِ وما يُخْبِرُ بِهِ عَنِ الأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ طَلَبًا لِلِانْتِفاعِ بِما يُخْبِرُ بِهِ بِحَيْثُ لا يُنْبِئُكم عَنْهُ إلّا بِعِوَضٍ تُعْطُونَهُ، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ نَفْيِ أنْ يَكُونَ كاهِنًا أوْ عَرّافًا يَتَلَقّى الأخْبارَ عَنِ الجِنِّ إذْ كانَ المُشْرِكُونَ يَتَرَدَّدُونَ عَلى الكُهّانِ ويَزْعُمُونَ أنَّهم يُخْبِرُونَ بِالمُغَيَّباتِ، قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الحاقة: ٤١] ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ [الحاقة: ٤٢] فَأقامَ لَهُمُ الفَرْقَ بَيْنَ حالِ الكُهّانِ وحالِ النَّبِيءِ ﷺ بِالإشارَةِ إلى أنَّ النَّبِيءَ لا يَسْألُهم عِوَضًا عَمّا يُخْبِرُهم بِهِ وأنَّ الكاهِنَ يَأْخُذُ عَلى ما يُخْبِرُ بِهِ ما يُسَمُّونَهُ حُلْوانًا، فَيَكُونُ هَذا المَعْنى مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ [الفرقان: ٥٧] ﴿وما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ [الشعراء: ١٠٩] ونَحْوِ ذَلِكَ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَنِينٍ مَجازًا مُرْسَلًا في الكِتْمانِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ؛ لِأنَّ الكِتْمانَ بُخْلٌ بِالأمْرِ المَعْلُومِ لِلْكاتِمِ، أيْ: ما هو بِكاتِمٍ الغَيْبَ، أيْ: ما يُوحى إلَيْهِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [يونس: ١٥] وقالُوا ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ [الإسراء: ٩٣] .

ويَتَعَلَّقُ عَلى الغَيْبِ بِقَوْلِهِ: بِضَنِينٍ.

وحَرْفُ عَلى عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَعْنى الباءِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ [الأعراف: ١٠٥] أيْ: حَقِيقٌ بِي، أوْ لِتَضْمِينِ ضَنِينٍ مَعْنى حَرِيصٍ، والحِرْصُ: شِدَّةُ البُخْلِ وما مُحَمَّدٌ بِكاتِمٍ شَيْئًا مِنَ الغَيْبِ، فَما أخْبَرَكم بِهِ فَهو عَيْنُ ما أوْحَيْناهُ إلَيْهِ. وقَدْ يَكُونُ البَخِيلُ عَلى هَذِهِ كِنايَةً عَنْ كاتِمٍ وهو كِنايَةٌ بِمَرْتَبَةٍ أُخْرى

صفحة ١٦٣
عَنْ عَدَمِ التَّغْيِيرِ. والمَعْنى: وما صاحِبُكم بِكاتِمٍ شَيْئًا مِنَ الغَيْبِ، أيْ: ما أخْبَرَكم بِهِ فَهو الحَقُّ.
وأمّا مَعْنى (ظَنِينٍ) بِالظّاءِ المُشالَةِ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مُشْتَقٌّ مِنَ الظَّنِّ بِمَعْنى التُّهْمَةِ، أيْ: مَظْنُونٌ. ويُرادُ إنَّهُ مَظْنُونٌ بِهِ سُوءٌ، أيْ أنْ يَكُونُ كاذِبًا فِيما يُخْبِرُ بِهِ عَنِ الغَيْبِ، وكَثُرَ حَذْفُ مَفْعُولِ ظَنِينٍ بِهَذا المَعْنى في الكَلامِ حَتّى صارَ الظَّنُّ يُطْلَقُ بِمَعْنى التُّهْمَةِ فَعُدِّيَ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. وأصْلُ ذَلِكَ أنَّهم يَقُولُونَ: ظَنَّ بِهِ سُوءًا، فَيَتَعَدّى إلى مُتَعَلِّقِهِ الأوَّلِ بِحَرْفِ باءِ الجَرِّ فَلَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَذَفُوا الباءَ ووَصَلُوا الفِعْلَ بِالمَجْرُورِ فَصارَ مَفْعُولًا فَقالُوا ظَنَّهُ: بِمَعْنى: اتَّهَمَهُ، يُقالُ: سُرِقَ لِي كَذا وظَنَنْتُ فَلانًا.

وحَرْفُ (عَلى) في هَذا الوَجْهِ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ الَّذِي هو بِمَعْنى الظَّرْفِيَّةِ نَحْوَ ‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ [طه: ١٠] أيْ: ما هو بِمُتَّهَمٍ في أمْرِ الغَيْبِ وهو الوَحْيُ أنْ لا يَكُونَ كَما بَلَّغَهُ، أيْ أنَّ ما بَلَّغَهُ هو الغَيْبُ لا رَيْبَ فِيهِ، وعَكْسُهُ قَوْلُهُمُ: ائْتَمَنَهُ عَلى كَذا.

The same ayah, in another commentary

At-Takwīr 81:24