All commentaries

زاد المسير

Ibn al-Jawzī

ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)

Every opinion held on a verse, listed and numbered, then on.

An-Nūr 24:11 Juzʾ 18 Page 351

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

Indeed, those who came with falsehood are a group among you. Do not think it bad for you; rather it is good for you. For every person among them is what [punishment] he has earned from the sin, and he who took upon himself the greater portion thereof - for him is a great punishment.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ؛ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وما يَتَعَلَّقُ بِها بَعْدَها نَزَلَتْ في قِصَّةِ عائِشَةَ. وفي حَدِيثِ الإفْكِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إلى عَشْرِ آياتٍ نَزَلَتْ في قِصَّةِ عائِشَة. وقَدْ ذَكَرْنا حَدِيثَ الإفْكِ في كِتابِ " الحَدائِقِ " وفي كِتابِ " المُغَنِي في التَّفْسِيرِ " فَلَمْ نُطِلْ بِذِكْرِهِ، لِأنَّ غَرَضَنا اخْتِصارُ هَذا الكِتابِ لِيُحْفَظَ. فَأمّا الإفْكُ، فَهو الكَذِبُ، والعُصْبَةُ: الجَماعَةُ.

(p-١٨)وَمَعْنى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ أيْ: مِنَ المُؤْمِنِينَ. ورَوى عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ هم أرْبَعَةٌ: حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبِيِّ [بْنِ سَلُولٍ]، ومِسْطَحُ بْنُ أثاثَةٍ، وحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، وكَذَلِكَ عَدَّهم مُقاتِلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا خِطابٌ لِعائِشَةَ وصَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ، وقِيلَ: لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وعائِشَةَ؛ والمَعْنى: إنَّكم تُؤَجَرُونَ فِيهِ، ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ يَعْنِي: مِنَ العُصْبَةِ الكاذِبَةِ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: جَزاءُ ما اجْتَرَحَ مِنَ الذَّنْبِ عَلى قَدْرِ خَوْضِهِ فِيهِ، ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدُ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، والحَسَنُ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو، ويَعْقُوبَ: " كُبْرَهُ " بِضَمِّ (p-١٩)الكافِ. قالَ الكِسائِيُّ: وهُما لُغَتانِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كِبْرُ الشَّيْءَ: مُعْظَمُهُ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ يَذْكُرُ امْرَأةً:

تَنامُ عَنْ كِبَرِ شَأْنِها فَإذا قامَتْ رُوَيْدًا تَكادُ تَنْعَرِفُ

وَفِي المُتَوَلِّي لِذَلِكَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ، وبِهِ قالَ مُجاهِدُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلُ. قالَ المُفَسِّرُونَ: هو الَّذِي أشاعَ الحَدِيثَ، فَلَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ بِالنّارِ. وقالَ الضَّحّاكُ هو الَّذِي بَدَأ بِذَلِكَ.

والثّانِي: أنَّهُ حَسّانٌ؛ رَوى الشَّعْبِيُّ أنَّ عائِشَةَ قالَتْ: ما سَمِعَتُ أحْسَنَ مِن شِعْرِ حَسّانٍ، وما تَمَثَّلْتُ بِهِ إلّا رَجَوْتُ لَهُ الجَنَّةَ؛ فَقِيلَ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، ألَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فَقالَتْ: ألَيْسَ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ؟ ورَوى عَنْها مَسْرُوقُ أنَّها قالَتْ: وأيُّ عَذابٍ أشَدُّ مِنَ العَمى، ولَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ العَذابَ العَظِيمَ ذَهابَ بَصَرِهِ، تَعْنِي حَسّانَ بْنَ ثابِتٍ.

(p-٢٠)ثُمَّ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أنْكَرَ عَلى الخائِضِينَ في الإفْكِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: هَلّا إذْ سَمِعْتُمْ أيَّتُها العُصْبَةُ الكاذِبَةُ قَذْفَ عائِشَةَ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ مِنَ العُصْبَةِ الكاذِبَةِ، وهم حَسّانُ ومِسْطَحٌ ﴿والمُؤْمِناتُ﴾ وهِيَ: حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ ﴿بِأنْفُسِهِمْ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: بِأُمَّهاتِهِمْ. والثّانِي: بِأخَواتِهِمْ. والثّالِثُ: بِأهْلِ دِينِهِمْ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: كَذِبٌ بَيِّنٌ. وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ أبا أيُّوبٍ الأنْصارِيَّ قالَتْ لَهُ أُمُّهُ: ألا تَسْمَعُ ما يَقُولُ النّاسُ في أمْرِ عائِشَةَ؟! فَقالَ: هَذا إفْكٌ مُبِينٌ، أكُنْتِ يا أُمّاهُ فاعِلَتَهُ؟ قالَتْ: مَعاذَ اللَّهِ، قالَ: فَعائِشَةُ واللَّهِ خَيْرٌ مِنكِ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: هَلّا جاءَتِ العُصْبَةُ الكاذِبَةُ عَلى قَذْفِهِمْ [عائِشَةَ] ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وقَرَأ الضَّحّاكُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " بِأرْبَعَةٍ " مُنَوَّنَةٍ؛ والمَعْنى: يَشْهَدُونَ بِأنَّهم عايَنُوا ما رَمَوْها بِهِ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ أيْ: في حُكْمِهِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ . ثُمَّ ذَكَرَ القاذِفِينَ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: لَوْلا ما مَنَّ [اللَّهُ] بِهِ عَلَيْكُمْ، ﴿لَمَسَّكُمْ﴾ أيْ: لَأصابَكم ‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: أخَذْتُمْ وخُضْتُمْ ﴿فِيهِ﴾ مِنَ الكَذِبِ والقَذْفِ (p-٢١)‏‏‏‏ ‏‏‏‏ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. ثُمَّ ذَكَرَ الوَقْتَ الَّذِي لَوْلا فَضْلُهُ لَأصابَهم فِيهِ العَذابُ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ: بَلَغَنِي كَذا، فَيَتَلَقّاهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. وقَرَأ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: " إذْ تُلْقُونَهُ " بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ مَرْفُوعَةٍ وإسْكانِ اللّامِ وقافٍ مَنقُوطَةٍ بِنُقْطَتَيْنِ مَرْفُوعَةٍ خَفِيفَةٍ؛ وقَرَأ مُعاوِيَةُ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُما فَتَحا التّاءَ والقافَ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: " تَتَلَقَّوْنَهُ " بِتاءَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ مَعَ نَصْبِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعائِشَةُ، ومُجاهِدُ، وأبُو حَيْوَةَ: " تَلِقُونَهُ " بِتاءٍ واحِدَةٍ خَفِيفَةٍ مَفْتُوحَةٍ وكَسْرِ اللّامِ ورَفْعِ القافِ. وقالَ الزَّجّاجُ: " تُلْقُونَهُ ": يُلْقِيهِ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وتُلْقُونَهُ؛ ومَعْناهُ: إذْ تُسْرِعُونَ بِالكَذِبِ، يُقالُ: ولَقَ يَلْقَ: إذا أسْرَعَ في الكَذِبِ وغَيْرِهِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ جاءَتْ بِهِ عَنْسٌ مِنَ الشّامِ تَلِقُّ

أيْ: تُسْرِعُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: " تُلْقُونَهُ " أيْ: تَقْبَلُونَهُ، ومَن قَرَأ: " تُلْقُونَهُ " أخَذَهُ مِنَ الوَلْقِ، وهو الكَذِبُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: مِن غَيْرِ أنْ تَعْلَمُوا أنَّهُ حَقٌّ ﴿وَتَحْسَبُونَهُ﴾ يَعْنِي: ذَلِكَ القَذْفَ ﴿هَيِّنًا﴾ أيْ: سَهْلًا لا إثْمَ (p-٢٢)فِيهِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ في الوِزْرِ. ثُمَّ زادَ عَلَيْهِمْ في الإنْكارِ فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ أيْ: ما يَحِلُّ وما يَنْبَغِي لَنا ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ وهو يَحْتَمِلُ التَّنْزِيهَ والتَّعَجُّبَ. ورَوَتْ عائِشَةُ أنَّ امْرَأةَ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَتْ لَهُ: ألَمْ تَسْمَعْ ما يَتَحَدَّثُ النّاسُ؟! فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ... الآيَةُ، فَنَزَلَتْ الآيَةُ. وقَدْ رَوَيْنا آنِفًا أنَّ أُمَّهُ ذَكَرَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ. ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ سَعْدَ بْنَ مُعاذٍ لَمّا سَمِعَ ذَلِكَ قالَ: سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، فَقِيلَ لِلنّاسِ: هَلّا قُلْتُمْ كَما قالَ سَعْدٌ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏ أيْ: يَنْهاكُمُ اللَّهُ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: إلى مِثْلِهِ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ لِأنَّ مِن شَرْطِ الإيمانِ تَرْكَ قَذْفِ المُحْصَنَةِ. ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ في الأمْرِ والنَّهْىِ.

ثُمَّ هَدَّدَ القاذِفِينَ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ يُحِبُّونَ أنْ يَفْشُوَ القَذْفُ بِالفاحِشَةِ، وهي الزِّنا ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ يَعْنِي: الجَلْدَ ﴿والآخِرَةِ﴾ عَذابَ النّارِ. ورَوَتْ عُمْرَةُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «لَمّا نَزَلَ عُذْرِي قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى المِنبَرِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ، وتَلا القُرْآنَ، فَلَمّا نَزَلَ أُمِرَ بِرَجُلَيْنِ وامْرَأةٍ، فَضُرِبُوا حَدَّهم.» ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَدَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، ومِسْطَحَ بْنَ أُثاثَةَ، وحَسّانَ بْنَ ثابِتٍ، وحَمْنَةَ بِنْتَ جَحْشٍ، فَأمّا الثَّلاثَةُ فَتابُوا، وأمّا عَبْدُ اللَّهِ فَماتَ مُنافِقًا،» وبَعْضُ العُلَماءِ يُنْكِرُ صِحَّةَ هَذا، ويَقُولُ: لَمْ يَضْرِبْ أحَدًا.

(p-٢٣)قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏ شَرَّ ما خُضْتُمْ فِيهِ وما يَتَضَمَّنُ مِن سَخَطِ اللَّهِ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ ذَلِكَ، ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَعاقَبَكم فِيما قُلْتُمْ لِعائِشَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: مِسْطَحًا، وحَسّانَ، وحَمْنَةَ.

The same ayah, in another commentary

An-Nūr 24:11