All commentaries

زاد المسير

Ibn al-Jawzī

ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)

Every opinion held on a verse, listed briefly and numbered, then on to the next.

Al-Ḥāqqah 69:2 Juzʾ 29 Page 566

‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏

What is the Inevitable Reality?

Read in the muṣḥaf

(p-٣٤٥)سُورَةُ الحاقَّةِ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ

‏‏‏‏‏: القِيامَةُ. قالَ الفَرّاءُ: إنَّما قِيلَ لَها: حاقَّةٌ، لِأنَّ فِيها حَواقَّ الأُمُورِ. وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّما سُمِّيَتِ الحاقَّةَ، لِأنَّها تَحِقُّ كُلَّ إنْسانٍ بِعَمَلِهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏ هَذا اسْتِفْهامٌ، مَعْناهُ التَّفْخِيمُ لِشَأْنِها، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ، وما زَيْدٌ؟ عَلى التَّعْظِيمِ لِشَأْنِهِ. ثُمَّ زادَ في التَّهْوِيلِ بِأمْرِها، فَقالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: لِأنَّكَ لَمْ تُعايِنْها، ولَمْ تَدْرِ ما فِيها مِنَ الأهْوالِ.

ثُمَّ أخْبَرَ عَنِ المُكَذِّبِينَ بِها، فَقالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: القارِعَةُ: اسْمٌ مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ. قالَ مُقاتِلٌ: وإنَّما سُمِّيَتْ (p-٣٤٦)بِالقارِعَةِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقْرَعُ أعْداءَهُ بِالعَذابِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القارِعَةُ: القِيامَةُ لِأنَّها تَقْرَعُ، يُقالُ: أصابَتْهم قَوارِعُ الدَّهْرِ. وقالَ الزَّجّاجُ: لِأنَّها تَقْرَعُ بِالأهْوالِ. وقالَ غَيْرُهُمْ: لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ بِالفَزَعِ. فَأمّا "الطّاغِيَةُ" فَفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها طُغْيانُهم وكُفْرُهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى الطّاغِيَةِ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: طُغْيانُهم. و"فاعِلَةٌ" قَدْ يَأْتِي بِمَعْنى المَصادِرِ، نَحْوُ عاقِبَةٍ، وعافِيَةٍ.

والثّانِي: بِالصَّيْحَةِ الطّاغِيَةِ، قالَهُ قَتادَةُ. وذَلِكَ أنَّها جاوَزَتْ مِقْدارَ الصِّياحِ فَأهْلَكَتْهم.

والثّالِثُ: أنَّ الطّاغِيَةَ: عاقِرُ النّاقَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والرِّيحُ الصَّرْصَرُ قَدْ فَسَّرْناها في [حَم السَّجْدَةِ: ١٦] . والعاتِيَةُ: الَّتِي جاوَزَتِ المِقْدارَ. وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها عَتَتْ عَلى خُزّانِها يَوْمَئِذٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهم عَلَيْها سَبِيلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أرْسَلَها وسَلَّطَها. والتَّسْخِيرُ: اسْتِعْمالُ الشَّيْءِ بِالِاقْتِدارِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُسُومًا﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تِباعًا قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ الفَرّاءُ: الحُسُومُ: التِّباعُ، يُقالُ في الشَّيْءِ إذا تَتابَعَ، فَلَمْ يَنْقَطِعْ أوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ: حُسُومٌ. وإنَّما أُخِذَ - واللَّهُ أعْلَمُ - مِن حَسْمِ الدّاءِ: إذا كُوِيَ صاحِبُهُ، لِأنَّهُ يُحْمى ثُمَّ يُكْوى، ثُمَّ يُتابَعُ الكَيُّ عَلَيْهِ.

والثّانِي: كامِلَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ. فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّها حَسَمَتِ اللَّيالِيَ والأيّامَ فاسْتَوْفَتْها عَلى الكَمالِ، لِأنَّها ظَهَرَتْ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وذَهَبَتْ مَعَ غُرُوبِها. قالَ مُقاتِلٌ: هاجَتِ الرِّيحُ غُدْوَةً، وسَكَنَتْ بِالعَشِيِّ في اليَوْمِ الثّامِنِ، (p-٣٤٧)وَقُبِضَتْ أرْواحُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ طَيْرًا أسْوَدَ فالتَقَطَهم حَتّى ألْقاهم في البَحْرِ.

والثّالِثُ: أنَّها حَسَمَتْهُمْ، فَلَمْ تُبْقِ مِنهم أحَدًا، أيْ: أذْهَبَتْهم وأفْنَتْهُمْ، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: في تِلْكَ اللَّيالِي والأيّامِ ﴿صَرْعى﴾ وهو جَمْعُ صَرِيعٍ، لِأنَّهم صُرِعُوا بِمَوْتِهِمْ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ أيْ: أُصُولُ نَخْلٍ "خاوِيَةٌ" أيْ: بالِيَةٌ. وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ [القَمَرِ: ٢٠] .

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: مِن بَقاءٍ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والثّانِي: مِن بَقِيَّةٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. قالَ: وهو مَصْدَرٌ كالطّاغِيَةِ.

والثّالِثُ: هَلْ تَرى لَهم مِن أثَرٍ؟ قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ، والكِسائِيُّ، وأبانُ: بِكَسْرِ القافِ، وفَتْحِ الباءِ.

والباقُونَ: بِفَتْحِ القافِ، وإسْكانِ الباءِ. فَمَن كَسَرَ القافَ أرادَ: مَن يَلِيهِ ويَحُفُّ بِهِ مِن جُنُودِهِ وأتْباعِهِ. ومَن فَتَحَها أرادَ: مَن كانَ قَبْلَهُ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ. وفي "المُؤْتَفِكاتِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: قُرى قَوْمِ لُوطٍ. والمَعْنى: وأهْلُ المُؤْتَفِكاتِ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ ائْتَفَكُوا بِذُنُوبِهِمْ، أيْ: هَلَكُوا بِالذُّنُوبِ الَّتِي مُعْظَمُها الإفْكُ، وهو الكَذِبُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ قارُونُ وقَوْمُهُ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالخاطِئَةِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: بِالذُّنُوبِ، وقالَ الزَّجّاجُ: (p-٣٤٨)الخاطِئَةُ: الخَطَأُ العَظِيمُ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ أيْ: كَذَّبُوا رُسُلَهم ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: زائِدَةً عَلى الأحْداثِ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: تَجاوَزَ حَدَّهُ حَتّى عَلا عَلى كُلِّ شَيْءٍ في زَمَنِ نُوحٍ "حَمَلْناكُمْ" يَعْنِي: حَمَلْنا آباءَكم وأنْتُمْ في أصْلابِهِمْ "فِي الجارِيَةِ" وهِيَ: السَّفِينَةُ الَّتِي تَجْرِي في الماءِ "لِنَجْعَلَها" أيْ: لِنَجْعَلَ تِلْكَ الفَعْلَةَ الَّتِي فَعَلْنا مِن إغْراقِ قَوْمِ نُوحٍ، ونَجاةِ مَن حَمَلْنا مَعَهُ "تَذْكِرَةً" أيْ: عِبْرَةً، ومَوْعِظَةً "وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ" أيْ: أُذُنٌ تَحْفَظُ ما سَمِعَتْ، وتَعْمَلُ بِهِ. وقالَ الفَرّاءُ: لِتَحْفَظَها كُلُّ أُذُنٍ، فَتَكُونَ عِظَةً لِمَن يَأْتِي بَعْدَهُ.

The same ayah, in another commentary

Al-Ḥāqqah 69:2