All commentaries

زاد المسير

Ibn al-Jawzī

ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)

Every opinion held on a verse, listed and numbered, then on.

Ad-Dukhān 44:18 Juzʾ 25 Page 496

‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

[Saying], "Render to me the servants of Allah. Indeed, I am to you a trustworthy messenger,"

Read in the muṣḥaf
زاد المسير Ibn al-Jawzī

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيِ: ابْتَلَيْنا ﴿قَبْلَهُمْ﴾ أيْ: قَبْلَ قَوْمِكَ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ بِإرْسالِ مُوسى إلَيْهِمْ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ وهو مُوسى بْنُ عِمْرانَ.

وَفِي مَعْنى "كَرِيمٍ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: حَسَنُ الخُلُقِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. (p-٣٤٣)والثّانِي: كَرِيمٌ عَلى رَبِّهِ، قالَهُ الفَرّاءُ. والثّالِثُ: شَرِيفٌ وسِيطُ النَّسَبِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: بِأنْ أدُّوا ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أدُّوا إلَيَّ ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ بِاتِّباعِي، رَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَعَلى هَذا يَنْتَصِبُ "عِبادَ اللَّهِ" بِالنِّداءِ. قالَ الزَّجّاجُ: ويَكُونُ المَعْنى: أنْ أدُّوا إلَيَّ ما آمُرُكم بِهِ يا عِبادَ اللَّهِ.

والثّانِي: أرْسِلُوا مَعِي بَنِي إسْرائِيلَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والمَعْنى: أطْلِقُوهم مِن تَسْخِيرِكُمْ، وسَلِّمُوهم إلَيَّ.

‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: لا تَفْتَرُوا عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: لا تَعْتَوا عَلَيْهِ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: لا تَعَظَّمُوا عَلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ: بِحُجَّةِ تَدَلُّ عَلى صِدْقِي.

فَلَمّا قالَ هَذا تَواعَدُوهُ بِالقَتْلِ فَقالَ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ رَجْمُ القَوْلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: أنْ يَقُولُوا: شاعِرٌ أوْ مَجْنُونٌ.

والثّانِي: القَتْلُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: فاتْرُكُونِي لا مَعِي ولا عَلَيَّ، فَكَفَرُوا ولَمْ يُؤْمِنُوا، ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ قالَ الزَّجّاجُ: مَن فَتَحَ "أنَّ"، فالمَعْنى: بِأنَّ هَؤُلاءِ؛ ومَن كَسَرَ، فالمَعْنى: قالَ: إنَّ هَؤُلاءِ، و "إنَّ" بَعْدَ القَوْلِ مَكْسُورَةٌ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: المُجْرِمُونَ هاهُنا: المُشْرِكُونَ.

(p-٣٤٤)فَأجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ، وقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ يَعْنِي بِالمُؤْمِنِينَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَتْبَعُكم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ؛ فَأعْلَمَهم أنَّهم يَتْبَعُونَهُمْ، وأنَّهُ سَيَكُونُ سَبَبًا لِغَرَقِهِمْ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: ساكِنًا عَلى حالِهِ بَعْدَ أنِ انْفَرَقَ لَكَ، ولا تَأْمُرْهُ أنْ يَرْجِعَ كَما كانَ حَتّى يَدْخُلَهُ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ. والرَّهْوُ: مَشْيٌ في سُكُونٍ.

قالَ قَتادَةُ: لَمّا قَطَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ البَحْرَ، عَطَفَ يَضْرِبُ البَحْرَ بِعَصاهُ لِيَلْتَئِمَ، وخافَ أنْ يَتْبَعَهُ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ، فَقِيلَ [لَهُ]: "واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا"، أيْ: كَما هُوَ- طَرِيقًا يابِسًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أخْبَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِغَرَقِهِمْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ في تَرْكِ البَحْرِ عَلى حالِهِ.

‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: بَعْدَ غَرَقِهِمْ ‏‏ ‏‏‏ وقَدْ فَسَّرْنا الآيَةَ في [الشُّعَراءِ: ٥٧] . فَأمّا "النَّعْمَةُ" فَهو العَيْشُ اللَّيِّنُ الرَّغْدُ. وما بَعْدُ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ [يَس: ٥٥] إلى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ.

‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، وفي مَعْناهُ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ عَلى الحَقِيقَةِ؛ رَوى أنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "ما مِن مُسْلِمٍ إلّا ولَهُ في السَّماءِ بابانِ، بابٌ يَصْعَدُ فِيهِ عَمَلُهُ، وبابٌ يَنْزِلُ مِنهُ (p-٣٤٥)رِزْقُهُ، فَإذا ماتَ بَكَيا عَلَيْهِ"» وتَلا ﷺ هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «إنَّ المُؤْمِنَ إذا ماتَ بَكى عَلَيْهِ مُصَلّاهُ مِنَ الأرْضِ ومَصْعَدُ عَمَلِهِ مِنَ السَّماءِ، وإنَّ آلَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لَهم في الأرْضِ مُصَلًّى ولا في السَّماءِ مَصْعَدُ عَمَلٍ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: "فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ"،» وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحُمْرَةُ الَّتِي في السَّماءِ: بُكاؤُها. وقالَ مُجاهِدٌ: ما ماتَ مُؤْمِنٌ إلّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّماءُ والأرْضُ أرْبَعِينَ صَباحًا، فَقِيلَ لَهُ: أوَ تَبْكِي؟ قالَ: وما لِلْأرْضِ لا تَبْكِي عَلى عَبْدٍ كانَ يَعْمُرُها بِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ؟! وما لِلسَّماءِ لا تَبْكِي عَلى عَبْدٍ كانَ لِتَسْبِيحِهِ وتَكْبِيرِهِ فِيها دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ؟! .

والثّانِي: أنَّ المُرادَ: أهْلُ السَّماءِ وأهْلُ الأرْضِ، قالَهُ الحَسَنُ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏‏ [مُحَمَّدٍ: ٤]، أيْ: أهْلُ الحَرْبِ.

والثّالِثُ: أنَّ العَرَبَ تَقُولُ إذا أرادَتْ تَعْظِيمَ مَهْلِكِ عَظِيمٍ: أظْلَمَتِ الشَّمْسُ لَهُ، وكَسَفَ القَمَرُ لِفَقْدِهِ، وبَكَتْهُ الرِّيحُ والبَرْقُ والسَّماءُ والأرْضُ، يُرِيدُونَ المُبالَغَةَ في وصْفِ المُصِيبَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِكَذِبٍ مِنهُمْ، لِأنَّهم جَمِيعًا (p-٣٤٦)مُتَواطِئُونَ عَلَيْهِ، والسّامِعُ لَهُ يَعْرِفُ مَذْهَبَ القائِلِ فِيهِ؛ ونِيَّتَهم في قَوْلِهِمْ: أظْلَمَتِ الشَّمْسُ: كادَتْ تُظْلِمُ، وكَسَفَ القَمَرُ: كادَ يَكْسِفُ، ومَعْنى "كادَ": هَمَّ أنْ يَفْعَلَ ولَمْ يَفْعَلْ؛ قالَ ابْنُ مُفَرَّغٍ يَرْثِي رَجُلًا:

؎ الرِّيحُ تَبْكِي شَجْوَهُ والبَرْقُ يَلْمَعُ في غَمامَهْ

وَقالَ الآخَرُ

؎ الشَّمْسُ طالِعَةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفَةٍ- ∗∗∗ تَبْكِي عَلَيْكَ- نُجُومَ اللَّيْلِ والقَمَرا

أرادَ: الشَّمْسُ طالِعَةٌ تَبْكِي عَلَيْهِ، ولَيْسَتْ مَعَ طُلُوعِها كاسِفَةً النُّجُومَ والقَمَرَ، لِأنَّها مُظْلِمَةٌ، وإنَّما تَكْسِفُ بِضَوْئِها، فَنُجُومُ اللَّيْلِ بادِيَةٌ بِالنَّهارِ، فَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: إنَّ اللَّهَ لَمّا أهْلَكَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَبْكِ عَلَيْهِمْ باكٍ: ولَمْ يَجْزَعْ جازِعٌ، ولَمْ يُوجَدْ لَهم فَقْدٌ، هَذا كُلُّهُ كَلامُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

The same ayah, in another commentary

Ad-Dukhān 44:18