All commentaries

مفاتيح الغيب

Al-Rāzī

فخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)

Long and searching: raises the hardest questions on a verse and works through them.

Luqmān 31:12 Juzʾ 21 Page 412

‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏

And We had certainly given Luqman wisdom [and said], "Be grateful to Allah." And whoever is grateful is grateful for [the benefit of] himself. And whoever denies [His favor] - then indeed, Allah is Free of need and Praiseworthy.

Read in the muṣḥaf

ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏

قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ يَعْنِي: اللَّهُ خالِقٌ وغَيْرُهُ لَيْسَ بِخالِقٍ فَكَيْفَ تَتْرُكُونَ عِبادَةَ الخالِقِ وتَشْتَغِلُونَ بِعِبادَةِ المَخْلُوقِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏‏ أيْ بَيِّنٍ أوْ مُبِينٍ لِلْعاقِلِ أنَّهُ ضَلالٌ، وهَذا لِأنَّ تَرْكَ
صفحة ١٢٧
الطَّرِيقِ والحَيْدَ عَنْهُ ضَلالٌ، ثُمَّ إنْ كانَ الحَيْدُ يُمْنَةً أوْ يُسْرَةً فَهو لا يَبْعُدُ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، مِثْلُ ما يَكُونُ المَقْصِدُ إلى وراءٍ فَإنَّهُ يَكُونُ غايَةَ الضَّلالِ، فالمَقْصِدُ هو اللَّهُ تَعالى، فَمَن يَطْلُبْهُ ويَلْتَفِتْ إلى غَيْرِهِ مِنَ الدُّنْيا وغَيْرِها فَهو ضالٌّ، لَكِنَّ مَن وجْهُهُ إلى اللَّهِ قَدْ يَصِلُ إلى المَقْصُودِ، ولَكِنْ بَعْدَ تَعَبٍ وطُولِ مُدَّةٍ، ومَن يَطْلُبْهُ ولا يَلْتَفِتْ إلى ما سِواهُ يَكُنْ كالَّذِي عَلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ يَصِلُ عَنْ قَرِيبٍ مِن غَيْرِ تَعَبٍ.
وأمّا الَّذِي تَوَلّى لا يَصِلُ إلى المَقْصُودِ أصْلًا، وإنْ دامَ في السَّفَرِ، والمُرادُ بِالظّالِمِينَ المُشْرِكُونَ الواضِعُونَ لِعِبادَتِهِمْ في غَيْرِ مَوْضِعِها، أوِ الواضِعُونَ أنْفُسَهم في عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ.

* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏
قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ لَمّا بَيَّنَ اللَّهُ فَسادَ اعْتِقادِهِمْ بِسَبَبِ عِنادِهِمْ بِإشْراكِ مَن لا يَخْلُقُ شَيْئًا بِمَن خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وبَيَّنَ أنَّ المُشْرِكَ ظالِمٌ ضالٌّ، ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ ضَلالَهم وظُلْمَهم بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ نُبُوَّةٌ وهَذا إشارَةٌ إلى مَعْنًى، وهو أنَّ اتِّباعَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لازِمٌ فِيما لا يُعْقَلُ مَعْناهُ إظْهارًا لِلتَّعَبُّدِ، فَكَيْفَ ما لا يَخْتَصُّ بِالنُّبُوَّةِ، بَلْ يُدْرَكُ بِالعَقْلِ مَعْناهُ وما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُدْرَكٌ بِالحِكْمَةِ، وذَكَرَ حِكايَةَ لُقْمانَ وأنَّهُ أدْرَكَهُ بِالحِكْمَةِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ عِبارَةٌ عَنْ تَوْفِيقِ العَمَلِ بِالعِلْمِ، فَكُلُّ مَن أُوتِيَ تَوْفِيقَ العَمَلِ بِالعِلْمِ فَقَدْ أُوتِيَ الحِكْمَةَ، وإنْ أرَدْنا تَحْدِيدَها بِما يَدْخُلُ فِيهِ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى، فَنَقُولُ: حُصُولُ العَمَلِ عَلى وفْقِ المَعْلُومِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا أنَّ مَن تَعَلَّمَ شَيْئًا ولا يَعْلَمُ مَصالِحَهُ ومَفاسِدَهُ لا يُسَمّى حَكِيمًا وإنَّما يَكُونُ مَبْخُوتًا، ألا تَرى أنَّ مَن يُلْقِي نَفْسَهُ مِن مَكانٍ عالٍ، ووَقَعَ عَلى مَوْضِعٍ فانْخَسَفَ بِهِ وظَهَرَ لَهُ كَنْزٌ وسَلِمَ لا يُقالُ إنَّهُ حَكِيمٌ، وإنْ ظَهَرَ لِفِعْلِهِ مَصْلَحَةٌ وخُلُوٌّ عَنْ مَفْسَدَةٍ، لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِهِ أوَّلًا، ومَن يَعْلَمُ أنَّ الإلْقاءَ فِيهِ إهْلاكُ النَّفْسِ ويُلْقِي نَفْسَهُ مِن ذَلِكَ المَكانِ وتَنْكَسِرُ أعْضاؤُهُ لا يُقالُ إنَّهُ حَكِيمٌ، وإنْ عَلِمَ ما يَكُونُ في فِعْلِهِ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا قَوْلُهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ فَإنَّ أنْ في مِثْلِ هَذا تُسَمّى المُفَسِّرَةَ، فَفَسَّرَ اللَّهُ إيتاءَ الحِكْمَةِ بِقَوْلِهِ: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ وهو كَذَلِكَ؛ لِأنَّ مِن جُمْلَةِ ما يُقالُ: إنَّ العَمَلَ مُوافِقٌ لِلْعِلْمِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا عَلِمَ أمْرَيْنِ أحَدُهُما أهَمُّ مِنَ الآخَرِ، فَإنِ اشْتَغَلَ بِالأهَمِّ كانَ عَمَلُهُ مُوافِقًا لِعِلْمِهِ وكانَ حِكْمَةً، وإنْ أهْمَلَ الأهَمَّ كانَ مُخالِفًا لِلْعِلْمِ ولَمْ يَكُنْ مِنَ الحِكْمَةِ في شَيْءٍ، لَكِنَّ شُكْرَ اللَّهِ أهَمُّ الأشْياءِ، فالحِكْمَةُ أوَّلُ ما تَقْتَضِي، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّ بِالشُّكْرِ لا يَنْتَفِعُ إلّا الشّاكِرُ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ وبَيَّنَ أنَّ بِالكُفْرانِ لا يَتَضَرَّرُ غَيْرُ الكافِرِ بِقَوْلِهِ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ أيِ اللَّهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى شُكْرٍ حَتّى يَتَضَرَّرَ بِكُفْرانِ الكافِرِ، وهو في نَفْسِهِ مَحْمُودٌ سَواءٌ شَكَرَهُ النّاسُ أوْ لَمْ يَشْكُرُوهُ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ ولَطائِفُ.

الأُولى: فَسَّرَ اللَّهُ إيتاءَ الحِكْمَةِ بِالأمْرِ بِالشُّكْرِ، لَكِنَّ الكافِرَ والجاهِلَ مَأْمُورانِ بِالشُّكْرِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قَدْ أُوتِيَ الحِكْمَةَ. والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏ أمْرُ تَكْوِينٍ مَعْناهُ آتَيْناهُ الحِكْمَةَ بِأنْ جَعَلْناهُ مِنَ الشّاكِرِينَ، وفي الكافِرِ الأمْرُ بِالشُّكْرِ أمْرُ تَكْلِيفٍ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ في الشُّكْرِ ومَن يَشْكُرْ بِصِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ، وفي الكُفْرانِ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ، وإنْ كانَ الشَّرْطُ يَجْعَلُ الماضِيَ والمُسْتَقْبَلَ في مَعْنًى واحِدٍ، كَقَوْلِ القائِلِ: مَن دَخَلَ دارِي فَهو حُرٌّ، ومَن يَدْخُلْ دارِي فَهو حُرٌّ، فَنَقُولُ فِيهِ إشارَةٌ إلى مَعْنًى وإرْشادٌ إلى أمْرٍ، وهو أنَّ الشُّكْرَ يَنْبَغِي أنْ يَتَكَرَّرَ في كُلِّ وقْتٍ لِتَكَرُّرِ

صفحة ١٢٨
النِّعْمَةِ، فَمَن شَكَرَ يَنْبَغِي أنْ يُكَرِّرَ، والكُفْرُ يَنْبَغِي أنْ يَنْقَطِعَ، فَمَن كَفَرَ يَنْبَغِي أنْ يَتْرُكَ الكُفْرانَ، ولِأنَّ الشُّكْرَ مِنَ الشّاكِرِ لا يَقَعُ بِكَمالِهِ، بَلْ أبَدًا يَكُونُ مِنهُ شَيْءٌ في العَدَمِ، يُرِيدُ الشّاكِرُ إدْخالَهُ في الوُجُودِ، كَما قالَ: ﴿رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ [النمل: ١٩] وكَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] فَأشارَ إلَيْهِ بِصِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الشُّكْرَ بِكَمالِهِ لَمْ يُوجَدْ. وأمّا الكُفْرانُ فَكُلُّ جُزْءٍ يَقَعُ مِنهُ تامٌّ، فَقالَ بِصِيغَةِ الماضِي.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ تَعالى هُنا: ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ بِتَقْدِيمِ الشُّكْرِ عَلى الكُفْرانِ، وقالَ في سُورَةِ الرُّومِ: ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ فَنَقُولُ: هُناكَ كانَ الذِّكْرُ لِلتَّرْهِيبِ لِقَوْلِهِ تَعالى مِن قَبْلُ: ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏‏‏ ‏‏‏‏‏‏ [الروم: ٤٣] وهاهُنا الذِّكْرُ لِلتَّرْغِيبِ؛ لِأنَّ وعْظَ الأبِ لِلِابْنِ يَكُونُ بِطَرِيقِ اللُّطْفِ والوَعْدِ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَن عَمِلَ صالِحًا﴾ يُحَقِّقُ ما ذَكَرْنا أوَّلًا؛ لِأنَّ المَذْكُورَ في سُورَةِ الرُّومِ لَمّا كانَ بَعْدَ اليَوْمِ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ تَكُونُ الأعْمالُ قَدْ سَبَقَتْ فَقالَ بِلَفْظِ الماضِي: ﴿ومَن عَمِلَ﴾، وهاهُنا لَمّا كانَ المَذْكُورُ في الِابْتِداءِ قالَ: ‏‏‏ ‏‏‏‏ بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ، وقَوْلُهُ: ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏‏ ‏‏ ‏‏ عَنْ حَمْدِ الحامِدِينَ، حَمِيدٌ في ذاتِهِ مِن غَيْرِ حَمْدِهِمْ، وإنَّما الحامِدُ تَرْتَفِعُ مَرْتَبَتُهُ بِكَوْنِهِ حامِدًا لِلَّهِ تَعالى.

The same ayah, in another commentary

Luqmān 31:12