All commentaries

زاد المسير

Ibn al-Jawzī

ابن الجوزي (ت ٥٩٧ هـ)

Every opinion held on a verse, listed briefly and numbered, then on to the next.

At-Takwīr 81:4 Juzʾ 30 Page 586

‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏

And when full-term she-camels are neglected

Read in the muṣḥaf

(p-٣٧)سُورَةُ التَّكْوِيرِ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعِهِمْ

رَوى أبُو عَبْدِ اللهِ الحاكِمُ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن أحَبَّ أنْ يَنْظُرَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ فَلْيَقْرَأْ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏» .

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُوِّرَتْ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

(p-٣٨)أحَدُها: أظْلَمَتْ، رَواهُ الوالِبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ قالَ الفَرّاءُ: ذَهَبَ ضَوْؤُها، وهَذا قَوْلُ قَتادَةُ، ومُقاتِلٍ.

والثّانِي: ذَهَبَتْ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: اضْمَحَلَّتْ.

والثّالِثُ: غُوِّرَتْ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ الأنْبارِيِّ، وهَذا مِن قَوْلِ النّاسِ بِالفارِسِيَّةِ: كُورْبَكَرْدُ. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ قالَ: هو بِالفارِسِيَّةِ كُورْبُورُ.

والرّابِعُ: أنَّها تُكَوَّرُ مِثْلَ تَكْوِيرِ العِمامَةِ، فَتُلَفُّ وتُمْحى، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى: " كُوِّرَتْ " جُمِعَ ضَوْؤُها، ولُفَّتْ كَما تُلَفُّ العِمامَةُ. ويُقالُ: كَوَّرْتُ العِمامَةَ عَلى رَأْسِي أُكَوِّرُها: إذا لَفَفْتُها. قالَ المُفَسِّرُونَ: تُجْمَعُ الشَّمْسُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ثُمَّ تُلَفُّ ويُرْمى بِها في البَحْرِ. وقِيلَ: في النّارِ. وقِيلَ: تُعادُ إلى ما خُلِقَتْ مِنهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ أيْ: تَناثَرَتْ، وتَهافَتَتْ. يُقالُ: انْكَدَرَ الطّائِرُ في الهَواءِ: إذا انْقَضَّ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ عَنْ وجْهِ الأرْضِ، فاسْتَوَتْ مَعَ الأرْضِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ قالَ المُفَسِّرُونَ وأهْلُ اللُّغَةِ: العِشارُ: النُّوقُ الحَوامِلُ، وهي الَّتِي أتى عَلَيْها في الحَمْلِ عَشْرَةُ أشْهُرٍ فَقِيلَ لَها: العِشارُ لِذَلِكَ، وذَلِكَ الوَقْتُ أحْسَنُ زَمانِ حَمْلِها، وهي تَضَعُ إذاوَضَعَتْ لِتَمامٍ في سَنَةٍ، فَهي أنْفَسُ ما لِلْعَرَبِ عِنْدَهُمْ، فَلا يُعَطِّلُونَها إلّا لِإتْيانِ ما يَشْغَلُهم عَنْها، وإنَّما (p-٣٩)خُوطِبَتِ العَرَبُ بِأمْرِ العِشارِ، لِأنَّ أكْثَرَ عَيْشِهِمْ ومالِهِمْ مِنَ الإبِلِ. ومَعْنى " عُطِّلَتْ " سُيِّبَتْ وأُهْمِلَتْ، لاشْتِغالِهِمْ عَنْها بِأهْوالِ القِيامَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي: دَوابَّ البَحْرِ ﴿حُشِرَتْ﴾ وفِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: ماتَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: جُمِعَتْ إلى القِيامَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ. وقَدْ زِدْنا هَذا شَرْحًا في [الأنْعامِ: ١١١] .

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، " سُجِرَتْ " بِتَخْفِيفِ الجِيمِ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَشْدِيدِها.

وَفِي المَعْنى ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أُوقِدَتْ فاشْتَعَلَتْ نارًا، قالَهُ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَبِسَتْ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: مُلِئَتْ بِأنْ صارَتْ بَحْرًا واحِدًا، وكَثُرَ ماؤُها، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: قُرِنَتْ بِأشْكالِها، قالَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. الصّالِحُ مَعَ الصّالِحِ في الجَنَّةِ، والفاجِرُ مَعَ الفاجِرِ في النّارِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: رُدَّتِ الأرْواحُ إلى الأجْسادِ، فَزُوِّجَتْ بِها، قالَهُ الشَّعْبِيُّ. وعَنْ عِكْرِمَةَ كالقَوْلَيْنِ.

والثّالِثُ: زُوِّجَتْ أنْفُسُ المُؤْمِنِينَ بِالحُورِ العِينِ، وأنْفُسُ الكافِرِينَ بِالشَّياطِينِ، قالَهُ عَطاءٌ، ومُقاتِلٌ.

(p-٤٠)قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ قالَ اللُّغَوِيُّونَ: المَوْؤُودَةُ: البِنْتُ تُدْفَنُ وهي حَيَّةٌ، وكانَ هَذا مِن فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ. ويُقالُ: وأدَ ولَدَهُ، أيْ: دَفَنَهُ حَيًّا. قالَ الفَرَزْدَقُ:

؎ ومِنّا الَّذِي مَنَعَ الوائِدا تِ فَأحْيا الوَئِيدَ ولَمْ يُوأدِ

يَعْنِي: صَعْصَعَةَ بْنَ صُوحانَ، وهو جَدُّ الفَرَزْدَقِ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى سُؤالِها: تَبْكِيتُ قاتِلِيها في القِيامَةِ، لِأنَّ جَوابَها: قُتِلْتُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ. ومِثْلُ هَذا التَّبْكِيتِ قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏؟! [المائِدَةُ: ١١٦] . وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو: " سَألَتْ " بِفَتْحِ السِّينِ، وألِفٍ بَعْدَها ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ بِإسْكانِ اللّامِ، وضَمِّ التّاءِ الأخِيرَةِ. وسُؤالُها هَذا أيْضًا تَبْكِيتٌ لِقاتِلِيها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتِ المَرْأةُ في الجاهِلِيَّةِ إذا حَمَلَتْ، فَكانَ أوانُ وِلادِها حَفَرَتْ حَفِيرَةً، فَتَمَخَّضَتْ عَلى رَأْسِ الحَفِيرَةِ، فَإنْ ولَدَتْ جارِيَةً رَمَتْ بِها في الحَفِيرَةِ، وإنْ ولَدَتْ غُلامًا حَبَسَتْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ " نُشِرَتْ " بِالتَّخْفِيفِ، والباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ. والمُرادُ بِالصُّحُفِ: صَحائِفُ أعْمالِ بَنِي آدَمَ تُنْشَرُ لِلْحِسابِ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ قالَ الفَرّاءُ: نُزِعَتْ، فَطُوِيَتْ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: " قُشِطَتْ " بِالقافِ، وهَكَذا تَقُولُهُ قَيْسٌ، وتَمِيمٌ، وأسَدٌ: بِالقافِ. وأمّا قُرَيْشٌ، فَتَقُولُهُ بِالكافِ، والمَعْنى واحِدٌ. (p-٤١)والعَرَبُ تَقُولُ: القافُورُ، والكافُورُ، والقِسْطُ، والكِسْطُ. وإذا تَقارَبَ الحَرْفانِ في المَخْرَجِ تَعاقَبا في اللُّغاتِ، كَما يُقالُ: حَدَثٌ، وحَدَتٌ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كُشِطَتْ كَما يُكْشَطُ الغِطاءُ عَنِ الشَّيْءِ، فَطُوِيَتْ. وقالَ الزَّجّاجُ: قُلِعَتْ كَما يُقْلَعُ السَّقْفُ. و ﴿سُعِّرَتْ﴾ أُوقِدَتْ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " سُعِّرَتْ " مُشَدَّدَةً. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى واحِدٌ. إلّا أنَّ مَعْنى المُشَدَّدِ: أُوقِدَتْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ. و ﴿أُزْلِفَتْ﴾ قُرِّبَتْ مِنَ المُتَّقِينَ. وجَوابُ هَذِهِ الأشْياءِ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏ أيْ: إذا كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ عَلِمَتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ كُلُّ نَفْسٍ ما أحْضَرَتْ مِن عَمَلٍ، فَأُثِيبَتْ عَلى قَدْرِ عَمَلِها. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏: لِهَذا جَرى الحَدِيثُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هاهُنا اثْنَتا عَشْرَةَ خِصْلَةً، سِتَّةٌ في الدُّنْيا، وسِتَّةٌ في الآخِرَةِ.

The same ayah, in another commentary

At-Takwīr 81:4