All commentaries

زاد المسير

Ibn al-Jawzī

ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)

Every opinion held on a verse, listed and numbered, then on.

Muḥammad 47:21 Juzʾ 26 Page 509

‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏

Obedience and good words. And when the matter [of fighting] was determined, if they had been true to Allah, it would have been better for them.

Read in the muṣḥaf

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ قالَ بَعْضُهُمْ: اثْبُتْ عَلى عِلْمِكَ، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ بِهَذا الخِطابِ غَيْرَهُ؛ وقَدْ شَرَحْنا هَذا في فاتِحَةِ " الأحْزاب " . وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِما يَقُولُونَ، فَقِيلَ لَهُ: اعْلَمْ أنَّهُ لا كاشِفَ لِما بِكَ إلّا اللَّهُ.

فَأمّا قَوْلُهُ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ فَإنَّهُ كانَ يَسْتَغْفِرُ في اليَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ، وأُمِرَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ إكْرامًا لَهم لِأنَّهُ شَفِيعٌ مُجابٌ.

(p-٤٠٥)‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مُتَقَلَّبُكم في الدُّنْيا ومَثْواكم في الآخِرَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: مُتَقَلَّبُكم في أصْلابِ الرِّجالِ إلى أرْحامِ النِّساءِ، ومَقامُكم في القُبُورِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: "مُتَقَلَّبُكُمْ" بِالنَّهارِ و "مَثْواكُمْ" أيْ: مَأْواكم بِاللَّيْلِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ قالَ المُفَسِّرُونَ: سَألُوا رَبَّهم أنْ يُنَزِّلَ سُورَةً فِيها ثَوابُ القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ، اشْتِياقًا مِنهم إلى الوَحْيِ وحِرْصًا عَلى الجِهادِ، فَقالُوا: "لَوْلا" أيْ: هَلّا؛ وكانَ أبُو مالِكٍ الأشْجَعِيُّ يَقُولُ: "لا" هاهُنا صِلَةٌ، فالمَعْنى: لَوْ أُنْزِلَتْ سُورَةٌ، شَوْقًا مِنهم إلى الزِّيادَةِ في العِلْمِ، ورَغْبَةً في الثَّوابِ والأجْرِ بِالِاسْتِكْثارِ مِنَ الفَرائِضِ.

وَفِي مَعْنى "مُحْكَمَةٌ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها الَّتِي يُذْكَرُ فِيها القِتالُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّها الَّتِي يُذْكَرُ فِيها الحَلالُ والحَرامُ. والثّالِثُ: الَّتِي لا مَنسُوخَ فِيها، حَكاهُما أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وَمَعْنى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: فُرِضَ فِيها الجِهادُ.

وَفِي المُرادِ بِالمَرَضِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: النِّفاقُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: الشَّكُّ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

(p-٤٠٦)قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ أيْ يَشْخَصُونَ نَحْوَكَ بِأبْصارِهِمْ يَنْظُرُونَ نَظَرًا شَدِيدًا كَما يَنْظُرُ الشّاخِصُ بِبَصَرِهِ عِنْدَ المَوْتِ، لِأنَّهم يَكْرَهُونَ القِتالَ، ويَخافُونَ إنْ قَعَدُوا أنْ يَتَبَيَّنَ نِفاقُهم.

‏‏‏‏ ‏‏‏ قالَ الأصْمَعِيُّ: مَعْنى قَوْلِهِمْ في التَّهْدِيدِ: "أوْلى لَكَ" أيْ: ولِيَكَ وقارَبَكَ ما تَكْرَهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ، تَقُولُ لِلرَّجُلِ -إذا أرَدْتَ بِهِ سُوءًا، فَفاتَكَ- أوْلى لَكَ، ثُمَّ ابْتَدَأ، فَقالَ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ وقالَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ: المَعْنى: طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أمْثَلُ. وقالَ الفَرّاءُ: الطّاعَةُ مَعْرُوفَةٌ في كَلامِ العَرَبِ، إذا قِيلَ لَهُمُ: افْعَلُوا كَذَلِكَ، قالُوا: سَمْعٌ وطاعَةٌ، فَوَصَفَ [اللَّهُ] قَوْلَهم قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ السُّورَةُ أنَّهم يَقُولُونَ: سَمْعٌ وطاعَةٌ، فَإذا نَزَلَ الأمْرُ كَرِهُوا. وأخْبَرَنِي حِبّانُ عَنِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَأوْلى﴾، ثُمَّ قالَ: ‏‏‏ أيْ: لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنهم ‏‏‏‏، فَصارَتْ "أوْلى" وعِيدًا لِمَن كَرِهَها، واسْتَأْنَفَ الطّاعَةَ بِـ "لَهُمْ"؛ والأوَّلُ عِنْدَنا كَلامُ العَرَبِ، وهَذا غَيْرُ مَرْدُودٍ، يَعْنِي حَدِيثَ أبِي صالِحٍ. وذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ الكَلامَ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ؛ والمَعْنى: فَأوْلى لَهم أنْ يُطِيعُوا وأنْ يَقُولُوا مَعْرُوفًا بِالإجابَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ قالَ الحَسَنُ: جَدَّ الأمْرُ. وقالَ غَيْرُهُ: جَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ في الجِهادِ، ولَزِمَ فَرْضُ القِتالِ، وصارَ الأمْرُ مَعْرُوفًا عَلَيْهِ. وجَوابُ "إذا" مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَإذا عَزَمَ الأمْرُ نَكَلُوا؛ يَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ أيْ: في إيمانِهِمْ وجِهادِهِمْ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ مِنَ المَعْصِيَةِ والكَراهَةِ.

‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏

So would you perhaps, if you turned away, cause corruption on earth and sever your [ties of] relationship?

(p-٤٠٧)قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ في المُخاطَبِ بِهَذا أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المُنافِقُونَ، وهو الظّاهِرُ. والثّانِي: مُنافِقُو اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: الخَوارِجُ، قالَهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيُّ. والرّابِعُ: قُرَيْشٌ، حَكاهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الإعْراضِ. فالمَعْنى: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإسْلامِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ بِأنْ تَعُودُوا إلى الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، ويُغِيرُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الوِلايَةِ لِأُمُورِ النّاسِ، قالَهُ القُرَظِيُّ. فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى "أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ": بِالجَوْرِ والظُّلْمِ.

وَقَرَأ يَعْقُوبُ: "وَتَقْطَعُوا" بِفَتْحِ التّاءِ والطّاءِ وتَخْفِيفِها وسُكُونِ القافِ. ثُمَّ ذَمَّ مَن يُرِيدُ ذَلِكَ بِالآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.

(p-٤٠٨)وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ [النِّساءِ: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، وذِكْرُ الأقْفالِ اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ أنَّ القَلْبَ يَكُونُ كالبَيْتِ المُقْفَلِ لا يَصِلُ إلَيْهِ الهُدى. [قالَ مُجاهِدٌ]: الرّانُ أيْسَرُ مِنَ الطَّبْعِ، والطَّبْعُ أيْسَرُ مِنَ الإقْفالِ، والإقْفالُ أشَدُّ ذَلِكَ كُلِّهِ، وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: مامِن آدَمِيٍّ إلّا ولَهُ أرْبَعُ أعْيُنٍ، عَيْنانِ في رَأْسِهِ لِدُنْياهُ وما يُصْلِحُهُ مِن مَعِيشَتِهِ، وعَيْنانِ في قَلْبِهِ لِدِينِهِ وما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الغَيْبِ، فَإذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا أبْصَرَتْ عَيْناهُ اللَّتانِ في قَلْبِهِ، وإذا أرادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ طُمِسَ عَلَيْهِما، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها" .

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: رَجَعُوا كُفّارًا؛ وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: مِن بَعْدِ ما وضَحَ لَهُمُ الحَقُّ. ومَن قالَ: هُمُ اليَهُودُ، قالَ: مِن بَعْدِ أنْ (p-٤٠٩)تَبَيَّنَ لَهم وصْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَعْتُهُ في كِتابِهِمْ. و سَوَّلَ بِمَعْنى زَيَّنَ. ‏‏‏‏ ‏‏‏ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "وَأُمْلِيَ لَهُمْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ وبَعْدَها ياءٌ مَفْتُوحَةٌ. وقَرَأ يَعْقُوبُ إلّا زَيْدًا، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما أسْكَنا الياءَ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ. وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الإمْلاءِ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٨، الأعْرافِ: ١٨٣] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: الأمْرُ ذَلِكَ، أيْ: ذَلِكَ الإضْلالُ بِقَوْلِهِمْ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ وفي الكارِهِينَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، فَعَلى هَذا في مَعْنى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: في القُعُودِ عَنْ نُصْرَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: في المَيْلِ إلَيْكم والمُظاهَرَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ . والثّالِثُ: في الِارْتِدادِ بَعْدَ الإيمانِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، فَعَلى هَذا في الَّذِي أطاعُوهم فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: في أنْ لا يُصَدِّقُوا شَيْئًا مِن مَقالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّانِي: في كَتْمِ ما عَلِمُوهُ مِن نُبُوَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ: بِكَسْرِ الألِفِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ أسْرَرْتُ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِفَتْحِها عَلى أنَّهُ جَمْعُ سِرٍّ، والمَعْنى أنَّهُ يَعْلَمُ ما بَيْنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ مِنَ السِّرِّ.

(p-٤١٠)قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم حِينَئِذٍ؟ وقَدْ بَيَّنّا في [الأنْفالِ: ٥٠] مَعْنى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: كَرِهُوا ما فِيهِ الرِّضْوانِ، وهو الإيمانُ والطّاعَةُ.

‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏

Those [who do so] are the ones that Allah has cursed, so He deafened them and blinded their vision.

(p-٤٠٧)قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ في المُخاطَبِ بِهَذا أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المُنافِقُونَ، وهو الظّاهِرُ. والثّانِي: مُنافِقُو اليَهُودِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: الخَوارِجُ، قالَهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيُّ. والرّابِعُ: قُرَيْشٌ، حَكاهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿تَوَلَّيْتُمْ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الإعْراضِ. فالمَعْنى: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الإسْلامِ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏ بِأنْ تَعُودُوا إلى الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، ويُغِيرُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الوِلايَةِ لِأُمُورِ النّاسِ، قالَهُ القُرَظِيُّ. فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى "أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ": بِالجَوْرِ والظُّلْمِ.

وَقَرَأ يَعْقُوبُ: "وَتَقْطَعُوا" بِفَتْحِ التّاءِ والطّاءِ وتَخْفِيفِها وسُكُونِ القافِ. ثُمَّ ذَمَّ مَن يُرِيدُ ذَلِكَ بِالآيَةِ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ.

(p-٤٠٨)وَما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ [النِّساءِ: ٨٢] إلى قَوْلِهِ: ‏‏ ‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، وذِكْرُ الأقْفالِ اسْتِعارَةٌ، والمُرادُ أنَّ القَلْبَ يَكُونُ كالبَيْتِ المُقْفَلِ لا يَصِلُ إلَيْهِ الهُدى. [قالَ مُجاهِدٌ]: الرّانُ أيْسَرُ مِنَ الطَّبْعِ، والطَّبْعُ أيْسَرُ مِنَ الإقْفالِ، والإقْفالُ أشَدُّ ذَلِكَ كُلِّهِ، وقالَ خالِدُ بْنُ مَعْدانَ: مامِن آدَمِيٍّ إلّا ولَهُ أرْبَعُ أعْيُنٍ، عَيْنانِ في رَأْسِهِ لِدُنْياهُ وما يُصْلِحُهُ مِن مَعِيشَتِهِ، وعَيْنانِ في قَلْبِهِ لِدِينِهِ وما وعَدَ اللَّهُ مِنَ الغَيْبِ، فَإذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا أبْصَرَتْ عَيْناهُ اللَّتانِ في قَلْبِهِ، وإذا أرادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ طُمِسَ عَلَيْهِما، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: "أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها" .

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: رَجَعُوا كُفّارًا؛ وفِيهِمْ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: مِن بَعْدِ ما وضَحَ لَهُمُ الحَقُّ. ومَن قالَ: هُمُ اليَهُودُ، قالَ: مِن بَعْدِ أنْ (p-٤٠٩)تَبَيَّنَ لَهم وصْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ونَعْتُهُ في كِتابِهِمْ. و سَوَّلَ بِمَعْنى زَيَّنَ. ‏‏‏‏ ‏‏‏ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وزَيْدٌ عَنْ يَعْقُوبَ: "وَأُمْلِيَ لَهُمْ" بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ وبَعْدَها ياءٌ مَفْتُوحَةٌ. وقَرَأ يَعْقُوبُ إلّا زَيْدًا، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما أسْكَنا الياءَ. وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ. وقَدْ سَبَقَ مَعْنى الإمْلاءِ [آلِ عِمْرانَ: ١٧٨، الأعْرافِ: ١٨٣] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: الأمْرُ ذَلِكَ، أيْ: ذَلِكَ الإضْلالُ بِقَوْلِهِمْ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ وفي الكارِهِينَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ، فَعَلى هَذا في مَعْنى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: في القُعُودِ عَنْ نُصْرَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والثّانِي: في المَيْلِ إلَيْكم والمُظاهَرَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ . والثّالِثُ: في الِارْتِدادِ بَعْدَ الإيمانِ، حَكاهُما الماوَرْدِيُّ.

والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ، فَعَلى هَذا في الَّذِي أطاعُوهم فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: في أنْ لا يُصَدِّقُوا شَيْئًا مِن مَقالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّانِي: في كَتْمِ ما عَلِمُوهُ مِن نُبُوَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والوَلِيدُ عَنْ يَعْقُوبَ: بِكَسْرِ الألِفِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ أسْرَرْتُ؛ وقَرَأ الباقُونَ: بِفَتْحِها عَلى أنَّهُ جَمْعُ سِرٍّ، والمَعْنى أنَّهُ يَعْلَمُ ما بَيْنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ مِنَ السِّرِّ.

(p-٤١٠)قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ أيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم حِينَئِذٍ؟ وقَدْ بَيَّنّا في [الأنْفالِ: ٥٠] مَعْنى قَوْلِهِ: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ .

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: كَرِهُوا ما فِيهِ الرِّضْوانِ، وهو الإيمانُ والطّاعَةُ.

Reading a passage 3 ayat 5 ayat 10 ayat Just this one

The same ayah, in another commentary

Muḥammad 47:21